ثقافة السرد

الشيطان يزور أمستردام

عبد الله ناصر

-١-
حدث في مثل هذا اليوم

عشت حياتي كلها مثل دون كيخوته، فارسا بلا بطولات، (وحيدًا من الخلان في كل بلدةٍ)، كلما عثرت على سانتشو أضعتُ سيدة عمري دولثينا دل توبوسو فإذا وجدتها ضاع مني سانتشو . أربت كل صباح على سقف سيارتي القديمة كما يربت دون كيخوته على عرف حصانه الهزيل روثينانته فيطمئنه بأنه لن يبدله حتى بحصان الإسكندر، وهكذا أطمئن سيارتي بأني لن أبدلها بكل سيارات الملياردير السعودي يزيد الراجحي. مضت السنون بلا أمجاد كأني نادي النصر السعودي حتى زار الشيطان أمستردام في مثل هذا اليوم من العام الفارط.

-٢-
الشيطان يزور أمستردام

قادما من موسكو، هبط الشيطان لدقائق في أمستردام واستأذن ليجلس بجانبي في المقهى، فأومأتُ برأسي أن تفضل. خلع قفازه ببطء، ثم أشعل سيجارة من نوع ناشا ماركا وراح يدخنها في هدوء. تشاغلت بهاتفي فتنحنح مرددًا:” إذا ما صنعتِ الزاد فالتمسي لهُ أكيلًا / فإني لستُ آكِلهُ وحدي”. مددت له الكوروسان بضيق فأعاده بنفثةٍ من دخانه وقال: “كعكة الفضاء لو سمحت”. سرت كالمسرنم ودفعت ثمنها وما كنت لأتردد، لا بسبب بيت الطائي ولكن لأنه أحد أبيات أبي المفضلة، لطالما ترنم بتلك القصيدة خصوصًا ذلك البيت الذي يؤكد فيه على أنه عبد الضيف وليس له غيرها من شيم العبد. وحين عدت إلى الطاولة قلت في نفسي لم لا أسأله أن يلهمني تحفة أدبية كما ألهم بولغاكوف من قبل تحفة المعلم ومارغريتا. وقبل أن أتفوه بكلمة اختفى مرددًا: “من يسألِ الجنّ يحرموهُ / وسائلُ الله لا يخيبُ”.

-٣-
كعكة الفضاء

بقيت وحدي، أنا وكعكة الفضاء، أرمقها وترمقني مثل عروسين في ليلة الدخلة. دخلة زمان لا دخلة اليوم! تقول إحدى العجائز المعمرات: “كنا نتعارك مع رجالنا فلا تُسلم المرأة منا نفسها حتى يكون بعلها كفوا، على الأقل بدنياً، لكن اليوم”، وتتنهد ثم تواصل: “يا حسرة، يرى القواد كل شيء قبل الزواج.” على أية حال، بدت هذه الكعكة المخدرة شهية، لقد عجنوها بالماريوانا حتى بات من الممكن التحليق بها إلى الفضاء. ولأن العاقل خصيم نفسه قلت هب أن هذه المركبة تعطلت في الفضاء، ماذا ستفعل؟ ألا تكفيك قضمة واحدة أو قضمتان لتقف على سطح القمر مثل أرمسترونغ؟ وكذلك سولت لي نفسي.

-٤-
السائس موزارت

وما إن خرجت حتى وجدت فرقة موسيقية في الشارع، الأكورديونات في الأحضان، الكمانان على الكتفين، والبوق الفرنسي في الفم. راحوا يعزفون الفصول الأربعة لفيفالدي فتفاعل الكل معهم حتى الطبيعة راحت تبدل فصولها في تلك الدقائق. ظننا أن فيفالدي نفسه سيخرج في النهاية ليحيينا ونحييه. ولما أردت أن أنفحهم بعض اليوروهات لم أجد في جيبي غير ورقتين من فئة ٥٠ يورو. لزمت مكاني حتى عزفوا موسيقى موزارت الليلية، فاعتليت حصان البهجة، وهذا دأبي مع هذه المقطوعة الصغيرة، يصفع موزارت في كل مرة كفل الحصان فينطلق لننهب السهوب حتى إذا ترجلت لم أتمالك نفسي ورميت في صندوق الكمان ٥٠ يورو. وبعد ساعة لعنت الموسيقى لأنها تجعلني ساذجًا على الدوام، كما يفعل الحب بالضبط، فأتنازل عن فطنتي بطيب خاطر. وبينما أنا كذلك، رفعت رأسي فغمز لي كازينو، دعاني لبيته لحد روليته.

-٥-
الأحمر والأسود

فوقفتُ أسأل طاولة الكازينو الخضراء مثل لبيد، وكيف سؤالنا، صُمًا خوالد ما يبين كلامها. عاهدت نفسي أن أراهن بالخمسين يورو الباقية لأسترد الخمسين الفانية، خشيت من ناحية أن أربح فلا أتوقف عن القمار حتى أخسر فأغضب فأخسر أكثر فأُجن فأخسر كل شيء فأستدين فأُسجن فأقتُل فأُقتل، ومن ناحية أخرى خشيت أن يكون هذا يوم سعدي فأفرط فيه فأندم ولات ساعة مندم. على أية حال، خسرت الخمسين يورو في خمسين ثانية.

-٦-
(ذلك الطائر مخضوب الجناحِ)

أمشي على غير هدى، ويمشي أمامي فتى من شرق آسيا، من الصين ربما، يحدق في الآيفون متجاهلا الترام القادم كأنه سينحرف في اللحظة الأخيرة. ظننته بأمانة سيقفز بعد أن يلتقط سيلفي لكنه مشغول على ما يبدو في مكالمة مرئية مع حبيبته أو صديقتها. هل أنقذه ولماذا؟ لقد دهس الترام غاودي العظيم، رغم كل ما فعله لبرشلونة. لم يفعل هذا الصيني في المقابل شيئا غير مزاحمة شقراوات أمستردام، يسرق منهن الأكسجين وينفث عليهن ثاني أكسيد الكربون ولا شيء آخر. لكنني أنقذته، ليس من أجله بل من أجل أمه، ألم تر عجائز الحيّ يرددن في كل حين: “الله يخليك لعين ترجيك” فكأنهن يقلن في سرّهن أما نحن فلا يعنينا أن تعيش أو تفطس. ارتميت عليه فدفعته بعيدا وفي تلك اللحظة خشيت أن يدهس ترام في شنغهاي أم الفتى فيذهب ما فعلت هباء. قلت على كل حال لا بد أنهم سيمنحوني وسام فارس أو على الأقل سيهديني عمدة أمستردام مفتاح المدينة أو في أسوأ الأحوال سيعيدون لي الخمسين الأولى من الفرقة الموسيقية والثانية من الكازينو، وبينما أنا كذلك ارتفعت شيئا فشيئا وصعدت كالمسيح إلى السماء إذ بدأ مفعول الكعكة اللعينة.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق