ثقافة المقال

“المثلث.. الأرض.. والإنسان”

1993

فؤاد عبد النور

قلنسوة ( 2 – 2 )
( قلنسوة قرية قديمة أثرية. القرية القديمة أصبح أكثر من نصفها تحت التراب. لم تعتن بها سلطة الآثار الإسرائيلية، لأن تاريخها عربي – إسلامي. كانت شهرتها في الماضي أكثر من الآن. فيها مقبرة آخر الأمويين الذين ذبحوا غير بعيدٍ عنها، ويقال أن القائد العباسي الذي ذبحهم فرد سجاداً وأقام مأدبة فوق جثث الضحايا والكثير منهم لم يكن ميتاً تماماً بعد. قد يكون لهذا السبب أن الصوفية قوية فيها. الموضوع السابق والحالي تسيطر عليهما أخبار الصوفيين. وأعترف أني اهتممت بأن تكون أخبار كل قرية من قرى المثلث مختلفة عن القرية الأخرى بشيء ما. فؤاد.)

كل ناس وإلهم مشرب!
أثناء إلتقاطي صوراً للبئر التاريخية، والجدار الذي نُزع منه الحجر الأثري، تقدم مني شابٌ طويل الجسم نحيفه، ذو لحيةٍ قصيرةٍ ، يرتدي جلباباً أبيض، وأراد أن يعرف ماذا أفعل هنا قرب السبيل والمقبرة. فأفهمته طبيعة عملي، وعرضت عليه نسخةً من الطبعة الثانية ل ٍ” الجليل.. الأرض واإنسان ” بغلاف الكتاب الميز لرجل في الزي الشعبي الفلسطيني يرشد ابنه لآثار قريةٍ ما في فلسطين، مطرودٌ أهلها، مدمرةٌ بيوتها، حتى لا يشك في، ويظن بي الظنون، فاطمأن نوعاً ما. وسألته بدوري إذا كان من أتباع الحركة الإسلامية، فأجاب بالنفي. استفسرت أكثر، فقال:
” كل ناس إلهم مشرب.. مشربنا نحن الشيخ يوسف نويهض في غزة “. أدركت أنه صوفي ّمن أتباع الشيخ يوسف نويهض، وكنت قد سمعت عنه بعض الشيء. فأبديت استغرابي:- الشيخ نويهض بعيد في غزة. مسافة كبيرة. كيف تكون من أتباعه؟ فابتسم وقال:
” ليش مستغرب.. لما بحتاجني الشيخ بتصير أذني تطن.. وكأن جرساً يدق فيها!”
أكدت لي هذه المقابلة أني يجب أن أركّز في قلنسوة على التعرف على الصوفية فيها، فشهرتهم منتشرة، وسمعت عنهم في أكثر من مكان. وسمعت أن حفيد الشيخ التكروري قد ورث المشيخة الآن، وله زاوية في القرية. فاتفقت مع كنعان على زيارته، ووجدت عند كنعان نفس الفضول، والتشوق للزيارة. وهكذا ذهبنا إلى الزاوية مساء يوم خميس، وكان اختيار اليوم موفقاً دون أن نقصد. إذ تبين أن ليلة الخميس هي ليلة اجتماع الصوفية في كل مكان، بعد صلاة العشاء التقليدية.
وجدنا الزاوية عامرة،ً وهي عبارة عن غرفةٍ أرضيةٍ كبيرة، خصصها صاحب البيت لاستخدام الجماعة. وقد وُضعت على الأرض فرشات غير عريضةٍ من الإسفنج عند الجدران ما عدا جدار المدخل للغرفة، ومساند للظهر. وبعد أن رحب بنا صاحب البيت، لاحظت أنه يجلس إلى جانبه شابان من غزة، أحدهما ممتلئ الجسم، بلحيةٍ متوسطة الحجم، ولكنه حليق الشارب على طريقة الكثير من أتباع الصوفية، والآخر قصير القامة، دقيق الجسم، بلحيةٍ قصيرةٍ مدببة، وشاربٍ صغير، يغطي رأسه بحطةٍ بيضاء معقودة للخلف، ويحمل بيده دفاً كبير الحجم، يُدعى الطاس، يكاد قطر الدف يبلغ طول الذراع، وإلى جانبه يجلس ثلاثة آخرون من أتباع الطريقة، وانضم إلينا أثناء السهرة العديد من الشبان الآخرين، يبدو عليهم الرقي وحسن التهذيب.
بعد أن جلسنا أخذ حامل الدف الغزي في الضرب عليه برفق، ويرافق الضرب بغناءٍ منغمٍ خفيف، طربتُ له، واستمتعت بالكلمات، وانتظرت إلى أن أكمل، ربع ساعة تقريباً، وطلبت من جاري همساً أن يكتب لي الكلمات، وراجعها المنشد بعد أن انتهى من الإنشاد واستراح:
في أول القول مدحك يا نبي واجب يا غصن ريحان بين العين والحاجب
مَن شبّه الورد لخد النبي كاذب من وين للورد جوز عيون وحاجب
والسيد إللي من الشباك مد إيده جاب الأسير من بلاد الكفر بحد يده
في أول الليل بقرأ ورده أُو بعيده في أول الليل بسلم على النبي بإيده
يا سيد الرسل أنا قصدي رواحي لك شميت رواح طــيبة مــن رياحينــــــك
لكن عيناي يا زين منعني من رواحي لك طول بكاي على قلة رواحي لك
ساد الهدوء قليلاً. أخذت أتأمل الحاضرين. لاحظت أن الشيخ التكروري يلف رأسه بحطةٍ صفراء مرتخية، ويضع المضيف صاحب البيت على رأسه حطةً بيضاء عادية. أما الجالس إلى جانب ضارب الدف، صاحب الملابس الأنيقة، والعباءة الفضفاضة، والعمامة الخضراء الغامقة، حامل المحجانة، فقد عرفني على نفسه بأنه الشيخ إبراهيم النصاصرة من اللد، وتبرع بالرد على استفساراتي:
” العمامة الصفراء تعد إشارة في لباس سيدي إبراهيم الدسوقي. الحمراء لسيدي الرفاعي. والبيضاء لسيدي الجيلاني. كله اقتداء بالرسول الكريم.”
الاجتهادات في الحركات الصوفية كثيرة، بكثرة شيوخها. فيها مراتب متعددة، وشيخ الطريقة هو الذي يقرر مرتبة المريد الذي يلتصق به، ويطلب منه الإرشاد. ومن الممكن أن تكون للشيخ أكثر من طريقة، وأن يكلّف المريد بأكثر من واجب. على المريد أن يقوم بما يُكلف به مهما كان ذلك مرهقاً. وفهمت من أكثر من شيخ، أن الشيخ يستطيع أن يعرف تماما إن قام المريد بالواجب المكلف به أم لا، مثل ترديد عددٍ من الأوراد، وغير ذلك من واجبات. كيف يستطيعون التأكد، إنهم لا يُفصحون. بوسعك الاستنتاج بأنه اتصال روحاني- روموت كونترول!
ولا نبالغ إذا قلنا أن الود غير متوفرٍ بين هذه الطرق المختلفة. هناك الكثير من المنافسة على الأتباع. يجب التمسك بالتقاليد في الزيارات والاتصالات. وكذلك أثناء الحضور لمناسبات الأفراح والأتراح. ويجب الحرص على عدم التعدي على مناطق النفوذ. لا يستطيع شيخٌ ما أن يزور شيخاً آخر دون مراسيم معينة، كأن يرسل أحد مريديه معلناً رغبته في الزيارة، وقد عقد على رقبته منديلاً، فيفهم الشيخ المضيف أن هناك استئذاناً بالزيارة، فإن قبلها، عليه مقابلة الضيف الزائر بالعدة والإكرام. ولكن الشيخ المتحدث اعترف أن هذا أصبح صعباً في هذا العصر، لتغير مفاهيم الناس، وضعف الحركات الصوفية، وضعف التأييد الشعبي لتلك المراسيم، لنقل حسب تعبيره: ” ما في حدا فاضي لها اليوم”. خف الخروج لمسيرات الصوفية المختلفة، ولكن بقي الخروج في الجنازات، خاصة إذا كان الفقيد صوفياً. ولكن إن طلب أهل فقيد أن تخرج العدة في الجنازة، فإنهم يخرجون، حتى ولو لم يكن الميت صوفياً، تابعاً لطريقةٍ معينة.
وبالرغم من أن الشيوخ يراعون بعضهم بعضاً، إلا أنه من الممكن أن تحدث بعض المشاكل الخطيرة مثلما حصل عند انتهاء ترميم مقام الشيخ علي في قلنسوة. وكان الذي رمم المقام واعتنى به جماعة الشيخ النصاصرة، الذي ذكرناه قبل قليل، بأنه صاحب المحجانة والعمامة الخضراء، وبعض المناصرين في القرية، دون أن يكونوا من الأتباع. أقيمت حلقة للذكر احتفالاً بانتهاء الترميم، ودعا جماعة النصاصرة مصور فيديو لتصوير الحدث، ودُعي الشيخ التكروري ومريديه للمشاركة في الاحتفال، وبدء في ضرب المزهر، ثم تبعه ضرب الشيش. ولما وصل الشيخ تكروري ومريديه، غضبوا لأن الجماعة الرفاعية لم ينتظروا قدومهم حسب الأصول، فهاجت النفوس حسب تعبير أحد السكان في قلنسوة، وعلقت طوشة، واستولت ” الروح ” على أحد مريدي الشيخ النصاصرة، وأخذ يتمايل على كرسيه، ويصرخ بلغةٍ غير مفهومة، والشيوخ والمريدون مشغولون بالجدال الثائر، ثم انتبه أحدهم إلى الدرويش الذي ساءت حالته جداً، فهدأ الجميع، وأسرع الشيخ النصاصرة إلى درويشه، وقرأ على رأسه الفاتحة، فسكن، وانفض الحفل بغير نظامٍ. الخصام ظاهرٌ، والود مفقودٌ، وأُرجح أن الجلسة التي حضرناها وذكرناها قبل قليل قد تمت بعد أن عُـقدت مراسيم الصلح بين الجماعتين.
شفاءٌ روحاني
هناك صوفيٌ أخر في قلنسوة، أخذ الطريق مباشرةً، عن طريق قوى روحيةٍ بالطبع، وليس عن طريق شيخ طريقةٍ، ولم يمر بمرحلة المريد الطويلة والمنهكة أحياناً، بعد الكثير من الدراسة والتعبد والتهجد. سمعت عنه وأنا أتجول في قلنسوة، ووجدت عنده اثنين من المريدين. قلت له فلانٌ أرسلني إليك، فنظر إلي مرتاباً بعض الشيء، واستقبلني رغم ريبته الظاهرة من قصد المرسل. ولكني طاولته بالحديث، وأفهمته ما أقوم به، وأني أتعامل باحترامٍ مع عقائد من أقابلهم، ولو اختلفت كليةً عن عقيدتي، وأسجل واقع ما أجده بإخلاصٍ، وأتقبله كواقعٍ قائم، لا أتدخل فيما أسمعه، وأعتبر الحديث حقـيقـيٌّ ما دام المتحدث يعتبره كذلك، ليست مهمتي نقد الموجود، بل تسجيله دون تدخلٍ مني.
زال تحفظه، وطلب لنا القهوة، وقال أنه فعلاً الشيخ عبد الكريم مثاني،( في البداية لم أكن أعرف من هو الشيخ المطلوب بين الثلاثة) وهو رجلٌ قصير القامة، قصير اللحية، في السادسة والخمسين من عمره، يبدو أصغر سنا لتمتعه بصحةٍ جيدة. وعبر عن تقبّله لعدم احترام العامة من الناس لكل ما يشذّ عن الرأي السائد، ويتميز بأمورٍ غير مفهومةٍ لهم. وكان مما قاله:
” عرفت طريقي ومولاي عن طريق الدراسة والتعبد في الليل. أُخذت لمستشفى ” مئير ” في كفار سابا لاستئصال زائدة دودية ملتهبة. بعد إجراء العملية تركوني تحت إشرافٍ طبيّ قوي لأن حالتي كانت خطرة. بعد أن تركني الأطباء، وبقيت وحيداً في الغرفة، شعرت بأطباء روحيين في الغرفة، وضربني واحدٌ منهم على جانبي سبع ضرباتٍ فصرخت من الألم، ولكن الذي ضرب قال: آيةً للذين يكتمون ما أنزل الله من البـيّنات كأنهم يأكلون في بطونهم ناراً( سورة البقرة).
” سمع الأطباء والممرضات الصراخ فأتوا مسرعين، دخلوا الغرفة ولم يجدوا أحدا، ووجدوني قد هدأت، أبتسم، وكل الألم الذي كنت أُعانيه ذهب. لم يعرفوا ما يقولون، ولكنهم أَسرعوا لصرفي من المستشفى عندما قنعوا بأني قد شفيت تماماً. أصبحت أرى حلاوة العبادة لا تنقطع في نظري أبداً. قراءة القرآن.. التسبيح.. التهليل. أصبحت أشعر بقوىً معينة، وهذا أمرٌ لا أقصده، ولا أعرفه. قوة غريبة غير معهودة أصبحت أشعر بها. والله لو طلبت أمراً من الله وأريد أن أعرفه، ولو كان في موسكو لعرفته!
” طريقتنا ليست طريقة صوفية عادية. اعتبرها طريقة عبادة خاصة. اـتـقوا الله، فيعلّمكم الله. هذا هو عنوان طريقتنا. صارت لي قصة كبيرة مع الضريبة. صحت بالحاكم أنتم تعملون ضد كل ما جاء به الأنبياء! كنت مكلفاً أن أقول هذا للحاكم. غضب. قلت له: أعلم أنك لا تملك الرحمة. إذ هي للخالق!
” وفاة الخميني عرفت بها شهر قبل حدوثها. ووجه الحديث لمريديه: ألم أقل لكما. فهزا رأسهما بالإيجاب. عندما غزا صدام الكويت، وصلتني الإشارة قبل الغزو، والتفت ثانية إلى مريديه: ألم أقل لكما أن صدام سيحتل الكويت، فأشارا ثانية بالموافقة. واستأذن الشابان، وقد سحرني بلهجته الواثقة، رأيت أن تجاربه تتوافق مع الكثير مما قرأته عن قدراتٍ روحية، أو لنقل غير عاديةٍ، عند بعض الناس. وبعد فترة صمتٍ قصيرة، عاد للقول:
” أنا أومن أن حكم المسيح على الأبوابّ!”
كان تصريحاً غير متوقعاً بالمرة. لم أصدق في البداية أنه يعني ما يقول. ولم يكن متوقعاً أبداً أن يعرف أني مسيحيّ العقيدة، إلا إذا كان قد عرف بقدراته الروحية. ورغم ذلك لا أظن أنه كان يرغب في إرضائي بذلك. وعبرت عن دهشتي:
– مسلم، ومؤمن بعودة المسيح وبحكمه؟ لقد فقد معظم المسيحيون الإيمان بعودته! فنظر إليّ بتمعنٍ وقال:
” لماذا تستغرب ذلك. يؤمن الكثير من المسلمين بذلك. لست وحيداً في هذا. هنالك شيوخٌ مسلمون كبار يؤمنون بعودته. أحدهم، وهو من كبارهم شأنا في القدس اعترف لي بإيمانه هذا، ولكنه يخشى أن يُعلن ذلك جهاراً. أنا أعرف هذا من دراساتي، ومن استخارتي الله. إن حكم المسيح على الأبواب. لا أخشى من التصريح بهذا ، حتى ولو بدا ذلك غريباً أو مستهجناً لأبناء بلدتي.”

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق