قراءات ودراسات

جماليات القصيدة الرقمية التفاعلية

الأستاذة: إيمان العامري*

الأدب الرقمي التفاعلي هو ذلك الجنس الأدبي الجديد الذي ولد في رحم التكنولوجيا ، لذلك يوصف بالأدب التكنولوجي ، ويمكن أن نطلق عليه اسم الجنس (التكنو – أدبي ) كما ترى الناقدة الإماراتية (فاطمة البريكي) أو الأدب الإلكتروني، إذ ما كان له أن يتأتى بعيداً عن التكنولوجيا التي توفر له البرامج المخصصة لكتابته، وفي حالة عدم الاستعانة بهذه البرامج، فلا بد من الاستعانة بالخصائص التي تتيحها كتابة نص إلكتروني قائم على الروابط والوصلات على أقل تقدير، وبهذا يسهل فهم وصف هذا الجنس بـ ( الأدبية الإلكترونية ) معاً؛ فهو أدبي من جهة لأنه في الأصل إما أن يكون شعرا أو مسرحية أو قصة أو رواية وإلكتروني، ومن جهة أخرى لأنه لا يمكن لهذا الفن الأدبي أيا كان نوعه أن يتأتى لمتلقيه في صيغته الورقية، ولا بد له من الظهور في الصيغة الإلكترونية خصوصاً مع تعذر محاولات تحويل بعض نصوصه من الإلكترونية إلى الورقية.

ويعتمد هذا الجنس الأدبي الجديد في ظهوره إلى حيز الوجود على استخدام خصائص النص الرقمي ، الذي يطل علينا عبر شاشة الحاسوب، وهو ما اصطلح عليه باسم النص المتفرع،أو المترابط؛ استخدمه سعيد يقطين في كتابه( من النص إلى النص المترابط مدخل إلى جماليات الإبداع التفاعلي) وهو”نظام يتشكل من مجموعة من النصوص ومن روابط تجمع بينها متيحا بذلك للمستعمل إمكانية الانتقال من نص إلى آخر حسب حاجياته”، الحامل للجنس الأدبي الإلكتروني في نسقه الإيجابي، بما يتيحه من إمكانيات تشجع الأدباء المبدعين على شحذ خيالاتهم وإطلاق أعنتها لاستثمار كل معطيات هذا النص وإمكانياته التي لا تحدّها حدود في نصوص تحملنا إلى مدى أبعد من حدود الخيال انه الواقع الافتراضي الذي ترسمه التقنية الجديدة باعتماد وسائط متعددة تجمع بين الصوت والصورة والموسيقى واللغة التي أصبحت جزءا من هذا الفضاء الرقمي الذي يجمع بينها بمهارة ودقة متناهية تبهر المتلقي/المستخدم وتغريه بالإقبال على النص الرقمي والتعامل مع الوسط الجديد بكل ما يتيحه من إمكانيات.

تفرض خصوصية الأدب التفاعلي على المبدع التحرر من الآلية التقليدية، كما أنها تعترف بدور المتلقي في بناء النص والإسهام فيه، كما يحرص على تقديم نص حيوي تتحقق فيه روح التفاعل، وقد تنوعت أجناسه الأدبية فنجد مثلا: الرواية التفاعلية، والمسرحية التفاعلية، و القصيدة التفاعلية التي تنتمي إلى جنس الشعر التفاعلي، هذا النمط الجديد من الإبداع الشعري الجديد، تعرفها فاطمة البريكي
بأنها “ذلك النمط من الكتابة الشعرية الذي لا يتجلى إلاّ في الوسيط الإلكتروني، معتمداً على التقنيات التي تتيحها التكنولوجيا الحديثة، ومستفيداً من الوسائط الإلكترونية المتعددة في ابتكار أنواع مختلفة من النصوص الشعرية، تتنوع في أسلوب عرضها، وطريقة تقديمها للمتلقي/المستخدم، الذي لا يستطيع أن يجدها إلاّ من خلال الشاشة الزرقاء، وأن يتعامل معها إلكترونياً، وأن يتفاعل معها، ويضيف إليها، ويكون عنصراً مشاركاً فيه”.

ويقدّم الشاعر الأمريكي””(روبرت كاندل)؛رائد الشعر الرقمي التفاعلي في الولايات الأمريكية المتحدة، لموقعه على شبكة الإنترنت الذي يحمل عنوان “دوائر الكلمة  بعبارة “الفن هو تكنولوجيا الروح”، وقد بادر( كاندل) إلى شرح نظريته في كتابة الشعر إلكترونياً بقوله: “كلنا يعرف أنّ الشعر والتكنولوجيا شأنان متوازيان لا يتقاطعان، إلا حين نتذكّر أنّ الكتابة ليست سوى ضرباً من التقنية أيضاً” ففي أي اتجاه سوف تتحوّل تقنيات الكتابة الحديثة في مجاراة عصر الإعلام الرقمي؟ وهل ستنتقل أدوات الكتابة الإبداعية، نتيجة لهذا التحوّل في حال وقوعه، من عوالم الحبر إلى إحداثيات     النقاط الضوئية، محقّقة نقلتها النوعية من طواعية القلم إلى غواية الحرف الإلكتروني على الشاشة؟ وما الذي يميّز النصّ الرقمي عن مثله البكر على الورق؟ وهل تعتبر تجربة الكتابة على الكمبيوتر جواز سفر للكاتب إلى عالم الحداثة وما بعد الحداثة؟ وهل من مفرّ من سطوة نزعة “البصري” في أنّ الكتابة مقابل “الشفوي” والحسي التقليدية للقصيدة الكلاسيكية؟ أوَ ليست الثقافة فعلاً تراكمياً لا يُلغي المستحدَث منه قديمَه بل يعبئه ذخراً في مسيرة الحضارة الإنسانية، وبناء عليه فإن فعل الكتابة الإلكترونية لا ولن يلغي أصالة الخط على الورق وخصوصية الكتابة بالقلم؟ يتحدّث كاندل عن الهدف من كتابة ما دعي في البدء بـ”النص على الشبكة” ونعني به  توظيف تقنية النص المترابط فقال: هما أمران الأوّل يتعلّق بالإضافات والتحسينات التقنية التي يمكن أن تعزّز من بنية النص وتحيله إلى مشهد بصري ديناميكي مسرحي الأداء والهيئة، وهذا ما لا توفره الكتابة على الورق بالطبع”. يستطيع قارئ القصيدة الرقمية متابعة هذا التلوّن المشهدي بين مؤشر الحركة، وتقنية الموسيقى، وتمايل الكلمات حتى الثمالة في مجريات قصيدة “اليقين على موقع كاندل على شبكة الإنترنت حيث يتمكّن من متابعة الكلمات تنبت وتضيء على الشاشة وتحوم حكومتها في مد وجزر، أخذٍ ورد، قبيل أن تتساقط متهالكة إلى بعضها البعض وكأنّها تؤدِّي مشهد الحياة منذ ولادة أوّل الكلام، مروراً ببناء جسم النصّ المتحوّل، حتى لحظة تداعيه القدري إلى نهاياته في عمق المشهد، كل في طقس من المتعة والإثارة البصرية والذهنية لا يضاهيان.

هذه النقلة النوعية من حال التعامل مع أدوات عضوية طيّعة وحسّية كالورق والحبر إلى عالم يحكمه منطق الطاقة والتكنولوجيا شكلت منعطفاً جدليّاً لم تشهده الكتابة الإبداعية منذ فجر الطباعة في القرن الثاني عشر، وسرعان ما انقسم الكُتّاب في شأنها إلى مؤيِّد متحمّس، أو حيادي غير آبه، أو معارض يرى في كتابة الشعر على الشاشة تخريباً للحالة الحسّية الشعرية التي قوامها مثلث الورق، والحبر، والقلم، ما يربط بينها من علاقة كاريزماتية ساخنة. فهل تشكّل التكنولوجيا عائقاً في طريق تحليق الشاعر في ملكوت أحلامه أم أنّها تطلق عنان مخيلته حيث لا حدود ولا شكل نهائي لكتابة القصيدة، وحيث الباب مشرع على كل الاحتمالات في البناء والهدم ثمّ إعادة البناء في أسراب من حروف ضوئية تنطلق في حرّية لا تحدها حدود وتتشكّل في ملايين الاحتمالات والمتحوّلات الصياغية للغة والحس معاً؟! يقول كاندل: “في العام 1990 عندما شرعت في الكتابة القصيدة الإلكترونية لم أكن أعرف أي شخص يمارس الكتابة الإبداعية على الشبكة ولا كان للشعر الإلكتروني تسمية اصطلاحية في حينها أفضل من اسم “هايبرتكست” التي عرفت بها نصوصي في ذلك الوقت.. وحدها كانت طيوري تحلق في ذلك الفضاء الإلكتروني المطلق”. بجعات القصيدة المتوحّشات، جمهور القصيدة الرقمية هو حكماً أكثر تنوّعاً وخصوصية من جمهور القصيدة المطبوعة ويتّسم بهوية عالمية. والقصيدة الرقمية لا تشغل اهتمام قارئ الشعر فحسب بل يتلوّن جمهورها من مشتغل في ميدان الفنون البصرية وتطبيقاتها التكنولوجية إلى أكاديمي متخصّص في علوم الاتصالات والإعلام.

وعن مستقبل القصيدة الرقمية يختم كاندل بقوله: “أعتقد أن علم الجمال سيظل يفاجئنا بمستحدثاته مضيفاً المزيد من التفرد والتميّز النوعي على الكتابة الرقمية كلّما تطوّرت تكنولوجيا البرمجيات”. وحين تصبح الشبكة الوسيلة الأكثر سرعة واقتصادا لنشر القصيدة وتداولها يكون المنتصر الأكبر في انقلابات الحداثة هذه هو الشعر..

*أستاذة جامعية وناقدة جزائرية

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق