ثقافة السرد

مقامة الصفقة

محمد حسين السماعنة*

حدثني قال :
قالوا لي : صفق تعش تنتعش
وكلهم في قريتي يعرفون أنني المصفق حمدون، وأنني خير من يصفق فرحا وطربا واحتفالا ولعبا، وأن أعراس القرية من غير تصفيقي لا طعم لها ولا بهجة، ولا لون لها ولا تكون فرجه، وأني أنماز بطريقة بديعة في التصفيق وقت الرخاء ووقت الضيق، فالتصفيق عندي صار اختصاصا أختصصت به وشهرني فاشتهرت به، وحرفة لا يتقنها غيري ومهارة مهرت بها في إقامتي وسيري .
ولما وجدت الناس قد استحسنوا تصفيقي طورته وخصصته، وهذبته وأطعمته
وطعّمته ونظّمته وضخّمته وطوّعته ومايزت بين درجاته وسكناته بين شدة ولين ورقة وحدة بين حين وحين، فجعلت للتخرج إيقاعا ، وللزواج إيقاعا، وللطهور إيقاعا، ومزجت بين الأنواع فابتكرت تصفيقا كوكتيليا يؤنس السمار  وتصفيقا طوليا للنهار، وتصفيقا شاقوليا يسلي الهم عند احتضاره.، وتصفيقا يطلبه المسافر ليحمله في أسفاره .
وبينا أنا في صعود وارتفاع والحديث عن تصفيقي انتشر وذاع وبلغ أبعد الأصقاع، جاءني أحدهم في سيارة كبيرة أوقفها باب بيتي على مشهد من أهل الديرة ، ونادى يا حمدون ! فخرجت من بيتي كالمجنون ، فمن هذا ولماذا؟ فقلت له لبيك وسعديك ، رحم الله والديك ، وجلس حيث أشرت ، وأكل مما قدّمت ، ولما رأيت الضيف استراح وهم على الانبطاح ، قلت له: أهلا ثم أهلا ! فقال: قطعت إليك المفاوز جبلا وسهلا !فقلت له :وأرجو أن يكون عندي طلبك ، وفي قريتي أربك ، فقال بصوت مسموع نفرت منه: الجموع طلبي أن تأتي معي إلى المدينة يا صاحب الأكف المخلصة الأمينة لتكون معي في جوقة المصفقين فإني أراك من البارعين ، وسنعطيك من المال ما تملأ بها هذا الشوال ! فالتفتُّ إلى زوجتي فإذا هي تصك وجهها وتقول: لا تقبل يا حزين ، دعنا هنا بين اللوز والعنب والزيتون والتين ، فتنحنحت ثم تنحنحت ، وعن الحصيرة تململت ، ووقفت ثم قعدت ، وبين زوايا الغرفة تنقلت ثم التفت إلى الرجال صاحب البنطال ، وقلت له : قبلت ولكن عندي سؤال
فقال: سل ما تريد أيها المصفق الفريد ؟!
فسألته وأهل القرية يسمعون السؤال: أيكون تصفيقي محددا بموال ؟ وهل سأصفق وفقا لما تطلبون أم وفقا لما أراه سيكون ؟
فقال: يا حمدون ، في المدينة لا حياة إلا لمن وضع وقته مشرَّحا أمام عينيه، وأموره مسارها بين يديه ، فإن سار على هواه ابتلعته الحياه ، وأنت ستكون ضمن جوقة معروفة في التصفيق والتطبيل ، إن قيل لك طبل فعليك أن تطبل ، وإن قيل لك سحج فعليك أن تسحج ، وإن قيل لك اسكت فعليك أن تسكت .
وهنا تنحنح المختار ، ودخلت عباؤته الدار ، وقال: يا حمدون أنت هنا في القلب والعيون ،وأنت مصفق الديار بل مصفق المختار ، فابق معي وسنخصص لك من المحصول ما تشبع ، هيا قل لهذا الرجل البنطالي غادر ولا ترجع.
فتنحنحت فقال: يكفي ما سنعطيكه فلا تطمع .
وصرت بين خيارين : أن أدخل في جوقة تطبيلية تسحيجية تصفيقية مشهورة معروفة أو أن أبقى وحيدا أنثر تصفيقاتي على آذان وقلوب محروثة.
وبينا أنا في حيرتي وصفنتي نادتني زوجتي من خلف الأبواب وهمست في أذني كلمة تهز ذوي الألباب وفي حيرة تركتني، وإلى داخل الغرفة دفعتني ، فركضت إلى الرجل البنطالي وأنا أجرجر حالي وأمسد موالي ، وقلت له: يا صاحبي ارحل ولا تعد، ودعني فإني حل بهذا البلد .
وبعد يوم طويل وليل عليل ، أرسل المختار في طلبي فقلت إنه قد ناداني ليعطيني أربي، فدخلت وسلمت، وعلى مقعد قرب المختار جلست ، فوضع كفه فوق كفي وأعطاني ثلاث حبات من التفاح ورغيفا وقال: خذها فأنا قررت أنها تكفي !وغدا يا حمدون قف أمام بيتي وصفق لي نغمة العصفور وأطرب أهلي الذين في القبور.
ونادني عند العشاء ، وقال: يا حمدون أشعر بالجنون وأن فوق رأسي بطحات وتحت رجلي شوكات فصفق لي بما يزيل الغمة ويمحو عن الرأس همه .
ونادني سحرا والناس نيام وقال لي: يا حمدون أنظر إلى هذه العيون أترى ما فيها من قلق وأن كلامها ما استقام ولا اتسق ، انفث فيها من سحر تصفيقك، ومن جمال بريقك . وناداني في المساء وقال لي: لبِ ما تطلبه النساء، وناداني عشاء على استحياء وأسر لي بأمر ذي ابتلاء وقال: صفق لعلها تفرج على يديك رضي الله عنك وعليك …
وزاد طلب المختار لي حتى أتعب تصفيقي له كفي؛ فقلت الهروب الهروب وعلينا بالحيلة وخفقان القلوب. فجئته في ليلة ليلاء، وقلت له: يا مختارنا صاحب الفضل والندى والماء ، دوزنت لك تصفيقة تعيد إليك شبابك، وترجع لك ما فاتك ، وتقوي ظهرك وتشد أزرك ، فقال: هاتها هاتها. فقلت: هي تحتاج منك وتحتاج إليك ، فعليك أن تفعل ما أطلبه منك وألا تقرب مما ابعده عنك ، فقال: إني وافقت وبما تأمرني به التزمت وعما تنهاني عنه انتهيت .فقلت له: يا مختار عليك أن تعطيني أولا مئة دينار ،ثم تقف على الكرسي ساعتين ، ثم فوق السرير ساعتين ، ثم تحت السرير ساعتين وعيناك مغمضتان تحت كفيك لا تنظران ولا تحكيان ولا تشيران، وتبقى على هذه الحال يومين كاملين، ثم تقف على أطراف أصابعك فتمشي إلى الزير فتكسره، وتسابق الماء فتشرب منه ما يرويك فإن ارتويت فزت بحياة سعيدة هانئة ماتعة؛ فعلى قدر ارتوائك يكون استمتاعك.
وحمّلت راحلتي ما استطعت وإلى المدينة مع زوجتي هربت وأنا أقول :
لكل حصن مفتاح ولكل مخشوشن جناح
وإن طول أحد عليك الليل فاهرب إلى الصباح

*الأردن /

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق