ثقافة المقال

الكتابة لماذا؟

حاتم السروي

لكل إنسان مهمة ولكل مهمة أهمية.. هكذا خلق الله العالم؛ فكل شيءٍ عنده سبحانه له غاية وهدف ومقدار، ولا يجري في ملكه عبث، وقد سماه أرسطو الفيلسوف بـ ” المهندس الأكبر “.. ورغم تحفظنا على هذه التسمية التي نعتقد أنها لا تليق بجلاله وعظمته، إلا أن أرسطو قد أصاب شيئًا من الحقيقة؛ فكل ما في الكون يظهر إبداعه وحكمته سبحانه.

وسيقول قائل إذا كان لكل إنسان مهمة ولكل مهمة أهمية فما أهمية الكسالى والبلداء والعجزة، بل ما أهمية الأشرار والقتلة والزناة وأهل الظلم والظلمات؟ والإجابة فورًا وبلا تردد: أن أهميتهم في تمييز الخير والحق والعدالة، في تعريف الناس بالنقاء وتنفيرهم من الكسل والإهمال؛ فبضدها تتميز الأشياء، ولولا وجود الخطأ ما أقبل الناس على الصواب.

لذلك قامت الحضارة في دنيا البشر ولم تقم في دنيا الملائكة، قامت الحضارة بالدفع والصراع وبالحرب المستمرة بين الحب والكره، بين الحق والباطل، بين الجدية والإهمال، بين الكسل والنشاط، بين الخير والشر، وبين الكذب والحقيقة.. أليس كذلك؟

إذن ما هو موقع الكاتب من هذه الخارطة الكونية؟ الكاتب هو صوت الفكر، ونداء القلوب، وهو الذي يقوم بأوسع وأكبر عملية تشريح للإنسان، لا يشرح الجسد، بل يشرح السلوك والأفكار ونمط الحياة، فهو ينظر ويراقب ويحلل ويخزن في وعيه وفي لا وعيه، حتى إذا استوت المعلومة ونضجت الفكرة نراها تخرج منه دون عمد ولا إصرار، إن الكلمات هي التي تكتب نفسها، أما القلم فهو الأداة، وكما أنه لا طعام بدون طبق، فلا كتابة بدون قلم، ولا إبداع بغير أسلوب، ولا أسلوب بدون اللغة، فاللغة هي الكاتب، بل إن اللغة هي الإنسان.

حين تفكر عزيزي القارئ هل تفكر بدون لغة؟؟ إذا كنت عربيًا فأنت حتمًا تفكر بالعربية؛ وإذا كانت في لغتك أدنى مسحة من القصور والضعف فحتمًا سيخرج فكرك ضعيفًا وقاصرا؛ ولأن العربية لا تعرف إلا القوة فإنني أزعم أن الفكر العربي هو من أهم وأرقى المنظومات الفكرية على مستوى العالم، ولولا بغضي للشيفونية والتعصب الأحمق لقلت أن الفكر العربي هو الأهم والأرقى، ولكن كيف يمكن أن أقول هذا وأمامي الفكر اليوناني الذي درسته واستفدت منه؟ ثم الفكر الغربي الحديث الذي تشكل فلسفة اليونان واحدة من أهم المنابع التي ينهل منها. ولأن العربية فيها من الدقة والبلاغة ما يعين الكاتب الأريب؛ فإنه لمن العار أن تخرج مقالات البعض وإبداعاتهم بلا دقة ولا بلاغة؛ ذلك أن العربية فيها من الاتساع ما يمكن الكاتب من الاختيار الصحيح لمضمون ما يعتمل في ذهنه وصدره، ورغم هذا فإن هناك حالة من الإهمال والاستسهال وعدم تحمل المسئولية في اختيار الكلمات، الأمر الذي لا ينعكس بالسلب على القارئ وحده وإنما على الكاتب أيضًا.

ورغم اعترافي بحاجتي الماسة إلى مزيد من القراءة وتطوير أدواتي شأن كل من يتصدون للكتابة إلا أنني ومع الأسف أستطيع أن أخرج لكم الكثير من الأخطاء والخطايا البلاغية والفكرية والعلمية في أنهار الكتب التي تنهال علينا من كل جانب، لقد فشا القلم في أيامنا، لكنه لم يعرف سبيلاً إلى اللغة السليمة، والحكمة خاصمته فأصبح قلمًا عليلا يخرج منه إبداعٌ مهيض، إبداع ليس كالإبداع، وإن أردتم الحقيقة فهو ليس إبداعًا بل هو نوع من الخواطر التي لا تشكل لنا أية أهمية، لذلك نرى مع الأسف كثرة الكتاب وقلة القراء، والسبب هو الفوضى، فوضى الكتابة.

ونحن الآن في أوضاعٍ لا نُحسد عليها.. من نحن؟؟ نحن العرب.. ومن العرب؟.. 22 دولة من المحيط إلى الخليج، وكل من فيها لهم تاريخ مشترك ومصير واحد وثقافة تشملهم جميعًا فلا يستطيعون منها فكاكا ولا يملكون محو تأثيرها حتى لو قرأوا كل ثمرات العقل الغربي وحتى لو عاشوا حقبًا في أوروبا والدول المتقدمة، 22 دولة تتحدث بلغة واحدة، ثم تسألني من هم العرب؟! إنهم المصريون والشوام والمغاربة وأهل اليمن وكل من تكلم بالعربية فهو عربي.. أرجو منك يا منكر العروبة ألا تدخلني في نقاشات سخيفة حول هويتنا التي نعرفها كما نعرف أبنائنا، لا بل كما نعرف أسمائنا، وإذا كنت لا تعرف من أنت فتول أنت جميع أمرك.

ولكن لماذا أتكلم عن العروبة؟ لأن العروبة هي السبب.. هي السبب الذي جعلني أكتب هذا المقال (الكتابة لماذا) وأقول: الكتابة هي من أجل التنوير ونشر الوعي وإحقاق الحق وغرس القيم، كل هذا من أجل أمتنا، من أجل مصر والأردن والجزائر والعراق والعرب جميعًا، من أجل هذا الانتماء الذي يملك أرواحنا وهذا الحب المتسلط الذي نستعذب سيطرته علينا بل إننا لنفخر بها، وهل بعد الحب فخر؟.

وإذا كان الكاتب ينظر ويحلل ويرصد ويكشف؛ فهل تنتهي مهمته عند هذا؟ ما الذي يفيد الإنسان لو اكتشف أنه كان جاهلًا ثم لم يتعلم؟ أو اكتشف أنه كان أحمقًا ثم لم يتعقل؟ أو عرف أنه نسي الله ثم لم يقبل عليه؟؟ ما الذي يفيد؟ ما الذي يفيد من العلم لو لم يتحول إلى عمل؟ هتف العلم بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل، أليس كذلك؟.

لذلك أطالب كل صاحب قلم أن يكتب ويكتب ثم يكتب، وبعد الكتابة أرجوه أن يترك ورقه وأقلامه ومكتبه ثم يهبط إلى دنيا الناس يغير فيها قدر ما يستطيع، يمنح الفقير ويمسح دمعة الكسير، ويدعم طالب العلم، يشكر كل من صنع معروفًا، ويذم كل فاسد وكل فساد، إن الكتابة هي صدعٌ بالحق، ولولا الحق لكانت الكتابة ضربٌ من العبث، لكل إنسان مهمة ولكل مهمة أهمية، وأهمية الكتابة أن تقول الحق، وإلا فلنضع القلم في غمده ولنرقد في سلام فوق أسرتنا، لأن الواحد منا إن لم يفعل خيرًا أو يقل صوابا، فلينام؛ فالنوم هو صنو الوفاة، والوفاة خيرٌ من التصفيق للباطل، هل عرفتم لماذا تكون الكتابة؟ إذا لم تعرفوا حتى الآن فأطلب منكم أن تقرأوا مقالتي من البداية.. إلى اللقاء..

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق