قراءات ودراسات

حيل الكندي في دفع الحزن عن النفس

زهير الخويلدي

” مصلحة ذاتنا أوجب علينا من مصلحة الأشياء الغريبة عنا”[1]

يخيم الحزن على الأنفس في هذا الزمن الصعب نتيجة التحولات العميقة التي يتعرضها لها السكان الناطقين بلغة الضاد وتتصاعد الأسقام التي تعاني منها الشعوب وتستفحل الأمراض التي تنخر الأجساد وتتضاعف الآلام على ضياع الأوطان وتبرز حسرة المواطن على خسوف الشمس وتلبد السماء بالغيوم وفقدان البوصلة وعزوف الحكماء على أخذ زمام المبادرة وتحديد الوجهة.

 


وربما السبب هو عسر الانتقال وغموض الواقع وتعقد المرحلة وتشابك العلاقات بين الأفراد والمجموعات ومجهولية المصير وتبخر حلم تكوين الدولة الأمة وتنامي العنف وتكاثر الانقسامات والنزاعات وغياب الحلول. هذه الوضعية الصعبة تدعو الى البحث في الأنساق الفلسفية العربية عن طرق صلبة ووسائط متينة تشيّد مسارات ممكنة لتنجب الأحزان ومعالجة الأسقام وتساهم في تفكيك النظرة المتشائمة وترسم سبل لتحصيل السعادة والنظرة المتفائلة.

لعل رسالة الكندي “في الحيلة لدفع الأحزان” تندرج في هذا النمط المقاوم من الحكمة العلاجية الموجهة نحو الجمع بين الرغبة في المعرفة والالتزام بالقيمة والتي تحرص على الربط التلازمي بين تعلم التفكير والتدرب على الحياة وبين الدقة الأكاديمية والمسؤولية الاجتماعية للفيلسوف.

اذا استنطقنا هذه الرسالة من جهة شكل الكتابة وطبيعة اللغة وشبكة المفاهيم التي تتكون منها واذا تمعنا في مضمون الأفكار وبحثنا عن وجهة نظر الفيلسوف الأول في حضارة إقرأ وفتشنا عن التعاليم التي ينثرها في نصه ويوصي محاوره بضرورة الانتباه اليها والتحوط بها وأخذها مأخذ الجد في حياته فإننا نجد العديد من الكنوز المعرفية وباقة من القواعد الأخلاقية والحكم التوجيهية.

من المعلوم أن المنهج الذي اعتمده الكندي في هذا القول الفلسفي التدشيني هو التعزي بالفلسفة وطلب الشفاء بالتعويل على طلب الحق والعمل به واحكام الرباط بين تحصيل العلم والاشفاء بالفضيلة. وقد اشترط فيلسوف العرب الأول الصبر على معاندة الحظ والحذر من تبدل الزمان ودعا الى معرفة الذات كخطوة أولى في طريق معرفة الكون وخالقه وقرن هذه الدعوى بالستقامة الأخلاقية وجعل من الاهتمام بالانسان أمرا ملازما للتحريك السؤال العقلي في الفلسفة الأولى.

بعد ذلك يأتي تحديد طبيعة الانسان وعلاقته بمادية الجسم ودور النفس العاقلة في ذلك ونراه يرفض استيفاء حقيقة المرء في جسمه ويبررذلك بأن هذا الأخير داثر ومسوس ومعرض المرض وفاسد بالطبع ويظل من الأمور الغريبة عنا ومشترك مع الأجسام الطبيعية الأخرى ولا يمثل من ذواتنا سوى آلات لانتاج المحسوسات ونوافذ لادراك الكون والاتصال بالخارج ويرمز الى الحيوانية الكامنة في طبيعتنا والبعد الغريزي المنفلت من كل رقابة وتقدير ويلقي بالمرء في التهلكة والأنانية ومصدر الوقوع في  الخطيئة واتباع الأهواء والرذائل والدناسة واتخاذ موقف انفعالي من الكون ، ويبقى علاجه عند المرض وتخليصه من الآلام واصلاحه من الأمور العسيرة والبشعة وذلك للكلفة الباهضة وندرة الأدوية وصعوبة تحمل المشقة من قبل الانسان.

من جهة مقابلة يراهن الكندي على قوة النفس في اثبات جوهر الانسان واستيفاء حقيقته وتحديد ماهيته وهذه المراهنة راجعة الى أن النفس باقية وسائسة وذاتية للمرء وتمثل الجانب العقلاني الروحي من الطبيعة البشرية وترفع الانسان نحو درجة الوجود الأشرف ويسهل معلاجتها واصلاحها وتمثل دور المرشد والموجه للبدن بالنظر الى ما تربت عليه من العادات الحميدة ويمكن تغذيتها بالأفكار والفضائل والأفعال الخيرة بتقوية عزيمتها وارادتها ومكابدة المحن وتغلبها على المخاطر وصبرها عند الآلام وتبقى محل عناية بالتقويم والتعديل والاصلاح.

النتيجية التي يصل اليها الكندي تتمثل في أن اصلاح النفس أيسر من اصلاح الجسم لأن اصلاح أنفسنا بقوة العزم هو بمثابة اصلاح ذواتنا وبالتالي ” فإنا بأنفسنا نحن ما نحن لا بأجسامنا”[2].

هكذا ينزل المرء بنفسه الى الدرك الأسفل من مراتب الحياة حينما يحرص على العناية برغبات جسمه ولكنه باصلاح النفس يرتفع الى مراتب عليا ويمسو على حقارات الحياة ويلتزم بالمحمود.

علاوة ذلك يمكن الشفاء من الأحزان والتخلص من الآلام بمعرفة الأسباب وتمييز المرء بين المحال بلوغه والمقدور عليه وبين الأمر المعرض للضياع والتلف والمرغوب الفعلي الأبقي. لقد كانت الحكمة التي استهمها الكندي من المأثور الفلسفي هي عدم التأسف على الفائت وطلب الميسور والارتقاء فوق عالم الكون والفساد والتطلع الى العالم العقول وتبصر دار الخلود والبقاء.

في نهاية المطالب يقدم الكندي عشر وصايا يعتبرها معالم طريق الوقاية من الأحزان بالنسبة للنفس هي:

1- اعتبار الحزن نوع من الحمق والظلم في حق النفس على الذات وتمييزه بين الحزن الناشيء من الذات والحزن الناشيء من الغير ودعوته الى الامتنزاع عن الحزن الذاتي بالاستطاع والتوقي من الحزن الوافد بعدم استباقه وعدم انتظاره وتقليل مدته ما أمكن.

2- مقارنة الحال المحزنة بالنسبة الى الذات بالأحوال المحزنة التي مرت بالآخرين والاعتبار من ذلك بتعزية الذات والتحلي بالصبر واظهار القوة أمام المعاناة.

3- اعتبار حدوث الشقاء والتعرض للمصائب بالنسبة للإنسان مسألة بديهية مرتبطة بوجوده الفاني والهالك والمتناهي وانتمائه الى عالم الكون والفساد والتغير.

4- الحزن مشترك بين الذات وغيرها وكل فرد يصله منه نصيب وعليه أن يقتصد  فيه بالحزن من فقد الخيرات الروحية الكلية و ليس على الخيرات المادية الجزئية.

5- الحزن نوع من الابتلاء وملك مشترك يوزعه الله على الناس ويمتحن مدى قدرتهم على التحمل والصبر عند الشدائد وعلامة على الحب الالهي والإيثار ولذلك وجب أن يسر به.

6- على المرء أن يقلل من رغباته اذا ما أراد أن يقلل من أحزاننا، ما دام فقدها يولد لديه الحزن ومادام لا يقدر على امتلاك شيئا على وجه الاطلاق.

7- ينبغي ألا يهتم المرء باقتناء ما لا يملك وأن ينتبه الى كون أحزانه لا تنقضي لأنه يجهل كيف يحكم نفسه ولم يزود بما يحتاجه منذ أن خلقه الله أول مرة.

8- الحياة في الدنيا أشبه برحلة داخل سفينة يقودها ربان ماهر الى بر الأمان يشعر بالحزن فيها الناس الذين كرسوا وقتهم لقضاء الحاجات وينجو فيها من زهد عن الملذات وانشغل ببلوغ العالم المعقول.

9- الحماية من حدوث الأشياء المحزنة تتم بأن يكون المرء ماهو اياه وأن يعيش وفق تمام طبيعته وأن يطلب الحسن من القبح ويؤمن بوجود الخير عند حصول الشر ويطرد الخوف ويتسلح بالرجاء ويعتقد في امكانية ظهور الحياة من تجربة الموت.

10- ينبغي أن يتذكر المرء الأشياء العزيزة عليه والمسرات لكي يعزي نفسه عما فقده من خيرات جزئية وينسى الأشياء التي توجد خارج سلطانه.

لكن هل جعل الكندي من تذكر السار المسعد ونسيان المفقود المؤلم حلية لدفع الأحزان عن النفس؟ والى أي مدى تخلص من الحكمة الأرسطية والمدونة الرواقية التي استقى منهما أخلاقه الطبية؟ ماذا يفيد استدعاء حكيم العرب الأول اليوم في عصر تعلوم فيه الحزن في كل وطن؟

المراجع:

الكندي، رسالة في الحيلة لدفع الأحزان، ضمن رسائل فلسفية، تحقيق عبد الرحمان بدوي، دار الأندلس، بيروت، طبعة ثالثة، 1983.


[1] الكندي، رسالة في الحيلة لدفع الأحزان، ضمن رسائل فلسفية، تحقيق عبد الرحمان بدوي، دار الأندلس، بيروت، طبعة ثالثة، 1983. ص.11.

الكندي، رسالة في الحيلة لدفع الأحزان، مرجع مذكور، ص.12.[2]


الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق