ثقافة السرد

الغريب..

بقلم الجوهري ياسين..

حوالي الساعة الثانية صباحا؛ في ليلة من ليالي فصل الشتاء البارد .. بقفزة واحدة وثب جالسا على أريكته وهو يتصبب عرقا وحلقه كالح؛ كانت دقات قلبه ما تزال تتسارع وتنفسه يعكس الحالة التي هو عليها .. ما هذا الكابوس المزعج الذي أيقظني !؟ .. هكذا تمتم قائلا .. ثم استطرد في همهمته .. من هو ذاك الغريب الذي كان يطاردني في حلمي ؟؟.. ولماذا كان يطاردني؟؟.. يحاول تذكر ما عاشه في حلمه-كابوسه .. لكن عقله لم يستطع استرجاع شيء ما عدا شخص غريب يطارده من مكان إلى مكان ؛ أما من يكون هذا الشخص ولماذا يطارده؛ فهو ما عجز عن تذكره .. تناول جرة الماء الموجودة بالقرب منه سكب في جوفه جغمات ثم قام من فراشه وهو يلبس نعليه ؛ اقترب من نافذة غرفته المطلة على الشارع؛ وقف بالقرب منها ؛ الرؤية منعدمة بسبب ضباب النافذة ؛ اتكأ قليلا وراح يمسح بكمه زجاج النافذة حتى يتسنى له مشاهدة أضواء المدينة المتلألئة ؛ لربما يساعده هذا المشهد البانورامي على تذكر ما عاشه في حلمه بوضوح أكثر .. أو على الأقل يتذكر : ملامح ذاك الغريب الذي كان يطارده أو أي شيء …، ولربما يساعده المشهد على تخفيف توتره ونسيان أمر الكابوس … تناول سيجارة ووضعها بين شفتيه ؛ لكنه سرعان ما عدل عن إشعالها بعدما أثار انتباهه شيئا غريبا؛ هناك في الخارج حيث الشارع مهجور تماما؛ في الجهة الأخرى من الشارع في ركن تحت مصباح ؛ قبالة النافذة يقف شخص متسمرا في مكانه ويرصد النافذة ببصره ؛ تساءل مع نفسه من يكون هذا الغريب؟! ..

ثم ثاب إلى رشده وما شأني أنا فيمن يكون وماذا يفعل .. هم…
ومن يدري ؟!.. لربما أثار انتباهه شيء ما في الأعلى أثناء مروره من هنا ووقف يرقب بدوره ما يحدث كما أثار هو انتباهي الآن ..
لا أعلم ..؛ ما يزال متسمرا في مكانه تحت قطرات المطر وينظر إلى النافذة مباشرة .. يبدو أنها ليلة الكوابيس، فلننتظر لحظة قد يتزحزح من مكانه؛ وقف يراقبه من وراء النافذة مثلما يراقب الغريب النافذة؛ أعجبه فضوله وهو يراقب ذاك الشخص الغريب؛ أحس بمتعة في ذلك ..

تابع مراقبته وهو يتمتم : قد يتحرك من مكانه في أية لحظة .. مرت أكثر من عشر دقائق .. لا؛ لم يتحرك بعد !!.. من يكون هذا الغريب ولماذا يرصد ببصره نافذة غرفتي بالذات ؟! .. هل هو لص يترصدني ويتحين فرصة التسلل، فيم يفكر الآن ؟!!.. أتراه يفكر كيف يتسلل إلى منزلي؟! … ولماذا أنا منشغل به؛ فليذهب إلى الجحيم وليبقى هناك لساعات بل لسنوات فيما يعنيني أنا ذلك ما دام يقف هناك بعيدا!!..
لكن فضوله دفعه ليستمر في مراقبته ..
لا ؛ لن أتركه وشأنه.. الحقيقة إنني متوجس من هذا الغريب .. لماذا يقف هناك ؟؟ ما الذي ينوي القيام به ؟؟ وماذا لو لم أستيقظ؟! ؛ ماذا يا تراه كان فاعلا في هاته اللحظة أو ماذا كان سيفعل بعد لحظات لو لم يوقظني ذاك الكابوس المزعج؟؟ حقا إنني متوجس منه ومما قد يكون يفكر فيه .. يبدو أن أمرا ما سيحصل.. إنها ليلة الكوابيس .. ماذا أفعل أأنزل إليه وأسأله من يكون وماذا يفعل ؟ ولماذا يترصد نافذتي؟.. لا؛ لن أنزل سأمكث هنا وأترصده كما يترصدني .. في خضم زوبعة الأسئلة المتهاطلة عليه؛ لمح الغريب يلتفت يمنة ويسرة ؛ وقد بدأ يتحرك بخطى متتثاقلة عابرا الطريق في اتجاه باب العمارة .. ازداد قلقه من هذا التصرف .. ماذا أفعل إنه قادم ؟!.. ها قد شرع في تنفيذ ما كان يفكر فيه ؛ حسنا لنرى ما سيفعله … بسرعة البرق ومضت في ذهنه فكرة الاقتراب من باب المنزل ؛ اتجه نحو الباب على أطراف أصابعه حتى لا يحدث ضوضاء؛ تحسس شيء ما بيده اليمنى في ظلمة الليل؛ لم يعرف ما هو هذا الشيء الذي وقعت عليه يده لكنه أمسكه بقوة وهو يرتجف ثم أدار المفتاح وترك الباب مغلقا ؛ كأنه يخاطب الغريب قائلا : الباب مفتوح ادفعه وستجدني بانتظارك ؛
وقف منتظرا لحظة اقتحام الغريب منزله ليوجه له ضربة بما كان في يده .. ما هي إلا لحظة حتى سمع همس أقدام تقترب شيئا فشيئا حتى استقرت خلف الباب؛ وضع أذنه على الباب يتحسس ما يحصل في الخارج؛ لم يسمع سوى صوت أسنان تصطك من شدة البرد القارس مع أنين لا يكاد يسمع؛ أنين رجفة البرد .. وقف متسمرا في مكانه منتظرا اللحظة التي يفتح فيها الباب ليهوي عليه بضربة واحدة تسقط الغريب أرضا…
بعد مدة دامت حوالي خمس دقائق سمع صوت الأقدام تتراجع عائدة أدراجها من حيث أتت .. أحس ببعض الإرتياح .. ساد بالمكان صمت لبعض الوقت..
عاد الغريب مرة أخرى يقترب من الباب.. لكن هذه المرة : طق .. طق .. طق …. الباب يطرق؛ ارتجف وتسارعت دقات قلبه.. ظل جامدا في مكانه … من جديد الباب يطرق : طق .. طق .. طق … لم يفتح الباب .. ساد صمت للحظة مرة أخرى ؛ ثم تراجع الغريب كأنه يريد أن يغادر.. لكن خطب ما كان يشده للمكوث .. فعاد للمرة الثالثة يطرق الباب : طق .. طق .. طق…

القلق والخوف يستوليان عليه كلما طرق الزائر الباب ؛ دقات قلبه تزداد ؛ جبينه ويداه تتعرقان لكن هذه المرة استجمع قواه تقدم خطوة على أطراف أصابعه؛ أمسك بمزلاج الباب وأداره بهدوء؛ فتح الباب على مصراعيه ؛ فإذا بعجوز رث الثياب يضع فوق رأسه قبعة من صوف تآكلت بفعل الزمن وتوالي الأيام والفصول؛ مبلل من قمة رأسه إلى أخمص قدميه ؛ يرتجف وأسنانه تصطك يقف معه وجها لوجه .. لا تبدو عليه أمارات لص ..

غمغم : رجل عجوز !!.. إذن فالأمر ليس ببشاعة ما كنت أعتقده؛ توجه للعجوز رأسا بسؤال موجز : من تكون يا عم؟!..

هل تسمح لي بالدخول .. الجو في الخارج ماطر .. لقد تجمدت أطرافي .. وأنا لست لصا كما تعتقد ..

يبدو أن وجهك مألوفا .. هيا تفضل .. اجلس .. ولكن لماذا كنت ترقب منزلي بتلك الطريقة إنك لتثير الشبهات يا عم ..
جلس العجوز – وهو ما يزال يرتجف – قائلا : ربما أزعجتك في هذه الليلة لا شك أنك تتساءل من أكون؛ وتود معرفة من يكون هذا الغريب الذي يراقبك .. لكنني أعرف أنك تشتغل ناذلا بالمقهى س .. أصادفك مرات كثيرة في طريقك إلى عملك أو أثناء عودتك .. لا أملك مكانا آوي إليه .. كل لياليي أقضيها بالشارع .. لكن هذه الليلة باردة جدا.. صعب علي جدا قضاؤها بالشارع .. لقد ترصدت عودتك من المقهى حوالي التاسعة مساءا ( ترك كرسيه متجها نحو النافذة وأشار بأصبعه للمكان الذي كان يقف فيه بالشارع ) كنت واقفا أراقبك هناك ؛ بقيت هناك لساعة تقريبا لأعرف في أي شقة تقيم .. حتى رأيتك تقف هنا (وهو يشير هذه المرة إلى المكان الذي يقف فيه ) .. الأكيد أنك لم تنتبه لوجودي بسبب بعض المارة بالشارع .. ثم غادرت المكان بعدما عرفت أين تسكن؛ من باب الاحتياط يجب أن أعرف أين تقيم فليالي الشتاء باردة على من لا يملكون ملجأ وقد أضطر للعودة إليك طالبا اللجوء؛ ذهبت أتسكع بين دروب وشوارع المدينة وأفكر فيما سأفعله وأين سأقضي ليلتي الشتوية هاته .. لكن قطرات المطر وشدة البرد دفعني إلى العودة إليك دفعا؛ ولو في وقت متأخر من الليل، البرد لا يحتمل في الخارج ؛ لقد ترددت ألف مرة ومرة حين كنت واقفا هناك في الضفة الأخرى من الشارع .. وترددت كثيرا قبل أن أطرق الباب لكنك الشخص الوحيد المألوف لدي في هذه المدينة وكما ترى……
قاطعه قائلا :
حسنا .. حسنا .. فهمت .. لكنك فزعتني كثيرا .. ظننتك لصا أو ما شابه ذلك ..
حقا ليالي الشتاء باردة على من لا ملجأ لهم…

استرسل في حديثه – وهو يبحث له عن ما يستبذل به ملابسه المبللة – بالمناسبة اسمي حسن يا عم.. غير ملابسك المبللة ؛ تستطيع قضاء ليلتك هنا .. استرح قليلا .. ولنا في صباح الغد متسع من الوقت للتحدث أكثر ..
بينما حسن منشغلا بإحضار بعض الطعام لضيفه ؛ كان العجوز قد غط في نوم عميق، وضع حسن ما كان بيده بعدما وجده نائما و وقف أمام النافذة يشاهد قطرات المطر تتساقط وأضواء المدينة تتلألأ .. وهو يفكر في جملة العجوز “ليالي الشتاء باردة على من لا يملكون ملجأ” .. مكث على حاله قليلا ثم أغلق النافذة على مهل وعاد إلى فراشه؛ استلقى وعشرات الخواطر والأسئلة تتقاطر إلى ذهنه دفعة واحدة… قبل أن تغفو عينه..
بعد ليلة متعبة استيقظ حسن صباحا على رنين المنبه ؛ نظر إلى أشعة الشمس المتسللة بين شقوق النافذة بنصف عين مغمضة ؛ يبدو أن الجو جميل اليوم هكذا تمتم .. ثم تذكر زائر ليلة الأمس ؛ ظنه ما يزال نائما التفت إلى مكانه لم يجده .. وثب بقفزة واحدة من فوق سريره كأن شيئا عضه من ظهره بحث عنه في المرحاض ثم المطبخ لم يجده؛ وقف لحظة في مكانه ثم تساءل إلى أين يا ترى غادر ذاك العجوز الغريب؟! ..
فتح حسن النافذة .. الجو جميل، نور الصباح وهذا الهواء النقي يجب أن يملأ الغرفة ، يا له من صباح مشرقة شمسه !!.. بدأ يسترجع أحداث ليلة الأمس؛ ألقى نظرة على الشارع؛ وقع بصره مجددا على المكان الذي كان به الزائر ليلة البارحة .. فإذا به يراه واقفا في المكان نفسه وكأنه ينتظر حسن أن يفتح النافذة ..
لوح العجوز بيده يحييه تحية شكر على حسن الضيافة؛ ثم غادر وسط زحمة المارة ..
ابتسم حسن وتمتم قائلا :
يا لك من عجوز غريب ؛ بينما صدى عبارة العجوز “ليالي الشتاء باردة على من لا يملكون ملجأ” ما يزال يتردد في أذنه ..

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق