قراءات ودراسات

موسى حوامدة في “سلالتي الريح”

رؤية إنسانية تجتاز جدران المكان.. ودفق ملحمي في ذات شاعرة

أ.د. سلطان المعاني*

اعترت حياة الشاعر موسى حوامدة هزات مفصلية حادة.. وهو دائم الاقتراب من الارتطام بالانتكاسة على الأصعدة كافة.. ولكن لديه استعداد خرافي على جبر التشظي.. أو تجاوز وقوعه..

ولقد جاءت قصيدة “سلالتي الريح عنواني المطر” النموذج الذي زحزح كل ما سبق من تكوين إبداعي لدى صاحبها، وانحاز به إلى فضاءات جديدة وسعت زاوية الرؤية.. ووضعته في شكل نهوض.. يُشَكّلُ الرجوع عنه نكوصاً وتأزيماً لواقعه الإبداعي ..  وظفت القصيدة نظما معرفية موسوعية.. ذات بعد شمولي غير مؤطر بأدلجة التكوينات المكانية والزمانية المنحازة.. فأوسعها ذلك وقار الرؤية.. وأبوة تجاوزت البيولوجيا والديموغرافيا والتأصيل الإثني بمفهومه العرقي، وسلسلة الانتكاسات الكبرى.. والارتباط العضوي بتجربة الحرمان.. فالقصيدة هنا تعبير عن الانعطاف الفكري والثقافي والحضاري في عالم الشاعر.. ولكنه لا يشكل بأية حال هروباً منه.. فالشاعر يمارس الإزاحة النسبية في الخطاب الأيديولوجي ليدخل في رحابة الإبداع النصي.. وهي حالة لا يتجاوز بدؤها منتهاها سوى مقاربة الدخول فيما يَجُبُّ ما قبله، مع إقرار الحالة الجديدة بكل البواعث والمكونات السابقة واختلاف النية والمنطلق .  ويخسر الشاعر كثيراً إذا أفصح مدافعا عما أوصلته له سلالته الجديدة وقاد إليه عنوانه.. فما أقصر تلك الرؤية إذا حوكم الشاعر على صعود المرحلة، وانعتاق البناء من الأيديولوجيا فالشاعر يؤسس حراكاً تجاه الخلق والإبداع، ولا يقولب حواضن لأيديولوجيات وخطابات سياسية.. فهذه ليست مهمة الشعر ولا الشاعر،

كم سيدفع الشاعر لاستيعابه الذاكرة الكونية؟ هل سينتظر وطناً آخر يفقده؟ أو أباً وأماً أجمل مما تناسل منهما، يرقدان رقدتهما الأبدية مرة أخرى، ليعي ارتباط فعله الكوني بإرادة جوانية كامنة فيه تأصيلاً وبداهة؟   تتجلى في القصيدة حالة اكتناز ترميزي تدفع في تكاملية جدلية إلى نبش كل الزوايا المسكوت عنها في روح الشاعر، فيجرؤ على البوح بالضياع، إذ يتناسل من الخطيئة الأولى.. التيه أو القتل.. فالذاكرة الكونية تحمل أوليات الوعي على الوشاية والضياع والقتل.. ولا يعلن الشاعر ذلك كرهاً أو سخطاً أو بدافع القلق المرضي.. بل يفتتح القصيدة مقرراً إرهاصات البدايات في فضاء التكوين.. وصيرورة الفعل الاجتماعي .

قَبْلَ أَنْ تَرتطمَ الفكرةُ بالأرضً 

 

قبْلَ أنْ تفوحَ رائحةُ الطينً 

تَجولتُ في سوقً الوشاياتً 

أحملُ ضياعي

أقتلُ نفسي

أنا هابيلُ وقابيل،

آدمُ أنا وحواءُ 

نسلُ الخطيئةً

وينطلق الشاعر في فضاءات الأمكنة.. في رحابة لا يقهرها سوى عناد إيقاعه الحركي على شكل كتلة ظاهرها مهمش، وهي في جوهرها انفتاح على بحر التساؤلات الكبرى عن أسرار التكوين .

وزواجُ السوسنً من بيتً الطيوبْ .

لعلًّي في نَسْغ الصنوبرةً أو الأرزة 

في طَمْي النيل أو قاع التايمز 

لعلي ريشةّ في جناحً غراب 

ذرةّ مطمورةّ في رمادً منجمً فحمْ صيني 

بعضُ فاكهةْ أفريقيةْ أو جذعُ شجرةْ في بنما،

ظلامّ يغطي القطبَ الشمالي 

أو نهارّ يشرقُ فوقَ المحيط الهادي،

يستمر الشاعر في إعلان انسحاباته من تخندقات الشعراء المفترضة ضرورةً بالتراث، والأيديولوجيا، والقضايا المحلية الكبرى.. ليدخل في إطار إنساني ظاهره متشعبّ مركبّ.. وهو في الجوهر إفصاح عن تَشاكُلً المكونات في المُضغة والعَلَقَة.. والشاعر لا يستمد أدواته من محيطه القريب بالضرورة.. بل ينهض مؤسسا لفكرة أيممة النسيج المعرفي خارج النسق الزمني أو المكاني.. فنراه يبحث عن ذاته المغولية أو الآشورية أو حتى الهندوسية.. وكان قد بحث عنها في جغرافيا البشر الحاضرة في نسغ الصنوبرة أو في طمي النيل أو منجم فحم صيني.. أو ريشة في غراب مسكنه الفضاء .

لعلّي من أسلافْ مَغول 

أو من نسلً قاتلْ روماني،

لعلي من سلالة آشورية

أو من عائلةْ كردية،

من بقايا الهنود الحمر 

أو من كاهنْ هندوسي .

لا أحد يجزم بفوضوية الفعل في تغير دمع العين، وعبور ريح الخريف أيام السنة، وسكن تراب المقبرة القرن السابق لميلاد سقراط، وأن الشمس التي طبخت جسد تحتمس هي ذات الحرارة التي تعبث بوجه الطفولة.. فالشاعر هنا يكتب بإيقاع واضح ومحدد المعاني وبتركيبة بنائية مختلفة.. ورغم حيرة السؤال بًشَرطًّيَةً “من يجزم” في القصيدة، فإن الشاعر يتصاعد مع وتيرة النص للانفتاح نحو الأفق الزمني الغابر، ويربطها بًعًلَّةً الطَّرح الاستفهامي التقريري في باطنه.. فالشاعر يستحضر الموت الأجلَّ لًلأَجَلَّين: والده ووالدته.. فهو يقارب الزمن من لحظة السكون المطلق عن طريق أسئلة الحيرة هذه ..

من يَجزمُ أنَّ دمعَ العينً لا يتغير 

وأن ريحَ الخريف لا تعبرُ كلَّ أيام السنة،

من يضمن أن ترابَ المقبرةً 

لم يسكنْ غيمَ شتاءً القرن السابقً لميلاد سقراط،

من يثبت أن الحرارة التي طبخت جسد الفرعون تحتمس،

ليست نفسَ الحرارة التي تعبثُ بوجه طفلتي الصغيرة .

لَعلّي من أُممْ كثيرة ورجالْ كثيرين 

 

لعلَّ لي جداتْ روسياتْ وعماتْ اسبانيات 

الزمن لحظة ميلاد.. تؤكده لحظة الموت.. ولا يعي الشاعر بطبيعته البشرية نهاية غده.. فينكص إلى أجداده الهوموسابينز.. يلوذ بهم لتأكيد تأصُّل وجوده.. هربا من قضاء الفناء القادم المحتوم الذي تجلى له بوفاة والديه.. وقد سمع خبر موتهما.. متخيلاً تدافع الأحبة في ردم التراب وتشذيب اللحد، وتنتاب الشاعر رغبة هندوسية عارمة في التماهي مع الأشياء كلها.. ذرات تتناثر تبحث مع شقيقاتها هنا وهناك عن إكسير الخلود.. وهو إذ يعجز بطبيعته البشرية أيضاً عن الخلود في عين القادم.. يستحضر كل سكان وادي عبقر ليمنحوه قوة امتلاك الملامح: كأساً من خمر.. صليباً أو سيفاً.. أو حتى طائراً يحلق في الفضاءات باحثا عن جواب لسؤاله المقلق المحير.. “من يدلني علي؟ 

واثقّ أن مياهَ الخلقً تدورُ بين الوديان والشهوة

بين الحرير واللُّهاثْ،

واثقّ أن لغتي ليستْ جسدي 

وأن أصواتَ الطيور ليست غريبةً عن حركة الريح  والمطر .

كنتُ طائراً في زمنً الفُرسً

صليباً في عهد قسطنطينْ

سيفاً في يد صلاح الدين 

كأساً في يد الخيام

من يدلني عليّ ؟

اللعنات تنصب على الخصوم.. والمصائر لا نتحكم بها.. وإذا كان لمع سيف مارس أسطورة زمن غابر.. فإن الزهرة والمريخ فضاء مكاني يبتعد عن سُبَّتًي وانتقادي في معطى الإمكانيات المتاحة للشاعر.. ولكن الشاعر ينشد المطلق.. الزمن المطلق والفضاء المطلق.. ومما يثقل الكاهل عنده أنه حي بن يقظان أو روبنسون كروزو خلق جزيرته لتتسعه دون سواه.. وكأنما يصحو من كابوسه ليستدرك أهمية وجود الفضاء الاجتماعي الأرحب من حوله.. عساه يلقى جواب “منْ يدلني علي؟ 

لستُ قادراً على شتمً كوكب المريخ 

لا رغبةَ عندي لانتقادً مسار الزهرة 

ولستُ حريصاً على وقف هبوبً المغناطيس 

فوق عظام الأجداد الميتين .

معي ومضةّ من سلاح الإله مارس

قبسّ من نار بروميثيوس،

ومعي آياتّ من القرآن 

مزاميرُ من داود 

تراتيلُ من بولص

مقاطعُ من بوذا

كلماتّ من عبدالبهاء،

ويستحضر الشاعر حشد الزمن الأسطوري والحالة الإنسانية المثيولوجية.. مقارباً بينها جميعاً أسطورةً وديانات وضعية وديانات سماوية، ويجمع بينها في خط زمني يصنع فيه عالماً جديداً لذاتْ أسطورية.. ربما ولدت منذ ومضة السلاح في يد مارس.. ولعلها تتكون خلقاً جديداً في أسطورة تنمو بذرتها داخل الشاعر في عالم القصيدة .  وقد بدا أن الشاعر يتموضع في حالة وجد مقدس متواشج في تواليه الزمني، وفي خصوصية الفعل المرتبطة بالمسميات المسرودة، وهو لم يكن انتقائياً في خصوصية الفعل هذه، إذ يستحضر الفضاء اليقيني الخاص بكل منها ليؤسس لفكرة التحول في نظرته للحياة تأسيساً مؤطراً غير هلامي يحمل دالات رؤيوية .  ولا يسبح الشاعر هاهنا في دائرة وهمية، ولا ينطلق منه بنزق لحظي، وهو إذ يصنع عالمه الشعري الذي أزاح ذاته الأولى، فقد أزاحت الانتكاسة النفسية.. والشرخ الوجداني العميق بموت الأب ثم الأم في أسبوعين متتاليين كًلاهُ: القالب والجوهر.. أداته وذاته.. شعره ونظرته للحياة.. فالشاعر في قصيدته لا يهرب من ذاته وهويته ولا يتقمص غيره.. وإنما يصنع لنفسه حصان طروادة، خدعة فارس صاعد إلى الأمام في قيم معرفية إنسانية ورؤيا شغلت شُهَّادَ عصورهم. فعالم “سلالتي الريح” جرأة غير مسبوقة عند الشاعر وأقرانه على افتضاح المكنونات الداخلية.. ولو لم يفعل لما ارتقى شاعراً . يشي هذا النص بالحالة التي تراوح ذاتها عند الشاعر.. وهي الانفلات من قواعد اللعبة السابقة في توابت المكان والزمان والحدث.. وهو يخرج إلى عالمه الجديد بأدوات تعفيه من سُبَّة الخطيئة.. فومضة السلاح من مارس تمنحة القوة.. وقبس النار من بروميثيوس ينير له الطريق.. وعالمه المقدس جنته وجنة الجميع.. فهو يتحرك إنْ آمن بما صَبَّ في قَوْلَبًهً الشعري في عالم من الهدم والبناء.. والمقاومة.. مقاومة الموت والشتات.. والغربة.. ليبني له أفقاً كوكبياً يتسع دون نهاية.. أو إلى حدّْ تتضاءل فيه مسافات الاقتراب من الحزن والفجيعة .

لستُ عارفاً مطالعَ الفُلْكً ولا مغاربَ الخلق

بدأتُ أعتادُ الدهشة

وأتجلَّى في مراياي،

أعرفُ من لا يعرفني 

أخي الذي لا يمتُ لي بًصًلَةْ ولم يسمعْ باسمي من قبل 

أختي من قفقاسيا 

عمتي من اليونان،

ربما وَشَمَ صوتيَ الأتراكُ

أو هذَّبَ وحشيتيَ البحرُ

ربما وُلدَ مني مزارعّ فرنسي

أو سياسيّ مخادعّ في ايطاليا

ربما جئت من تراب لوس انجيلوس 

أو من طين أثينا

من يعرف تاريخَ جسدي قبل ألفي سنة   

من يملك بيضةَ الرُخًّ في يده 

من يدلُّني عليّ؟

في هذا النص تصالح صراح مع الذات والآخر.. ورؤية إنسانية تجتاز جدران المكان.. ودفق ملحمي في ذات شاعرة.. يستحق صاحبها عليها أوسمة البدايات الكبرى.. فعناصر التكوين التي ارتضى تمنحه الحضور المُجَلًّي بسيرورته الذاتية وبتجاوزه فكرة التخندق قُبالة الآخر، إلى الذات الأنا والذات الآخر في نسيج متفاعل ومتماهْ.. فهو ينشد عالم الحلم كائناً ندركه ونحسه ونعيشه.. ويرسم خارطة العالم طبيعية عذراء دون خطوط.. يمنحنا الحق فيها جميعاً بلا ألوان ولا أسلاك شائكة.. نجتازها بقفزة واحدة من حدًّها إلى حدًّها ثم نعاود الفعل. وقد جعل الشاعر فضاءاتها الزمنية والمكانية أكثر رحابة من المُتخيل.. فتساؤل الشاعر هنا “منْ يدلني علي؟” بدا أقل حيرة وتأرجحاً.. وأكثر عفوية في جعله سؤالا أزلياً غير قَصديّْ ومشاعاً للَّحظة .

قلبي مليءّ بوجيبً العالم

خطواتي تأخذني لبيت النار الأول .

لعلَّكَ أنتَ مني وأنا من ثرى المريخ،

لا أنكرُ صلتي بزيوس

ولا أقرُّ بدمه في عروقي،

لا أطعنُ في صحة النهر 

ولا أخبئُ البحر في خزانتي

سلالتي الريحُ 

وعنواني المطر .

منذ اللحظة الأولى التي قرأت فيها الديوان، الصادر عن دار الشروق هذا العام 2007، في قرابة مائة صفحة متوسطة الحجم، وتناوبت على صفحاته ستّ عشرة قصيدة، رابعها قصيدة العنوان، وتقديم لعلي بدر وإضاءة على الغلاف الخلفي الخارجي لفخري صالح، منذ تلك اللحظة اختمرت لدي فكرة تناول الارتباط العضوي بين مظاهر الطبيعة والإنسان.. وخصوصاً بين الريح والمطر، والسلالة والعنوان المَحَطّ.. فكانت قراءة أشعار الديوان منطلقا لذلك.. وقد آثرت الانحياز لقصيدة الديوان الأم “سلالتي الريح عنواني المطر” فاتخذتها مبتدأ الدراسة في فهم نسق أشعار الديوان والشاعر، وهي التي صرّح بانبعاثها أفقاً شعرياً وحياتياً جديداً.. له تحولاته التي ستتوالى..    سلالتي الريح،،،.. أيقصد الهواء … لعله قصد النسيم… فالريح سرعة الحركة والانتقال وتغير الملامح وفقدان الأشياء ماهيتها والناس هوياتهم.. ففي العنوان إنكار متطرف للأنا الفرد والأنا الجماعة، وانحياز غالي الثمن للفكرة الكونية الإنسانية..  وفي عنواني المطر تضاد عنيد وعجيب، فالمطر هو ما يمحو العناوين وينكرها.. فسمته الحركة والتنقل مع كل ما يلقاه. الريح والمطر في مبتداهما من مكونات الكون الأولى والأساسية.. فمن خلال عنوان الكتاب – وعى الشاعر ذلك أم لا – اقتراب من إنسانيته وفطرته أكثر من تخيره أي عنوان آخر بعدما تُجَرًّده من سطوة الجغرافيا واللغة واللون، وحتى القوانين الوضعية… واقترب من صوفية عالية يتزلف من خلالها إلى الله.. فهو لم ينشد لطقسيته شكلا ولا محددات حركية.. فموسى الإنسان هو غير موسى المتسلسل ريحاً والمتعنون مطراً.. ولعله شهقة الطين التي تُستَكْمَلُ فيها مكونات الكون الأساسية: الماء والهواء والطين .

*ناقد وأستاذ جامعي .

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق