ثقافة السرد

استغراق

زهير عبد الرحمن

لم يكن لقاءً عابراً، بل مصادفة جميلة. دفَعَ بها القدر لأتعرف على عبد الغفار. الصديق الذي نسجت الزمالة بيننا، أواصر صداقة دائمة. تُوّجت بتفاهم وجداني يقوم على احترام الآخر، رغم اختلاف البيئات التي نشأنا عليها. فهو قادم من المغرب العربي فيما انا قادم من المشرق. أعطتنا الفرصة هذه، والتي امتدت لأسبوعين، فترة كافية من الوقت، لنتجاذب أطراف الحديث ويقصُّ كل منا للآخر شيئاً من ماضيه. كان عبد الغفار شخصاً نبيلاً ذو جذور مختلطة بين ثقافة الفلاحين والبيئات الارستقراطية. ورثها من أبيه الفلاح ووالدته الأجنبية مما انعكس على سلوكه، فكان يجمع بين صفات الطيبة وسماحة النفس والبساطة لحد السذاجة أحياناً، والتي ورثها من بيئة والده كما قدّرتُ أنا، وبين صفات النبل والترفّع عن صغائر الأمور واحترام الذات وتقديرها والثقافة المميزة. هذه الصفات الأخيرة على مايبدو كانت نصيبه من مورّثات والدته المتعلّمة. هذا ماكنت أستطيع أن أستشفّهُ من خلال أحاديثه عن طفولته، كما بقية فترات حياته وتأثير كلٍ من والديه عليه.
إن تباين الطباع غير المتكافئة تنعكسُ على مايبدو في سلوك صاحبها وفقاً للموقف الذي يجدُ نفسه فيه. فيبدو الأمر للمراقب الخارجي على أنه ضرْبٌ من الغرابة لاتنسجم مع المعلومات المتوفرة عن الشخص. هذا على أقل تقدير ماأستطيع أن أقوله عن عبد الغفار قبل أن أسردَ شيئاً من الأحداث المشوّقة.
عند تعارفنا، تصادف أن كان كلانا متزوجٌ حديثاً وينتظر اصطحاب زوجته بعد فترة. فقد افترقنا في طباعنا الشخصية وفي تفاصيل حيواتنا. فبينما كان هو قد ارتبط بزوجته بعد قصة حب سنسرد شيئاً يتعلق بها فيما بعد، أما أنا فكنت متزوجاً زواجاً تقليدياً للمرة الثانية بعد افتراقي مع زوجتي الأولى، الأجنبية الجنسية. كان عبد الغفار يبدي حماساً وسعادة حين أسردُ عليه بعض القصص عن زواجي الأول.
كان عبد الغفار مدرسا للغة العربية، وقد اختار دراستَها عن رغبة ومحبة واهتمام، فيما كان والده يتمنى أن يكون ولده طبيبا أو مهندساً كما هو مألوف في تلك البلدان. فكان يقول له على سبيل ماذكر لي: ماذا يعني أن تصبحَ مدرس لغة؟ هناك الآلاف منهم؟ ستعيش بانتظار المرتب آخر الشهر، الذي لن يكفيك حاجتك. كان عبد الغفار كما ذكرتُ آنفاً يمتلك صفاتاً فريدة لم يكن والده على ادراك لقيمتها وتأثيرها عليه مستقبلاً. حقيقة، فقد كان مثابراً وصبوراً ويؤمن بشدة بأن الانسان حين يضع نصب عينيه هدف ما ويعمل على تحقيقه فإنه لامحالة سينجح، طالما كان قادراً على تركيز جهوده لأجل ذلك. فقد كان يطمح للحصول على درجة الدكتوراة في آداب اللغة حين قرر الالتحاق بهذا الاختصاص في الجامعة. بيدَ أن هذا لم يكن ليمنع بعض الهواجس الخفيّة التي أسرّ لي بها عبد الغفار حول مستقبل مهنته ـ والتي فُوجئتُ بها، فكنت كلّما ذكرها على مسامعي أقعُ مغشياً عليّ من شدّة الضحك، ليس فقط بسبب حديثه، بل أيضاً بسبب ما تستحضره مخيّلتي من الذكريات عن صور مدرسي اللغة الذين تَعلمتُ على أيديهم ـ فمنها مثلاً: أنه كان يعتقد بأن معظم مدرّسي اللغة بعد سن معينة سوفَ يتغيّرُ مظهرهم ليُصبحوا من ذوات الكروش بالاضافة للصلع. وهذا مالم يكن يقبلُ أنْ يتصالحَ معهُ أبداً فكانَ شديدَ الحرصِ على الاعتناء بمظهر شعرهِ ومراقبته دائماً بالاضافة إلى ضرورة ممارسة الرياضة تخوفاً من البدانة والوقوع في فخ الصورة النمطية التي علقَتْ بذهنه منذ أيام المدرسة كما رددّ أمامي أكثر من مرة.
لقد تناقشنا عدةَ مراتٍ حول الفكرة، وحاولتُ أن اُبعِدَ هذا التصوّر عن ذهنه، إلا أنّه كانَ مُصرّا على هذه الفكرة قائلاً: ألا تتذكر مدرسي اللغة الذين تتلمذتَ على أيديهم؟ ألم يكونوا كذلك؟ حاولتُ أن أوضّح بأن الدماغ سيبحثُ عن الصور من الذاكرة وفقاً لحالة الاستغراق التي يعاني منها الشخص، ففعلاً كان هناك بعض من أساتذتي بهذه الصفات، ولكنْ من المؤكد أنه كان هناك آخرون لايحملون هذه الصفات ولكن الذهن يدفعكَ لتذكُّر هؤلاء فقط ونسيان الآخرين. ثم ماذا يعني هذا ! فلتكن هذه التغيرات قدراً ما المشكلة في ذلك؟ لا .. لا.. أنت لاتعرف: كان يجيبني، وكان يكتفي بهذا الشرح فقط. أما أنا فما كنت لأصّر لأفهم جوهر المشكلة.
كنتُ أستطيعُ أن أتلمسَ خيوط بعض الأفكار التي ترتبط بالموروثات الثقافية والعادات الشرقية التي تكثر في الأرياف كما كنتُ أقرأها في رويات توفيق الحكيم.
كانت حالة الاستغراق التي أدّعي أنني اكتشفتها كسبب للحالات التي يمر بها الكثيرون، تلعبُ دور استلاب الانسان تجاه حالة معينة أو موقف ما أو ظاهرة أياً كانت، فيغيبُ في تفاصيلها لدرجة تستحوذُ على تفكيره ومشاعره لفترة من الزمن. وكنتُ أنا نفسي ممن يعانونَ منذُ الطفولة منها. لكنني نادراً ما أتحدثُ مع أحدٍ حول ذلك.
ما دفعني للحديث عن حالة الاستغراق تلك هي سلسلة الحوادث الشيّقة -والغريبة الطابع بعض الشيء-التي حدثت مع عبد الغفار والتي تعكس دون أدنى شك حالة تسيطرعليه نتيجة التركيز الشديد في التفكير بأمر ما. منها مثلأ أنه تصادفَ أن يخرجَ صباحاً ذات يوم متجهاً نحو عمله حاملاً الحقيبة بيده ومرتدياً البدلة الرسمية وهو مايزال ينتعل الشبشب فحين سلمّ على بواب العمارة ماكان من البواب الا أن انتبه عليه فسأله قائلاً: هل أنت ذاهب إلى العمل الآن ياستاذ، فلما أجابه: نعم، ألا تراني أحمل الحقيبة بيدي؟ فما كان من البواب إلا أن أمسك بالحقيبة قائلاً: دعني أمسكها لك حتى تعود وتنتعل الحذاء. كان البوابُ قد ألِفَ هذه التصرفات الغريبة. إلا أن الحادثة الأكثر طرافة كانت استغراقه في قصة حبه لزوجته نوال. فقد تعرّف عليها عن طريق والدتها التي كانت موظفة تعملُ معه في الجامعة. وكان يكنُّ لها احتراماً شديداً، إلا أنها لم تكن تعلمُ أن عبد الغفار يحبُ ابنتها وسوف يتزوجها مستقبلاً. كانا يذهبان سوية للعمل يومياً إلى الجامعة بالحافلة، إذ كانت الجامعة تبعدُ حوالي الثلاثين كيلومتراً خارج المدينة. وذات صباح تصادف أن استغرقه النوم فتأخر عن موعد انطلاق الحافلة، وقد كان شديدَ الحرصِ على أن يصعدَ بالحافلة ويختار الجلوس إلى جوار حماته المستقبلية. فما كان منه إلا ركب سيارة أجرة وطلب من السائق اللحاق بالحافلة. نعمْ إنّه الاستغراق، هو مادفعه للّحاق بالحافلة وليس الذهاب مباشرة إلى الجامعة. وبما أنه كان متأخراً بزمن كافٍ فلم يتمكن من اللحاق بالحافلة إلا مع اقترابه من سور الجامعة. لم يكن عبد الغفار طوال الرحلة بالسيارة يفكر فيما إذا كان سيتأخر عن عمله بل كان مستغرقاً لدرجة الذهول بفكرة: هل سيتمكن من اللحاق بالحافلة والصعود إليه والجلوس بجوار حماته المستقبلية والدردشة الصباحية معها ولو بضع كلمات يضمن معها تعميق الانطباع لديها بأنه الشخص الأكثر كفاءة والمناسب لابنتها فيما إذا تقدّم لخطبتها لاحقاً؟
يبدو أنه كان سعيد الحظ، فقد وصل بجوار الحافلة تماماً عند مدخل الجامعة فما كان منه إلا أن أشارَ بإلحاح لسائق الحافلة بالتوقف، الذي بدوره أصيب بالدهشة واستجاب له.
نعم هو الاستغراق. الاستغراق في العمل، الاستغراق في الحب، الاستغراق في الصداقة، في الفوضى، في العبث، في كل شيء، يمنحنا مساحة جديدة لندهش الآخرين دائماً. لنبني حالة جديدة وعالماً متخيلاً ربما أجملُ من واقعنا بكثير.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق