قراءات ودراسات

صورة الأنا من الرواية إلى الكورونا

ازرار محمد*

ما الأنا ؟ وما الكورونا ؟ وما الرواية ؟ وأية علاقة بين صورة الأنا في الرواية والأنا في زمن الكرونا ؟ أهي علاقة انسجام أم تقاطع ؟

إن الأنا كما وصفها فرويد هي شخصية المرء في أكثر حالاتها اعتدالاً بين الهو والأنا العليا، حيث تقبل بعض التصرفات من هذا وذاك، وتربطها بقيم المجتمع وقواعده، حيث من الممكن للأنا أن تقوم بإشباع بعض الغرائز التي يطلبها الهو ولكن في صورة متحضرة يتقبلها المجتمع ولا ترفضها الأنا العليا. مثال: عندما يشعر شخص بالجوع، فإن ما تفرضه عليه غريزة البقاء (الهو) هو أن يأكل حتى لو كان الطعام نيئاً أو برياً، بينما ترفض قيم المجتمع والأخلاق (الأنا العليا) مثل هذا التصرف، بينما تقبل الأنا إشباع تلك الحاجة ولكن بطريقة متحضرة فيكون الأكل نظيفاً ومطهواً ومعدا للاستهلاك الآدمي، ولا يؤثر على صحة الفرد أو يؤذي المتعاملين مع من يشبع تلك الحاجة، ومن منظور آخر فإن الأنا هي الساكنة للعالم وصورة الوعي فيه ومنها الفرد والجماعة، وأي خطر يداهم العالم فإنه يداهم الأنا بالدرجة الأولى، فكيف تنظر الأنا لهذا الخطر المستجد المحدق بها ؟ وكيف ينظر للأنا في هذا الإطار ؟
بعد أن تسرب في الأشهر الماضية خبر وجود فيروس مجهري في مدينة “ووهان” الصينية وهو فيروس لا يرى بالعين المجردة، أطلق عليه coronavirus covid 19 ، حتى سادت العالم حالة من اللاتوازن، خوفا من المجرد والآتي ومن الموت المتنقل، أغلقت معه معظم الدول حدودها وخطوطها الجوية وانعزلت عن العالم، الشيء الذي ولد حالة من التأهب والاحتياط والهلع في آن واحد، حالة تشبه تماما هيأة جندي حدود ينتظر في كل برهة رصاصة طائشة آتية من أحد الفجاج ليتفاداها، وسرعان ما توسعت رقعة الفيروس حتى أنتج منه رواية تتبادلتها الألسن، وأضحت تجسد أكثر من خاصية من خصائص الجنس الأكثر استفحالا لدى القراء والذي عرف بزوغه مع مطلع القرن الثامن، إذ شكلت رائعة الإسباني ميغيل دي سرفاتس بذرة من بذور هذا النوع من الكتابة، فما أوجه التشابه بين الكورونا وجنس الرواية وإلى أي حد تتجسد صورة الإنسان الحديث كما صورته الرواية في زمن الكورونا ؟
إن الهالة التي أحدثها فيروس كورونا لا تختلف كثيرا عن الهالة التي أحدثتها الرواية لحظة صعودها بصعود وارتقاء الطبقة البورحوازية، إذا لقيت من الجدل والنقاش ما لقيه هذا الفيروس، وقبل الشروع في عقد مقارنة ومقاربة بين أنا الكورونا والأنا في الرواية إن أهم خاصية يمكن اتخاذها نقطة بداية لعقد مقارنة بين الأنا الكورونية والأنا في الرواية هي :
– الفردانية:
إذا كانت الرواية بنيت على أنقاض الملحمة كما جاء في قول جيرار جنيت في إجابة على سؤال من أين تأتينا هذه الأجناس الأدبية ؟ ” إن كل جنس هو صنيعة وخلقة ما قبله، وإذا ما كانت الرواية لتستوي على عودها لولا الملحمة، و ما كانت الملحمة لتكون كذلك لولا الأسطورة … ” وكذا لدى ميخائيل باختين في مؤلفه “الملحمة والرواية” إذ يرى أن الرواية وليدة الثقافة الشعبية من الكرنفال والمينيبي التي تحتفي بالذات الجماعية التي تصورها الملحمة، و إذا كانت الملحمة تعكس صورة الأنا في العصور الكلاسيكية والتي يسمها التطوع من أجل الجماعة والمعنى الكامن في الترابط بين الذات والجماعة إذ لا معنى للفرد في غنى عن الجماعة ولا للجماعة بمعزل عن الفرد، فإن الرواية تمثيل représentation للزمن الحديث والعصر الحديث المجزء حسب تعبير جورج لوكاش (الرواية كملحمة بورجوازية) والذي ترتكز على الفردانية كمفهوم محوري لديها، وبالنظر إلى بعض المجتمعات في خضم هذا الفيروس نجد حضور الفردانية بقوة إذ إن الجري وراء تكديس المواد الغذائية وإفراغ المحلات التجارية منها يجسد هذا المعطى الذي ينتفي وقيم الجماعة مما سيحرم عددا كبيرا من الأسر من المواد الأولية البسيطة.

– السخرية:
لا شك أن الرواية نهلت من أعمال رابليه في الثقافة الشعبية والتي كانت مؤسسة على السخرية أو الباروديا على رأي باختين فسارت على نهجه لتصوير الحياة الحديثة القائمة على النقد اللاذع لحياة البورجوازية في مجتمع الحداثة، وبالعودة إلى رواية “دون كيشوت” لسرفانتس نعثر على هذه السخرية في أعلى درجاتها إذ يقاتل “كيشوت” قوى مجردة بوسائل بسيطة فيفشل ثم يحاول ثم يفشل ثم يحاول ثم يفشل…، ونفس المعطى في رواية “الطاعون” لألبير كامي وتكمن فكرة الرواية في مدينة وهران التي تتعرض لوباء الطاعون ويبرز لنا الكاتب ردود أفعال الشخوص على ذلك.
من أوائل ما يمكن ملاحظته هو تصويره لوهران بتلك القباحة.. رغم أن وهران المعروفة بالجزائر بالباهية وهران وثاني أكبر مدن الجزائر وهي مدينة ساحلية تستلقي على شاطيء البحر المتوسط بين جبلين الأسود في الشرق ومرجاجو في الغرب حيث توجد القلعة الأسبانية “سانتا كروز” وهي معروفة بجمالها بوصفه معقما وخلاصا من مقصلة الموت، هذا النمط يتجلى بقوة منذ الأيام الأولى لهذا الفيروس إذ اجتاحت مواقع التواصل الإجتماعي موجة من السخرية حولت الفيروس إلى لعبة يتم التسلية بها، لكن مع اتساع رقعة هذ البعبع تبين أن الأمر يتطلب حزم الأمتعة وتبني الوعي الجمعي بلغة كارل يونغ بعد أن وجدت الذات نفسها في مواجهة قوة مجردة.
إن احتكار السلع والتهافت عليها وغلاء الأسعار لا تعكس بالمرة بوادر وعي جمعي وفي هذه الحالة نجد الأنا تخضع لدوافع الهو وغرائزه كما خضعت الأنا للرأسمال المادي في المجتمع البورحوازي الذي أنتج الرواية، في مقابل انحطاط قيمة الأنا ومفهومها كما سلف ذكرها أعلاه مع سيغموند فرويد مثلما انحطت روح الجماعة في المجتمع البورجوازي كما تصور الرواية ذلك، وهو ما تعكسه أثناء الحديث عن فشل البطل في النهاية في تصوير لفشل الذات الإنسانية الحديثة .
– النسبية:
إن الحديث عن النسبية لن يكون مفصولا عن الحقيقة، حيث إن الحقيقة لم تعد ثابتة البتة في عالم الرواية بحيث إن البطل في الرواية يواجه قوى مجردة كما سلف الذكر في رواية “دون كيشوت” نموذجا، والأمر ذاته في زمن الكورونا حيث إن هذا الكم الهائل من المعلومات ونقائضها حول الفيروس ومقاطع الفيديو المنتشرة في صرح وسائل التواصل الاجتماعي بين من يؤكد حقيقة المعطيات والأرقام وبين من ينفيها مما يضعنا أمام تيه السؤال، أين تسكن الحقيقة ؟ حتى أضحت الحقيقة كما عرفها محمد عابد الجابري في مؤلفه “العقل العربي بقوله: ” إن الحقيقة هي المعطى الذي كلما اقتربنا منه ابتعد” إنها مثل الماء تنفرج كما ينفرج الماء من بين الأصابع .

في ظل هذه التطورات والتحولات التي يعرفها العالم يأتي مفهوم الحلم ليعتلي قمة المفاهيم بعده حلقة وصل بين أنا الرواية وأنا الكورونا تجعل من الخلاص مشروع الإثنتين، خلاص أنا الرواية من قيود المجتمع البورجوازي وقيمه اللبيرالية واعتناق سماء اليوتوبيا بوصفها مدينة فاضلة (أفلاطون) بلا صراعات طبقية، وخلاص أنا الكورونا من مشنقة الفيروس الفتاك، فهل ستنتصر الأنا لذاتها القيمية أم أنها ستظل خاضعة لسمات المجتمع البورجوازي المبني على قيم التبادل والفردانية والتنسيب… ؟

*أستاذ وباحث مغربي

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق