قراءات ودراسات

الشيخ طنطاوى جوهري حكيم الأمة

د.محمد عبدالحليم غنيم

ثمة علماء في تاريخنا الحديث كان لهم باع طويل في نهضة العرب والمسلمين ، أو على الأقل أسهموا بنصيب وافر في هذه النهضة , فكتبوا وألفوا وسبقوا في مشاريع النهضة التي لم تنته بعد، وما زلنا نأمل في أن تستمر، ومن هؤلاء العلماء الشيخ طنطاوي جوهري ذلك العالم الشيخ الأزهري الذي جمع في ثقافته بين الثقافة التقليدية والثقافة الحديثة، وربط الدين بالحياة العملية والعلمية ، وبحث في الإعجاز العلمي في القرآن، ونظام الحكم والمجتمع وقد أطلق عليه الزعيم مصطفى كامل – الذي كان يقدره تقديرا عظيما -،لقب (حكيم الأمة ).
ولد الشيخ طنطاوى جوهري عام 1862 بقرية كفر عوض الله حجازي بمحافظة الشرقية فاشتغل في مبدأ حياته بالزراعة مع أبيه، كان لأسرته اتصال حميد بعلماء من الأزهر كانوا يفدون عليها كل عام، أرسله والده إلى كتاب القرية ليحفظ فيه القرآن الكريم , فلما أتم حفظه بدأ الشيخ طنطاوى يشعر بغرام بالعلم وولع شديد بالدرس، وكانت سنه آنذاك قد تجاوزت الثالثة عشر ، فتطلع للدراسة بالأزهر الشريف .
دخل الشيخ طنطاوى الأزهر عام 1877م، يدفعه الشوق إلى العلم وتستحثه الرغبة إلى الدأب وراء العلوم والمعارف وفهم الدروس، وبعد سنوات قضاها في الأزهر درس فيها اللغة العربية والفقه ومذهب الإمام الشافعي والعلوم الأخرى من نحو وتوحيد وعروض وبلاغة .. الخ ، وقعت الواقعة بنزول البلاء ، إذ مرض الشيخ طنطاوي مرضا شديدا ، مما اضطره إلى الانقطاع عن الأزهر والتوقف عن الدراسة فيه ، فعاد إلى أسرته في القرية (كفر عوض الله حجازي) ن ليجد أباه مريضا هو الآخر ن فاضطر للبقاء في القرية لمساعدة أبيه في الزراعة ، فأخذ يعمل وسط الفلاحين في حقله لمدة ثلاث سنوات ، وقد اكتسب خلال هذه السنوات نزعة جديدة اتجه فيها إلى البحث عن وجود الله ، فقد تجلت له الطبيعة بأجل مظاهرها ، وانفتحت لبصيرته أبواب العلوم ، وقد زالت الغمة وعوفي والده وعوفي هو قبله فعاد من جديد إلى الدراسة بالأزهر ، فمكث أربع سنوات وطد فيها أواصر الصلة بينه وبين أستاذه الشيخ على البولاقي أستاذ الخطابة الذي وجد في الشيخ طنطاوي رغبة ملحة في تعلم الفلك ؛ فأعاره كتابا كان يقتنيه في علم الفلك ـ وقد وجد فيه الشيخ طنطاوي بغيته في معرفة أسماء الكواكب والمعلومات الفلكية وغيرها .

وكان المتفوقون في الأزهر يرشحون لدخول دار العلوم بعد امتحان قاس ، وقد انتقل الشيخ طنطاوي عبر هذا الامتحان إلى دار العلوم عام 1889 , فظل يدرس بها حتى تخرج فيها عام 1893 . وكانت دار العلوم بالنسبة للشيخ طنطاوي جوهري فتحا كبيرا وعظيما ؛ استطاع فيها أن ينمي مواهبه وتطلعاته إلى الدراسة العلمية والتقدم بعيدا عن جمود الأزهر وتزمته في ذلك الوقت , يؤكد ذلك قوله عن هذه الفترة :
” اتصلت بدار العلوم فدرست فيها علم الفلك الحديث بعد ما درست القديم في الفلسفة ، هنالك دهشت أعظم الدهش وقلت في نفسي : هذه فرصة سانحة ، فها هم أولاء علماء الأمم قديما وحديثا نظروا فيما كنت حائرا فيه في حقلنا ” .
عين الشيخ طنطاوي عقب تخرجه فى دار العلوم مدرسا بمدرسة دمنهور الابتدائية ، وبعد ثلاثة أشهر نقل إلى الجيزة ، بيد أنه لم يطب له المقام في الجيزة , فنقل إلى المدرسة الخديوية بدرب الجماميز , ليطيب له المقام هذه المرة ويمكث في المدرسة عشر سنوات من عام 1990 إلى عام 1910 ، ويبدو أنه لم ينقطع عن العلم أثناء التدريس ، فنجده يعكف على تعلم اللغة الإنجليزية حتى أتقنها وترجم عنها .
وفى عام 1991 عين الشيخ طنطاوي مدرسا للتفسير والحديث في دار العلوم ، ثم اختير ضمن أعضاء هيئة التدريس في الجامعة المصرية القديمة عند إنشائها ، ليلقي فيها محاضرات في الفلسفة الإسلامية خلفا لسلطان بك محمد , وفى تلك الأثناء طلب للعمل بالقضاء ، فلم يقبل ، وفضل حياة العلم والدرس .
لم يكن الشيخ طنطاوي عالما كسائر العلماء ، فيقف عند علم معين لينقطع إليه تأليفا وتدريسا ، لقد كان مختلفا عن سائر العلماء ، فهو يجمع بين العلم والحكمة والفلسفة والسياسة بين الثقافة الدينية والثقافة الحديثة ويمزج المسائل الدينية بالآراء الاجتماعية الحديثة ، فجاهد حق الجهاد بقلمه ورأيه في رفع شأن الإسلام والانتصار لمبادئه مظهرا أنه دين العقل والتجديد لا دين التسليم والتقليد . كان يدعو في كل أحاديثه وتآليفه إلى التوفيق بين العلم وما جاء به القرآن الكريم , وإلى أن العلم إذا حسن فهمه كان أداة صالحة لفهم روح الدين , وربما كانت هذه القضية , قضية التوفيق بين الدين والعلم قضيته الكبرى التي يمكن رؤية آثارها في كل مؤلفاته .
وكان الشيخ طنطاوي إلى جانب اهتمامه بالتدريس والتأليف العلمي أحد قادة النهضة السياسية والاجتماعية , دعاه الزعيم مصطفى كامل للكتابة في جريدة اللواء , فكتب أكثر من ستين مقالا , تحت عنوان ” نهضة الأمة وحياتها ” . وكان يوقع تحتها بعبارة ” لحكيم من كبار الحكماء ” .

ولعل هذا التوجه الاجتماعي والسياسي ما جعله عرضة للدسائس والمؤامرات في حياته الوظيفية فتخلصوا منه في الجامعة المصرية القديمة وعينوا مكانه أستاذا مستشرقا برتغالي الجنسية لتدريس الفلسفة الإسلامية , وأخرج من دار العلوم في عام 1914 متهما في وطنيته ليستقر بالتدريس في المدرسة الخديوية حتى إحالته إلى المعاش 1922 .
تفرغ الشيخ طنطاوي للتأليف والكتابة في الصحف بعد إحالته للمعاش ، فترك عددا كبيرا من المؤلفات المطبوعة والمخطوطة والمقالات التي ما زالت في بطون المجلات المشهورة في ذلك الوقت ، كالهلال والمقتطف وغيرهما , وفيما يلي قائمة بمؤلفاته :
1 – الزهرة في نظام العالم والأمم .
2 – نظام العالم والأمم أو الحكمة .
3 – التاج المرصع بجواهر القرآن والعلوم .
4 – نهضة الأمة وحياتها .
5 – الفرائد الجوهرية في الطرق النحوية .
6 – جمال العالم .
7 – النظام والإسلام .
8 – جواهر العلوم .
9 – ميزان الجواهر في عجائب هذا الكون الباهر .
10 – رسالة الحكمة والحكماء .
11 – مذكرات في أدبيات اللغة العربية .
12 – جوهر التقوى في الأخلاق .
13 – أين الإنسان .
14 – السر العجيب في حكمة تعدد أزواج النبي (صلىعليه وسلم ) .
15 – الموسيقى العربية .
16 – صدى صوت المصريين بأوروبا .
17 – سوانح الجوهري .
18 – رسالة الهلال .
19 – براءة العباسة .
20 – المدخل في الفلسفة .
21 – جوهرة الشعر والتعريب .
22 – رسالة عين النملة .
23 – كتاب التربية للحكيم الألماني كانط .
24 – الأرواح .
25 – أصل العالم .
26 – أعلام في السياسة ( كتبه المؤلف في الأصل باللغة الإنجليزية ثم ترجمه بنفسه عام 1935 إلى اللغة العربية ) .
27 – القول الصواب في مسألة الحجاب ( ثلاث مقالات رد بها على كتاب قاسم أمين “تحرير المرأة ” ) .
28 – بهجة العلوم في الفلسفة العربية وموازنتها بالعلوم العصرية .
29 – القرآن والعلوم العصرية .
30 – الجواهر في تفسير القرآن .

والأخير آخر مؤلفات الشيخ طنطاوي جوهري وأجلها وأكبرها حجما , انقطع له تأليفا وتنقيحا منذ عام 1922 إلى عام 1935 ، فكان في خمس وعشرين مجلدا ثم أضاف إليه مجلدا آخر يستدرك فيه ما فاته , العجيب أن هذا التفسير الضخم لم يطبع كاملا في مصر حتى الآن ، وربما كان معروفا في إيران ودول شرق آسيا أكثر ما هو معروف في مصر والعالم العربي , وهذا من عجائب ثقافتنا ونهضتنا المتعثرة .
يبدو أننا في حاجة إلى مستشرقين من بلاد الغرب ليكشفوا عن جواهر تراثنا الحديث ، كما كشفوا قبل ذلك عن جواهر التراث القديم .

دكتور / محمد عبد الحليم غنيم

1

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

رأي واحد على “الشيخ طنطاوى جوهري حكيم الأمة”

  1. رحم الله العالم الجليل جوهري طنطاوي …ذكرتني بوالدي عليه سحائب الرحمة وأنا في الثانوية .كان كتاب الطنطاوي الجواهر لتفسير القرآن الكريم من ضمن الكتب التي اقتناها والدي من الزمن البعيد وكان دائم النظر فيه ولما ضعف بصره صرت اقرأه له فيه احيانا .الجواهر في تفسير القرآن باجزائه كلها وطباعته القديمه الصفراء .كان يضن به والدي رحمه الله علي الجميع ويمنع اعارته
    قرأت فيه كثيرا الطنطاوي شيخ مستنير يحاول دائما ان يظهر توافق القران مع العلوم الحديثه وهو متبحر في الثقافة والفنون والعلوم رغم ان البعض يأخذ عليه الإنفتاح الكبير وتقديس المعارف الحديثة وتركيزه كثيرا علي الاعجاز العلمي ومحاولة ابراز ذالك في النص القرآني .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق