ثقافة السرد

ركبتي وقطار المستشفى

الطيب طهوري*

أوقف الرجلان اللذان كانا يلبسان الأزرق السماوي العربة التي كنت فيها تحت مربع الضوء
..كنت وحدي ..في الأعلى عينا جورج بوش الكبيرتان ترسلان أشعتهما الحادة الى رجلي اليسرى..في الجهات الاربع جدران تلبس البياض ..أغمضت عيني.. و..فتحتهما بعد مدة لا أدري مقدارها بالتحديد.. فوجئت وأنا أنظر جهة اليمين بفتاة سوداء تتفحص مجموعة أوراق بإمعان كبير ..تأملتها جيدا.. كانت كوندا ليزا رايس وزيرة خارجية الوم أ السابقة.. بدت لي ملامحها أجمل مما أعرفه عنها في الصورة عادة عبر المجلات والشاشات ..لا أخفي عليكم ..توقف ألم ركبتي وانتقل الفرح إلى أعلى ..كان يطل برأسه من حين إلى آخر متأملا جمال سوادها.. فجأة وقفت الفتاة السوداء كوندا ليزا رايس ..ببطء سارت نحوي ..
ما بك؟ ..سألت
ركبتي ..أجبت
اليسرى إذن ..علقت ..وبابتسامة عريضة عادت إلى مكانها ..
أغمضت عيني من جديد ..و..فتحتهما بعد مدة لا أدري مقدارها بالتحديد أيضا ..
نظرت إلى حيث كانت ..لم أجدها ..
نظرت إلى الأعلى ..ما تزال عينا جورج بوش ترسلان أشعتهما الحادة نحو رجلي اليسرى ..
دخلت مجموعة مختلطة من لابسي الأبيض الناصع والأزرق السماوي..
توجه الأزرق السماوي إلي ..وضع إبرة السيروم في ذراعي اليسرى وربط على ذراعي اليمنى بخيط لم أتبين شكله بوضوح ..
توجه لابسو ولابسات الأبيض الناصع إلى ما يشبه الشاشة في الجدار الشرقي ..وضعوا الصورالطبية لركبتي عليه وانطلقوا في نقاش لم أسمع كلامه جيدا..
لم أشعر إلا والقيء ينزلق من فاهي خفيفا ..و..غبت عن الوعي تماما ..
هل كان العمال الصينيون والكوريون الشماليون والفيتناميون والكوبيون هم الذين يرممون ركبتي اليسرى ؟..هكذا تهيأ لي وأنا في غيبوبتي تلك ..
حين استيقظت كان القطار الذي كنت فيه قد دخل النفق ..كانت عجلاته ترتفع وتنزل بي فوق مربعات البلاط غير المستوية ..كانت القاطرة امرأة لا تتوقف عن إصدار أبواقها :أجذب يدك يا رجل حتى لا تصطدم بالجدار.. لا أريد تحمل مسؤولية ما يمكن أن يقع لك.. اعتدل ..ما بك ؟..ألا تسمعني ؟..اللعنة على الممرضين والممرضات الذين تركوني أشتغل وحدي ..أطباء آخر زمان ..الكل نائم ..وحدي أعمل ..ماتت ضمائر الجميع ..
أخيرا توقف القطار ..
أنتم أيها الصغار إشربوا حليبكم ..بحثنا عن ملابسك أيها الرجل ولم نجدها ..لا ندري أين هي ملابسك أيها الطفل ..قلت إشربوا حليبكم ..بسرعة ..هيا ..
الألم الحاد في عيني يزداد بتواتر متصاعد ..
تعالي أيتها الممرضة ..كنت أريد دواء منها يخفف ذلك الألم ..
ماذا تريد مني يا رجل ؟
تقدمي إلى هنا أيتها الممرضة ..أريد أن أشكرك على عملك ..
ابتسمت الممرضة وتقدمت ..
أمسكت جفوني بأصابعي وفتحتها بصعوبة ..
شكرا لك أيتها الممرضة..أنت تعملين بجدية ونشاط أكثر..
لا شكر على واجب ..هذا عملي ..
هل من دواء لهذا الألم الحاد الذي ينغرز في عيني ؟
سأرى قالت ..و..غادرت ..
انتظرت طويلا دون جدوى ..الألم يزداد وأصابعي لا تتوقف عن فرك عيني ..
دخلت ممرضة أخرى..كررت طلب الدواء وانتظرت ..دون جدوى أيضا..
حين جاء الطبيب أخبرته بأمر الألم..أشار إلى ممرضة كانت ترافقه :ضعي بعض السيروم في عينيه ..و..غادر ..
لم تستجب الممرضة ..
أريد البول ..قلت لممرض ..هل من وعاء خاص بذلك..ولم يستجب الممرض لطلبي..
انتبهت إلى ركبتي التي كانت هي كذلك تصدر ألمها الحاد ..
رفعت الغطاء عنها ..فوجئت بالبياض الناصع يلف رجلي من فوق الكعب إلى منتصف الفخذ..
العينان عاجزتان عن الرؤية والركبة متوقفة عن الحركة ..يا ويلي ..قلت ..والبول يكاد يفر من أنبوبه ..
صحت بأعلى صوتي :أيها الممرضون أيتها الممرضات ..أين أنتم ؟..تعالوا إلى هنا أيها الـ…والـ
اسكت أيها الرجل.. أنت في المستشفى ..
كيف أسكت وأنتم لا تبالون بشيء ..لا عمل لكم سوى الثرثرة الفارغة ..هل تعرفون من أكون أيها اللامبالون ؟
أخي جنرال ..قلتها بطريقة بدت أكثر جدية .. لست أدري كيف وردت تلك الجملة على لساني ..
سأرفع بكم تقريرا إلى السلطات العليا..سأخربها عليكم أيها الـ..
نظروا إلى بعضهم البعض ..تهامسوا فيما بينهم ..بدت الحيرة على وجوههم ..كانوا أكثر اندهاشا وضياعا ..
جاء الممرض مسرعا بوعاء البول..
وجاء مسرعا أيضا بعد أن أنهيت ..
جئني بما أغسل به وجهي وأطرافي ..
بماذا أمسح ؟صحت بنبرة حادة ..
أسرع إلي بالمنشفة ..ووضعت ممرضة سائل السيروم في عيني ..
هكذا إذن ..قلت في سري مبتسما..وأغفيت ..
رأيت بجانبي تلميذي القديم الذي درسته في السنة الأولى ثانوي وتم طرده لفشله مرتين في الانتقال إلى السنة الثانية ..
كان الوالي يربت على كتفه..لا بأس ..إنه التواء في الكعب فقط ..سلامتك..إذا احتجت لأي شيء إتصل بي مباشرة ..هذا رقم هاتفي الخاص..
إلى جانب الوالي رأيت مدير الشباب والرياضة ومدير الثقافة أيضا وشخصيات أخرى لا أعرف مهامها ..
خرج مدير الثقافة من القاعة مسرعا بعد أن لمحني وتيقن من أكون ..
مدير التربية أيضا كان حاضرا ..ولحسن الحظ أنه لا يعرفني ..
بعد أن خرج الوالي تجمع الممرضون والممرضات والأطباء والطبيبات حول تلميذي القديم الذي هو الآن لاعب في أحد الفرق المحلية ..
سمعت أحدهم يقرأ برقية التمني بالشفاء العاجل التي أرسلها وزير الشباب والرياضة شخصيا ..
حين أستيقظت من إغفاءتي تلك كنت وحدي ..
كان الرجل المقابل لي ما يزال يطلب الإتيان بملابسه ليخرج ..كان الطفل الذي على يساري يطلب هو أيضا ملابسه ..
وكان الرد في الحالتين :لم نجد ملابسك..لا ندري أين هي ..سنطلب من أهلك الإتيان بملابس أخرى لك كي تخرج..
إيه يا ركبتي ..أيتها التي تنام في حصار البياض الناصع سأحرسك أياما طويلة وطويلة ..قلت في سري ..وتذكرت الحادث ..
كيف لم أنتبه لقشرة الموز اللعينة تلك؟..أين كان عقلي؟..أضفت ..و..
في عربة القطار المنكسرة كنت ..يدي اليمنى تمسك بحافة النافذة خوف السقوط واليسرى تتشبث بحافة العربة المائلة ..
ألا توجد عربة سليمة ؟سألت الممرضة التي كانت تقف بجانبي ..
لا توجد.. ردت ..
قلت للممرض الذي كان بجانبها :أما من مخدة ؟
لا ..أجاب..
نزع أخي معطفي وحذائي وجعل منهما مخدة لرأسي ..
فجأة ..سمعت حديثا جانبيا ..تتبعته حتى عرفت مصدره ..كانت ممرضة في المكتب المقابل لعربتي المنكسرة تقول لزميلتها وزميلها :لي أمنية واحدة ..أطلب من الله صباحا مساء وفي كل صلواتي تحقيقها ..
ما هي؟..سأل الممرض..
أريد فلانا (ذكرت إسما نسيته)..
ضحك الممرض وضحكت الممرضة زميلتها ..
أمسكت يمناي جيدا بحافة النافذة..قلت بصوت مرتفع وأنا أرفع يسراي إلى الأعلى مفتوحة الكف : أنت أيها الممرض.. وأنتما أيتها الممرضتان ..يا ملائكة الرحمة ارفعوا جميعا أيديكم للدعاء..
مندهشين رفعوا أيديهم وهم يرون يدي ترتفع إلى الأعلى مفتوحة الكف ..
يارب ..حقق لهذه الممرضة أمنيتها ..قلت ذلك وأنا أشير بأصبعي إليها ..
قال الممرض : يبدو هذا الرجل طيبا ..و..توجه إلي ..جاءت الممرضتان وهما تبتسمان ..
ماا سمك يا عم؟..سألني الممرض ..
الطيب ..أجبت..
صاح الممرض مبتهجا:ألم أقل لكما إنه رجل طيب ..ها هو اسمه يؤكد ذلك ..
قالت إحدى الممرضتين مبتسمة :هل من خدمة نقدمها لك يا عم ؟
عربة فقط ..أريد عربة بدل هذه المنكسرة ..
اسرعت وجاءتني بالعربة ..بلطف حملوني ووضعوني فيها ..
هل من خدمة أخرى ؟سأل الممرض..
مخدة ..قلت
قالت الممرضة التي دعوت لها :للأسف الشديد يا عم ..لا توجد مخدات والله ،لكني سأحل المشكلة ..
أخذت غطاء من عربة في القاعة المقابلة لعربتي من جهة الشمال..لفته على بعضه وجعلت منه مخدة وضعتها تحت رأسي ..
ماذا أيضا أيها الطيب ؟..قال الممرض ..
البول ..قلت هامسا ..
أسرع ووضع الحاجز الأخضر ومدني بوعاء البول ..
عادوا إلى مكتبهم وبقيت وحدي ..النعاس يراودني والأضواء الوهاجة تنغرز في عيني أكثر ..
أشرت بيدي للممرض :ألا يمكن نقلي إلى مكان آخر ضعيف الإنارة ؟..
أطفأ الأضواء التي فوق رأسي مباشرة ..
الطبيب يمنعنا من نقلك لأن العملية ستجرى لك فور الإنتهاء من التي تجري الآن لشخص آخر .. انتابتني إغفاءة أعتقد أنها كانت طويلة ،استيقظت منها على وقع صوت عجلات العربة يقودها ممرضان ..رفعت رأسي ونظرت إلى الأمام ..غرفة العمليات ..
جاء دوري إذن ..قلت ..
توقفت العربة..قال أحد الممرضين :عليك بنزع ثيابك..سأساعدك..
حين مد يده إلى…تفاجأت ..حتى هذا ؟..حتى هذا ..أجاب ..
وضع الملابس في كيس بلاستيكي ورماها في الرواق المجاور للغرفة دون أن يكتب اسمي عليها ..
فتحا الباب وسارا بي نحو الداخل ..
هل يمكنكما الإتيان بقلم وورقة أكتب فيها تعهدا بالتبرع بأعضائي لكل من هم في حاجة إليها ؟..
تفاجأ الممرضان بطلبي الذي بدا لهما غريبا ..
قال أحدهما :لا داعي لذلك ..
العملية بسيطة.. أضاف الثاني ..
وضعا العربة تحت مربع الضوء ..
نظرت إلى الأعلى..كانت عينا جورج بوش مصوبتين نحو ركبتي اليسرى ..كان الحقد يملأهما بشكل عميق ..
أرسلت حقدي أيضا إليهما ..
إلتقى الحقدان في منتصف المسافة بيننا ..
كان حقدهما يضغط أكثر ..وكان النعاس قد بدأ يلف جسدي من كل الجهات ..من فوق ومن تحت أيضا ..
سطيف: 24/06/2010

*أديب جزائري

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق