قراءات ودراسات

المغزى الحقيقى فى رواية ((خاتم السلطان))

للكاتب الكبير يعقوب الشارونى

محمد عبد الظاهر المطارقى

برغم ما وصلت اليه المجتمعات الحديثة من تقدم وازدهار فى عالم التكنولوجيا المتطورة، ووسائل التواصل الاجتماعى.. وتوغل الرقمنة وهيمنتها على كل شئون الحياة، إلا أن الحكاية الشعبية – لاتزال – تضرب بسهم وافر فى الأدب عموما.. وقصص الأطفال على وجه الخصوص لما تمتاز به من تلقائية وبساطة، وقدرة عجيبة على الولوج إلى عوالم تموج بالصراعات، والمواجهة بين الخير والشر .. وانحيازهم الدائم نحو الضعفاء، والفقراء، والمقهورين..لتوجد لهم مساحة آمنة يمكنهم من خلالها التعبير عن أنفسهم ، والدفاع عن ذواتهم، وتحديد مصائرهم بصورة جاذبة تثير الدهشة، وتنال الاستحسان.
البطل الشعبى هو ذلك النموذج البسيط الذى يخرج من قاع المجتمع ليمثل أحلام الجموع الغفيرة من البسطاء والمهمشين وهو فى غمرة صراعه تمد له القوى الغيبية يدها لتعينه على إحراز النصر .
وكاتبنا “يعقوب الشارونى” هو واحد من أهم وأبرز من تناول الحكاية الشعبية فى أعماله الإبداعية، واستطاع أن يعالج العديد من الحكايات المستمدة من تراثنا الحكائى.. فضلا عن روائع ألف ليلة وليلة.ليقدمها لنا بصورة وضيئة تدهش الكبار، وتجتذب عقول وقلوب الصغار. فنجد :”أجمل الحكايات الشعبية”،”معروف فى بلاد الفلوس”، وهى إعادة طرح للحكاية الشهيرة (معروف الاسكافي) بصورة عصرية. “بدرالبدور والحصان المسحور”، ” كنز جزيرة عروس البحر”، “الفرس المسحورة”، ” الكسلان وتاج السلطان”…وأعمال أخرى كثيرة.
وهانحن هنا فى حضرة “خاتم السلطان”، إحدى روايات سلسلة “المكتبة الخضراء” تلك السلسلة العريقة التى أصدرتها – ولاتزال – دار المعارف..والتى شكلت عقول ووجدان أجيال عديدة بما قدمته على مدار سنوات طويلة من روائع الإبداعات القصصية، واللوحات الفنية المعبرة.

وقصة “خاتم السلطان” تمتاز ببساطتها، وعمق مغزاها.. إنها تعمق الشعور الإيمانى داخل الطفل، وتدعوه للتحلى بالصلاح وحسن الظن بالله تعالى ،والتوكل عليه. وذلك من خلال شخصية مرزوق الصائغ، التاجر البسيط ، رقيق الحال، الذى يحرص دوما على ذكر الله، والاعتراف الصريح، المعلن بقدرته العظيمة، الهائلة فى الصباح الباكر من كل يوم، حين يقوم بفتح دكانه المتواضع الذى يواجه قصر السلطان.. هكذا دأب على قول ” يا فتاح يا عليم يا رزاق يا كريم.. قدرتك يا رب كبيرة، وعلى كل شىء قديرة..حتى إذا سقط شىء فى البحر فقدرتك تعيده إلى البر..”
ثم يدير المفتاح ، ويرفع مزلاج الباب، ويقوم بفتح دكانه. ولكن هل هذه الكلمات التى ينطق بها لسان هذا الصائغ مرزوق كل صباح حاضرة فى قلبه ؟، أم أنها مجرد همهمات يرددها بدون أن يعيها ، أو يكون لها غطاء إيمانى صادق.. هذا مايدفع الحكاية للرد علينا بدخول مرزوق محنة اختبار قد تودى بحياته، ويدفع المسكين رأسه ثمنا لها.. ليتجلى لنا صدق ايمانه، ويقينه الخالص فى الله عز وجل وحسن ظنه به لينجو من هذه المحنة .بل وينال جائزة لم يكن ليحلم بها .
انه السلطان ، صاحب القصر المنيف، الذى يؤرقه، بل ويقض مضجعه صوت مرزوق، وكلماته التى يهتف بها فتسرى مع نسمات الصباح الباكر وتتسلل بقوة إلى مخدع السلطان النائم، الغارق فى أحلامه اللذيذة. يقوم من نومه فزعا، ويرعد غاضبا:” من هذا الذى يقلقنى فجر كل يوم،ويحرمنى متعة النوم الهادىء والأحلام الجميلة” !!
وبعد استدعاء السلطان لمسرور ومعرفة من صاحب هذا الصوت المزعج.. يضع السلطان لنفسه خطة يحتال بها على مرزوق للتخلص منه ومن انزعاجه له.. وهنا تحدث المواجهة المحتومة، والصراع بين الخير والشر.. ليستند كل طرف الى القوة التى تعينه وتساعده على تحقيق مبتغاه..فالسلطان لم يكن يدرك المعنى الحقيقى من ورء تلك الكلمات التى يعلن بها مرزوق كل صباح.. وتعامل معها بقدر من الاستخفاف وعدم التصديق.. إذ كيف يمكن للشىء إذا سقط فى البحر أن يعود الى البر. إنها بلا شك سطحية التفكير، وعدم التمعن فى المعنى وإدراك أن الله الذى خلق الكون، بقدرته يمكن له أن يفعل ذلك. وهكذا قدم السلطان خاتمه النفيس والذى يقدر بألف ألف دينار ليصنع له الصائغ خاتم آخر مقلد شريطة ألا يتجاوز ثلاثة أيام ،ثم يلتقط السلطان الخاتم مرة أخرى بدون أن يكتشف الصائغ مرزوق ذلك.. ويتعمد السلطان أن بخرج فى نزهة بحرية ليلقى بالخاتم فى أعماق البحر،يعود بعدها الى قصره وهو على يقين من نفسه أن الصائغ لا محالة سيدفع رأسه ثمنا – بحسب الشرط المتفق عليه – إن لم يصنع له خاتم أخر . وحين يكتشف مرزوق ضياع الخاتم تركبه الهموم، ويتأكد أن نهايته قد حانت، وأنه لا مفر من قطع رأسه نظير إهماله . وهنا يبرز دور الزوجة المؤمنة، التى تذكره بالله، وبكلماته التى كان دوما يرددها كل صباح” يا فتاح ياعليم يا رزاق يا كريم، قدرتك يا رب كبيرة .. وعلى كل شىء قديرة.. حتى إذا سقط شىء فى البحر فقدرتك تعيده الى البر”


وكأنما أعادت الزوجة الصالحة الى زوجها البائس روحه من جديد.. فراح يردد تلك الكلمات بقلبه، ولسانه.. انه يعلم يقينا أن الله تعالى القادر المقتدر بوسعه أن يرد اليه ضالته حتى ولو كانت فى أعماق البحر.. ولأن الله دائما عند حسن ظن عبده فقد استجاب له. وأعاد اليه خاتم السلطان قبل مضى اليوم الثالث، ولكم أن تتصوروا كيف يمكن لخاتم بهذا الحجم الصغير أن يعود مرة أخرى من أعماق البحر.. ليقع فى يده .. يا الهى.. لقد ابتلع الخاتم سمكة صغيرة.. والتى ابتلعتها بدورها سمكة أخرى كبيرة، ليقوم صياد باصطيادها، ثم يتم بيعها لتصل الى بيت الصائغ.. فالله تعالى لا يعجزه شىء فى الارض ولا فى السماء.. إذا أراد شىء هيأ له الأسباب.. وهكذا استعان الصائغ بالله فنصره،


فى النهاية ، بعد أن استمع السلطان الى القصة، وتأكد من صدقها حتى صاح قائلا: سبحان الله، أنت رجل صالح حقا يا مرزوق، وأعتذر عن كل ما فعلته معك.
بل إن السلطان لم يكتف بما قدمه لمرزوق من جائزة كبيرة، واعتذار لما فعله معه.. بل أمر السلطان وزيره بأن يعينه حارسا على بيت المال لصلاحه وأمانته.
والجميل حقا هو ما أمر به السلطان فى نهاية القصة ..حيث قال لمرزوق:
أمرتك أن توقظنى كل يوم بعبارتك الصادقة: يا فتاح يا عليم.. يا رزاق يا كريم.. قدرتك يا رب كبيرة، وعلى كل شىء قديرة.. حتى إذا سقط شىء فى البحر، فقدرتك تعيده إلى البر”.
وهكذا تنتهى القصة تلك النهاية السعيدة، بعد أن أدت رسالتها بدون ترهل أو إسفاف..كما أن كاتبنا الكبير بخبرته الطويلة استطاع أن يقدمها فى قالب مشوق، دفع بنا لأن نمضى فى قراءتها حتى نقطة النهاية .
محمد المطارقى
مصر – المحلة الكبرى

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق