ثقافة المقال

خيبة سانت إكزوبيري من أرضنا

في ذكرى ولادته الـ120.. خيبة سانت إكزوبيري من أرضنا

سمير رمان

 في 31 يوليو/ تموز المقبل يصادف مرور 76 عامًا على وفاة الكاتب والشاعر الفرنسي، إبن مدينة ليون الفرنسية، أنطوان سانت إكزوبيري. وفي هذا العام، وتحديدًا 29 يونيو/ حزيران المقبل، سيصادف مرور 120 عامًا على ولادته.
“أنا حزينٌ لهذا الجيل، حزينٌ لأنّ العامل الإنساني لديه ضئيل. العجيب في الأمر، إنّه الجيل نفسه الذي نجا من حربين عالميتين، وعانى الجوع والبطالة والفقر”، يقول إكزوبيري.
ولو عاش الكاتب نهايات القرن الماضي، وأول عقدين من القرن الحالي، كان سيعيد طرح سؤاله الوجودي: “إذا لم نكن خائفين مما كان قبل ولادتنا في هذا العالم، فلماذا نخشى ما سيحدث بعد موتنا؟ فالإنسان جاء من العدم وإليه سيعود!”، شارحًا لقارئه كيفية التعامل مع الموت بكلّ بساطة: تنفيذ واجباتنا أثناء حياتك، ومن ثمّ الموت.
ولو رأى إكزوبيري الطيار كوكبنا، اليوم، لكانت خيبته أكبر، ولكان حلّق بطائرته عاليًا في السماء، حيث كلّ شيءٍ مفهومٌ وعادلٌ أكثر بالنسبة إليه. وبالتأكيد، لكان سيدفع بطائرته لتهوي وتتحطّم في مياه البحر الذي طالما كان مرآةً تعكس السماء، وحيث يمكن أن يجد نجمته الفريدة التي لا تتكرّر، وعليها يقوم منزل “الأمير الصغير”.

الأمير الصغير
أراد إكزوبيري أن تكون رواية “الأمير الصغير” روايته الأخيرة. وبالفعل، كانت الرواية التي كتبها قبل عامين من مقتله عبارة عن نبوءة بالمصير الذي ينتظره. فمنذ بداية الحرب، كان إكزوبيري يعاني من أمراض أنهتكه. وعلى الرغم من حالته، سعى جاهدًا لنيل شرف مقارعة الفاشية. وقد تمكّن من تحقيق رغبته مرتين، في الحرب، وعلى صفحات كتبه!

رسم من نسخة أصلية ملونة موقعة من دي سانت إكزوبيري من كتاب “الأمير الصغير” في بيت مزادات في باريس (2/12/2016/فرانس برس)
تُصوِّر رواية “الأمير الصغير” فتىً يبدأ برسم ثعبانٍ يبتلع فيلًا، فيتعجّب الناس مما يرسمه الفتى. يتحول الرسم إلى حقيقة، حيث يقوم الثعبان بابتلاع الفيل بالكامل، فيخاف الناس، فيترك

“سؤال دي سانت إكزوبيري الوجودي: “إذا لم نكن خائفين مما كان قبل ولادتنا في هذا العالم، فلماذا نخشى ما سيحدث بعد موتنا؟ فالإنسان جاء من العدم وإليه سيعود!””

البطل مهنة الرسم ليتحول إلى الطيران. لكنّ طائرته تتعطل في الصحراء ليجد نفسه خلال الأحداث مع الأمير الصغير الذي يطلب منه أن يرسم خروفًا. رغم محاولاته المتكررة، لم يتمكن البطل من رسم خروف، لأنّ الأمير كان يعترض على ما يرسمه في كلٍ مرّة. وفي النهاية، وبعد أنْ أصابه الملل، يرسم البطل للأمير صندوقًا، ويقول للأمير إنّ الخروف في داخله، فيفرح الأمير الصغير. تتوالى أحداث القصة، ونعرف أنّ الأمير ليس من الأرض، بل من كوكبٍ آخر: الكوكب 612.
كثيرًا ما نرى في رسومات الكاتب صندوقًا فقط، ولا نرى الخروف القابع فيه. ونرى قبّعةً، وليس أفعى (البوا) التي ابتلعت فيلًا. واليوم، ورغم جميع المخاطر التي يتعرض لها كوكب الأرض، هنالك كثير من الناس لا يريدون أن يروا حجم ما يحدث، ولا أن يوسعوا تفكيرهم في شأنه. لا يريدون رؤية الخطر الذي حذّر منه سانت إكزوبيري، كغيره من الكتاب والمثقفين من كلّ بقاع الأرض: إذا لم نُعِدْ ترتيب أوضاع كوكبنا، فإنّ القبعة وحدها ستبقى فوق الصندوق. أيعقل أنّ يكون أحدٌ في حاجةٍ لمثل هذا الوضع؟ لم يستطع سانت إكزوبيري فهم وتقبّل هذه الفكرة. وينطبق هذا الموقف على كلّ واحد منّا فهم وتقبّل أفكار سانت إكزوبيري.

كوكب الموت
عبّر سانت إكزوبيري عن مشاعره بالقول: “نحن أبناء أرضٍ واحدة، مسافرون على متن السفينة نفسها….”. لقد أدرك جيدًا أنّه إذا مالت سفينتنا المشتركة نحو القاع، فإنّ جميع من عليها محكومٌ عليه بالغرق. ويستدرك: أمام كوكبنا خيار واحد: إمّا أن نغرق جميعًا، وإمّا أن ننجو.
ولهذا السبب، أصبح إكزوبيري شخصًا بمهنتين في الوقت نفسه، طيارًا، وكاتبًا. المهنة الأولى قتلته، بينما خلَّدته الثانية. ففي تموز من عام 1944 سقطت طائرة سانت إكزوبيري في البحر الأبيض المتوسط. سقطت في البحر حيث تنعكس السماء دومًا. ربما هكذا أراد أن تكون نهايته، أن يدفن هناك حيث تنعكس السماء دومًا.

العثور على حطام الطائرة P-38 للكاتب دي سانت إكزوبيري قبالة شاطئ مرسيليا/ فرنسا (أكتوبر 2003/ Getty)
في 31 من يوليو/ تموز، أقلع بطائرته فوق البحر المتوسط، ولم يعد، واعتُبر من المفقودين. وفي عام 1988، عُثر على سلسلة الكاتب بالقرب من مرسيليا، وكان اسم زوجته محفورًا عليها. وفي عام 2003، تم العثور على أجزاء من الطائرة التي كان يقودها في رحلته الأخيرة. وعام 2008، أصبح معروفًا أنّ الكاتب قُتل بعد تعرض طائرته لهجومٍ طيار ألماني اعترف بذلك لاحقًا. وبعد مرور 60 عامًا على الحادث، نُشرت صورة فوتوغرافية لموقع تحطّم الطائرة.

 مواهب متطرفة!
حياة الكاتب كانت سلسلة من المغامرات خاضها من دون خوف، أو وجل، ومن دون اعتبارٍ

“”أصبح معروفًا أنّ الكاتب قُتل بعد تعرض طائرته لهجومٍ طيار ألماني اعترف بذلك لاحقًا. وبعد مرور 60 عامًا على الحادث، نُشرت صورة فوتوغرافية لموقع تحطّم الطائرة””

للنتائج. أحبّ الحياة بشغف، من دون أن يخشى الموت، لأنه تمكن من حلّ جميع ألغاز حياته. لكنّ موته كان لغزًا تطلب حلّه فترة طويلة من الزمن.
منذ طفولته، كتب سانت إكزوبيري أشعارًا لطيفةً، ورسم لوحات جميلة، كما كان يعزف على الكمان أيضًا. كان طفلًا متعدد المواهب. لاحقًا، أصبح مهندسًا لامعًا، مخترعًا، وبنّاءً. غير أنّ التغيير الكبير والحاسم في حياته بدأ في سنّ الثانية عشرة من عمره، عندما لعب الحظ دوره وأتاح للفتى فرصة التحليق بالطائرة. منذ تلك اللحظة، سلبت السماء لبّه، وألهبت خياله، فأخذ يحدّق إليها متفحصًا مفتونًا. في ما بعد، كان عليه أن يختار ما بين السماء والأرض، ليتابع حياته، فاختار السماء بطيورها وبالطائرات التي تهدر فيها كطيور العنقاء الخرافية. ومع الوقت، ازداد شغفه بالسماء، وتعمق شعور آخر في روحه، شعوره بالغربة على الأرض، التي استوطنتها كثير من المآسي والآلام.

وزيرة الثقافة الفرنسية أودري أزولاي في حفل لتكريم دي سانت إكزوبيري في باريس (13/12/2016/فرانس برس)
ارتبطت حياة أنطوان إكزوبيري المهنية بالتطرف، فلم يكن يخشى المجازفة أبدًا. وعندما شارك في إعداد مشروع النقل الجوي السريع، غامر في شراء طائرة لاستخدامها على خطّ طيران باريس – سايغون. تعرضت طائرة النقل لحادثٍ في سماء الصحراء، لكن الصدفة لعبت دورًا في نجاته، وصديقه الميكانيكي، على يد بدو الصحراء، الذين عثروا عليهما وهما يشارفان على الموت عطشًا. أمّا أفظع حادث تعرض له الكاتب فكان تحطم طائرة تعمل على خط نيويورك – جزيرة أرض النار(**). وبسبب الحادث، دخل في غيبوبةٍ تامّة لأيام عدة، نتيجة إصاباتٍ متعددة في الكتف والرأس.

إكزوبيري الأديب
بعد الحادث الأخير، بدأ إكزوبيري يهتم بالجانب الأدبي من حياته، فأصبح عام 1930 مراسلًا لصحيفة “باريس المساء”. وبصفته مراسلًا لصحيفة “إنترانسيغون”، وجد نفسه في خضمّ الحرب الأهلية الإسبانية. وعند اندلاع الحرب العالمية الثانية، انخرط الكاتب ـ الطيار فيها مقاتلًا لتخليص البشرية من النازية والفاشية.
لم تكن مسيرة إكزوبيري الأدبية طويلة، فقد غادر الحياة مبكرًا. ومع ذلك ترك لنا إرثًا أدبيًا لا بأس به: “رجل البريد الجنوبي” عام 1929، و”البريد – نحو الجنوب” عام 1931، والرحلة الليلية” عام 1938، و”كوكب البشر” عام 1938، و”الطيار الحربي” عام 1942، و”رسالة إلى أسير” عام 1943، و”الأمير الصغير” عام 1943، و”القلعة”، التي صدرت بعد وفاته بأربع سنوات عام 1948.
خلال مسيرته الأدبية القصيرة، حصل أنطوان سانت إكزوبيري على جوائز عديدة، منها: جائزة (فيمينا) لقاء قصته “الطيران الليلي” عام 1930، والجائزة الكبرى للأكاديمية الفرنسية لقاء روايته “كوكب البشر” عام 1939، وجائزة الكتاب الوطني للولايات المتحدة لقاء روايته “الريح، الرمال والنجوم” عام 1939.

هوامش:

(*) أنطوان ماري جان باتيست كونت سانت إكزوبيري (1900 – 1944): كاتب وشاعر وطيَّار.
(**) جزيرة أرض النار: أكبر جزر أرخبيل يقع في أقصى جنوب أميركا الجنوبية، عند التقاء المحيطين الأطلسي والهادئ.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق