قراءات ودراسات

صفوة العرفان في تفسير القرآن للعلامة محمد فريد وجدي

1ـ تفسير ومفسرون

د.محمد عبدالحليم غنيم

نال محمد فريد وجدي ( 1878 – 1954 م ) في حياته شهرة فائقة جعلت مؤلفاته الكثيرة تطير في آفاق العالم الإسلامي ، وتترجم إلى عدة لغات شرقية وغربية ، يقول عنه العقاد ” هو فريد عصره غير مدافع بدأ حياته الفكرية على مبدأ لم يخالفه قط في أيام رخاء ولا أيام عسرة ، فقصر طعامه على النبات وانفرد بهذا الطعام بين أهل بيته واجتنب الولائم التي يدعى فيها إلى طعام غير طعامه ، وأخذ نفسه بسمت الأولين من عباد الله الصالحين ، فتورع عن كل بدعة من بدع الضلالة أو الجهالة ينكرها الدين ، وجهر باستنكاره لهذه البدع حين صمت الصياحون من الناطقين ” ( هؤلاء عرفتهم للعقاد , ص 158 ، 159 )
و محمد فريد وجدي كاتب إسلامي مصري الجنسية من أصول شركسية ولد في مدينة الإسكندرية بمصر سنة 1878م / 1295 هـ وتوفى بالقاهرة سنة 1954م / 1373 هـ. عمل على تحرير مجلة الأزهر لبضع وعشر سنوات، له العديد من المؤلفات ذات طابع ديني و وثائقي ومن أهم كتبه :كتاب دائرة معارف القرن الرابع عشر الهجري والعشرين الميلادي وتقع في عشرة مجلدات، و كتاب ” صفوة العرفان في تفسير القرآن ” الذى أعيد طبعه عدة مرات، والمعروف فيما بعد باسم ” المصحف المفسر” ترجم إلى لغات عديدة في الشرق والغرب ، وهو الكتاب الذى نتعرض له هنا ، وله كتب أخرى ،مثل : مهمة الإسلام في العالم و السيرة النبوية تحت ضوء العلم والفلسفة وليس من هنا نبدأ ،وغيرها وقد أعيد طبع هذه الكتب عدة مرات أيضا .
ولعل محمد فريد وجدي مع طنطاوي جوهري ومحمد رشيد رضا من أكثر المؤلفين العرب شهرة عند مسلمي العالم في الشرق والغرب , حيث ترجمت مؤلفاتهم إلى معظم لغات هذه البلاد واعتنى بها ، ولمحمد فريد وجدي مؤلفات كثيرة يغلب عليها طابع التعريف بالإسلام ودوره والدفاع عنه ضد الملحدين وغيرهم ، ويعد تفسيره الذي نتعرض له اليوم أحد هذه المؤلفات السائرة على النهج نفسه ، فهو كما يوضح لنا في مقدمة هذا التفسير يريد أن يفسر القرآن بعبارات واضحة خالية من الاصطلاحات الفنية والاحتمالات الظنية , وكأنه بذلك يهدف إلى مخاطبة المسلمين في جميع أنحاء العالم .


ولندعه يوضح لنا بنفسه منهجه في تفسيره وطريقته في تأليفه , يقول محمد فريد وجدي في إشارة إلى هذا التفسير في معرض حديثه عن مادة تفسير فى دائرة معارف القرن العشرين : ” قد وضع مؤلف هذه الدائرة تفسيرا سماه (صفوة العرفان في تفسير القرآن ) عمد فيه إلى تفسير الكتاب الكريم بعبارات واضحة خالية من الاصطلاحات الفنية والاحتمالات الظنية والأقاصيص الإسرائيلية , وتصدى فيه لحل الشبه العصرية التي تتوجه إلى ظواهر بعض آيات القرآن ، وجعل تفسير كل صحيفة في أسفلها فجاء كمصحف مفسر ، وغرضه من ذلك أن يجعله صالحا للتلاوة اليومية حتى إذا احتاج التالي لمعرفة لفظة غريبة أو سبب نزول آية أو تفصيل إجمال فيها أو معرفة محذوف في تركيب ، عمد إلى النظر فيما يقابل الرقم الموضوع خلفها من الشرح الموجود في ذيل الصفحة فيجده بلا كلل ولا كثير انقطاع عن التلاوة ” ( دائرة معارف القرن العشرين , مج 7 , ص 287 ) .
وعلى حد قول المؤلف نفسه فى نفس الصفحة ” قد حاز هذا التفسير شهرة عظيمة في الأقطار الإسلامية كافة ووصلت بسببه معاني القرآن الكريم إلى قوم كانوا من أبعد الناس عنها ، ووجد المشتغلون بدنياهم ، المنقطعون لها ، من هذا التفسير ذخرا لهم يؤتيهم بما يحتاجون إليه على عجل وبلا إضاعة أقل وقت . ” ( المرجع السابق ، ص 287 ) .

فرغ محمد فريد وجدي من هذا التفسير عام 1323 من الهجرة الشريفة فكان كتابه في ذلك الوقت فتحا جديدا في التفسير ، فقد قلده كثير من المفسرين الذين ساروا على نهجه . وقد تميز هذا التفسير لمحمد فريد وجدي بميزتين , الأولى : عدم الانحياز لأى مذهب فقهي أو ديني يقول المؤلف في مقدمة تفسيره ” استخلصت هذا التفسير من الآراء المجمع عليها لدى أئمة المفسرين ، وأقطاب أهل السنة ، فلم أخرج به عن سننهم قيد شعرة ليوافق مذهبا من المذاهب ، أو يؤيد رأيا من الآراء الفردية ولو اضطرني الكلام في بعض الآيات على أن أورد رأيا لي أو لأحد من غير أهل السنة نبهت إليه وعزوته لقائله حتى يكون القارئ على بينة من أمره . “
والثانية : العناية باللغة عناية تامة دون اقتصار على علم الغريب وترك باقي الألفاظ , يقول المؤلف موضحا هذه الميزة ” وقد راعيت في تفسيري هذا أن أعني باللغة عناية لم يعتن بها مفسر من السابقين ، فإنهم فيما يظهر، لغزارة مادتهم اللغوية ، لم يلموا من لغة القرآن إلا بالغريب الذي يعلو عن تناول كثير من الخاصة ، ولكن رأيت أن الكتاب الكريم قد جمع أوجه كلمات اللغة العربية , وعقائل مفرداتها ، ونحن أحوج ما نكون إلى التقوي فيها لنحفظ وجودها من عبث العجمة بها ، فشرحنا المفردات شرحا وافيا ، ودللنا على أصولها وأتينا بمشتقاتها ، والتزمنا أن نشرح اللفظ حيث وجدناه . ولو صادفنا في كل صفحة من صفحات المصحف ” .
وقد طبع تفسير محمد فريد وجدي عدة طبعات في حياته وبعد وفاته , واشتهر باسم (المصحف المفسر ) وفيما يلي نموذجان من هذا التفسير :

1- يقول في تفسير قوله تعالى :
” ألم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ” ( البقرة : 1 ـ 4 ) .
تفسير الألفاظ :
( ألم ) هذه الأحرف وغيرها مما افتتحت به بعض السور قيل أنها من الأسرار المحجوبة , وقيل هي أسماء لله تعالى , وقيل هي أيمان لله عز وجل , وقيل هي إشارة لابتداء كلام وانتهاء كلام , وذهب الأكثر ون إلى أنها أسماء للسور . (الكتاب) المراد به هنا القرآن , (بالغيب) الغيب هو الخفي الذي لا تدركه الحواس , (ويقيمون الصلاة) إقامة الصلاة تعديلها وحفظها من الخلل (يوقنون) أي يعتقدون بلا شك .
تفسير المعاني :
ألم ، إن هذا القرآن لا شك في أنه كلام الله أنزل هداية لأهل التقوى , الذين يؤمنون بالأمور التي لا تدركها حواسهم ، كالشئون الإلهية والعوالم الروحية , ويؤدون الصلاة على أكمل وجوهها , ويبذلون أموالهم لسد عوز المحتاجين ، ويؤمنون بالكتاب الذي أنزل إليك وبالكتب التي أنزلت على جميع الأنبياء السابقين ، ويعتقدون بالآخرة اعتقاد لا تشوبه شائبة من شك ولا تعكر صفوة كدورة من ارتياب .

2- يقول في تفسير قوله تعالى من سورة سبأ :

يقول الله تعالى : ” الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ ، يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَما يَخْرُجُ مِنْها وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَما يَعْرُجُ فِيها وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ ، وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ ، قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلاَّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ ” ( سورة سبأ الآيات ١ ـ ٢ )

تفسير الألفاظ :
( ما يلج في الأرض ) أى ما يدخل فى الأرض يقال : ولج يلج ولوجا ، أى دخل ، والذى يلج فى الأرض هو الغيث وما يدفن فيها من مقتنيات وموتى. ( وما يخرج منها ) كالنباتات والمعادن والعيون . ( وما ينزل من السماء ) كالملائكة والوحى والأرزاق .( وما يعرج فيها ) كالملائكة وأعمال العباد .. الخ .يقال : عرج يعرج عروجا ، أى صعد .( بلى ) حرف جواب قد تأتى ردا النفى كما فى هذه الآية أو جوابا لسؤال منفى نحو قوله تعالى ( ألست بربكم قالوا بلى ) .( لا يعزب ) أى لا يغيب ، يقال يعزب ويعزب عزوبا بعد وغاب وخفى . وأما عزب الرجل يعزب عزبة وعزوبة فمعناه صار عزبا أى بلا زوج . ( فى كتاب ) هو اللوح المحفوظ الذى فيه ما كان ويكون إلى يوم القيامة .

تفسير المعاني :
الحمد الله الذى له ما فى السموات والأرض خلقا وإبداعا ، وله الحمد فى الآخرة على جميل إحسانه ورحمته وهو الحكيم الخبير ، يعلم ما يدخل فى جوف الأرض وما يخرج منها ، وما يهبط من السماء وما يصعد إليها ، لا تخفى عليه صغيرة ولا كبيرة مما يحصل فى ملكه الذى لا ينتهى إلى حد وهو الرحيم والغفور. وأنكر الذين كفروا مجىء يوم القيامة ، قل : بلى والله عالم الغيب ، لتجيئنكم لا يخفى عليه ثقل ذرة من هباء فى السموات والأرض ، ولا أصغر ولا أكبر منها ، إلا فى كتاب مبين هو اللوح المحفوظ. ا ه.

وفى الختام يبنغى القول أن كتاب صفوة العرفان في تفسير القرآن ، المعروف فيما بعد بالمصحف المفسر يعد رائد التفاسير الموجزة في القرن العشرين ، فقد حذا حذوه عدد من مفسرينا وعلمائنا المشهورين في عصرنا مثل مثل الشيخ حسنين محمد مخلوف والشيخ عبد الجليل عيسى، وابن الخطيب، وشوقى ضيف وغيرهم ، رحم الله العلامة محمد فريد وجدى وأثابه خير الثواب .

1

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

رأيان على “صفوة العرفان في تفسير القرآن للعلامة محمد فريد وجدي”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق