ثقافة السرد

الجزء 23 من رواية المأساة الفلسطينية (حرمتان ومحرم)

للروائي صبحي فحماوي

 سيوف يعلوها الصدأ!

يقف أبو مهيوب بسيارته منتظراً خروج ماجدة وتغريد من المدرسة، فيتعرف إليهما من بين الغمامات السوداء المتحركة بحقيبتيهما الزرقاوين اللتين اشترتاهما من السوق خصيصاً لتكونا إشارة زرقاء بيد كل منهما. تركبان فيوصلهما إلى المنزل، ثم يقفل عائداً إلى عمله .
وفي المنزل تفضفضان عن نفسيهما، فتخلع المعلمتان عباءتيهما السوداوين، وتستبدلان ملابسهما الرسمية، بينما تقول ماجدة بصوت عال:” خبر مدهش!” تستملح تغريد أخبار ماجدة المدهشة، فتسألها بفضول: ” ماذا في جعبتك اليوم أيتها الدبة الشقية؟”
تُستثار ماجدة، وتقول لها:
“أنا دبّة يا قرن الخروب؟ طيب! والله لن أقول لك ماذا سيحصل. أنا زعلانة،هه!” تضم ملايتها وتقذفها على الأرض تعبيراً عن غضبها!
تشعر تغريد بالحاجة إلى معلومات ماجدة، خاصة في بلد ليس فيه معلومات، (ولا من شاف، ولا من درى)، فتغيِّر نغمة حديثها، وترفع الملاية المقذوفة في الزاوية قائلة: “لا، لا تزعلي، أنا آسفة! ماذا سيحصل يا قالب الشوكولاتة؟ يا أحلى من العسل! يا غزالة الوادي! خلص هلكت وأنا أتغزل بك! أخبريني ماذا سيحصل؟”
تسترد ماجدة ثأرها، فتدلي بتصريحها قائلة:” ستزورنا أم شيخة؛ زوجة صاحب العمارة، صباح غد الجمعة.”
“هذا هو الخبر المدهش الذي تتمنعين عن إبلاغي به ؟ وماذا تريد أم شيخة من هذه الزيارة ؟”
” طبعاً هي قادمة للحديث عن ابنتها شيخة، التلميذة عندي في الصف، وللتعرف إلينا. قالت إنها ستزورنا في طلب، والله أعلم بطلبها!”
” كنت أتوقع من خبرك المدهش، أنك قد رُقِّيت إلى مديرة مدرسة، أو أنهم زادوا رواتبنا، لنصير متساوين مع زميلاتنا المعلمات، بنات بلدهم!”
” يا ستي نحن أيضاً محتاجتان لمن يتحدث معنا، ونرغب بالتبادل الثقافي مع نساء الواحة، وكفانا ترديد محتويات الكتب للطالبات. إنها فرصة للتعرف إلى أم شيخة، وعلى حياتها الأسرية، وللولوج في شؤونها وشجونها، فنفتح باباً جديداً من المعرفة، ونتسلى مع المرأة! “
وبالفعل تصل أم شيخة في الوقت المحدد، فتستقبلها الصبيتان داخل الباب، وهات يا قبلات وهات يا مجاملات. تجلس النساء الثلاث يتحدثن في أشياء كثيرة، وتسأل المرأة :
“ها! إن شاء الله مرتاحتان في السكن؟”
“الحمد لله”.. قالت ماجدة.
” وكيف شيخة عندكم في المدرسة ؟”
“شيخة ممتازة، ومثابرة على دروسها. كنا نتمنى رؤيتها معك.”
“هي تسلم عليك.”
” كيف أتيت إلينا؟ هل أوصلك زوجك ؟”
“لا. أوصلني سائقي الفلبيني وذهب، وسوف يعود بعد ساعة.”
“زيارتك ساعة فقط؟ ولم العجلة؟ قولي لنا كيف تقضين وقتك؟”
” مثل كل نساء الواحة؛ متابعة الأولاد، وطبيخ ونفيخ وترتيب بيت ومكياج وتجميل وزيارات وتسوق ومتاعب الخادمات ومشاكل السواق، كل يوم يغيب، وعندما يحضر يقول لي: تصليح السيارة، غسيل السيارة، بنشر السيارة، رخصة السيارة، غيار زيت السيارة، والله هذا السائق الفلبيني يغلِّبني، وغير منضبط في مواعيده. صار لـه عندنا سنة، جلبه أبو مرس من الفلبين.. كان هناك في تجارة، فأحضر معه خمسة منهم، سائق له، وسائق لي، وثلاثة لشركائه. “
يصير الحديث ذا شجون، فتقوم السيدة بخلع عباءتها، وإقصاء أغلفتها السوداء، فتبدي جسماً ممتلئاً، يبرز مفاتنه ثوب زهري شفاف قصير ينحسر فوق فخذين مدملجين سمراوين كالقمح المنقى، ويبرز ذراعين عاريين حتى ما تحت إبطين منتوفي الشعر، ملفوفين امتلاء نضراً، تتوج وجهها غُرّةٌ شعر أسود، وتنسدل من وجنتيها كشلال أسود فاحم حتى أليتها القاعدة بإستدارة القوارير على المقعد المتواضع أمام جمال المرأة الفائر، فتقول لها تغريد:
“الله، الله! ما هذا الجمال الساحر!”
” شكراً، شكراً، أخجلتيني يا آنسة.”
” اسمي تغريد يا سيدة..”


” وأنا اسمي جواهر. وزوجي أبو مرس” تبسمت وهي تقول: ” ومرس هو ابن الزوجة الثانية، فبعد أن طلّق زوجته الأولى، وهجر الثانية، تزوجني، فولدتُ لـه شيخة ثم محيسن.” فتقول ماجدة ساخرة:
” وهل الرابعة على الطريق يا أم محيسن؟” فتنكمش ابتسامة جواهر، ثم تجيب:” فال الله، ولا فالك! لقد عرفت كيف ألجم اندفاعات زوجي منذ يومي الأول، وتصرفت مثل شهرزاد.. هذا من جهة، ومن جهة أخرى، قلت له: أنت حر، تصرّف كما تشاء، وسافر كما تشاء، واعشق من النساء ما تشاء، وأما أنا، فلن أهتم بشيء سوى بيتي وأولادي، ورعايتك عندي هي أهم شيء.” فتدلي تغريد برأيها:
” والله يا أم محيسن هذا عين العقل، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال:” إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت” ولذلك لا داعي للتجسس على الزوج، ولا على الزوجة، فالذي يريد أن يفعل شيئاً من هذا القبيل، يفعله ولو كان في برج مُشيّد! ولكن ماذا تعمل شركتكم؟”
” استيراد كل شيء، نحن نستورد من أمريكا الملح، ومن الهند أعلاف الدواجن، ومن إيطاليا المفروشات والأحذية والمضخات، ومن الصين نستورد الأدوات المنزلية، والخادمات من سيريلانكا، وكل ما نريده، نستورده.”
“كل شيء مستورد؟ ألا تصدرون ما يتعادل مع الاستيراد؟ “
” الله يخلي لنا الدولة، فهي تصدر لنا البترول، وأما التجار فهم يصدرون أشياء كثيرة.” فتسألها ماجدة:” ألا يوجد لديكم صناعة آليات أو سيارات أو كمبيوترات أو مجوهرات.” وتضيف تغريد بلؤم: “قرأت أنهم كانوا قد باعوا شركة فولفو بحوالي سبعة مليارات دولار، كنت أتمنى لو أن ولاية الرمال العربية قد اشترتها، فتقفز ولايتكم لتصير من ولايات الصناعات العملاقة، بسبعة مليارات دولار فقط!”
“هم يعرفون مصلحتهم أكثر منا هداك الله !”فتضيف ماجدة قائلة: ” قرأت في الجريدة أن الولاية اشترت صفقة صواريخ عسكرية، بعشرين مليارا دولار قبل شهر، فأين ستطلق هذه الصواريخ؟ أإلى البحر؟ مؤكد إنها ستصدأ قبل أن تتحرك من مكانها، أليس من الأفضل شراء شركة مثل فولفو العملاقة بهذا المبلغ، وإدخال الوطن العربي في عالم الصناعة الحقة؟ لماذا لا نستطيع صناعة حتى إبرة خياطة أو مضخة مائية صغيرة تدفع الماء إلى سطح العمارة، مثل المضخات الإيطالية والصينية المعتبرة بدل شراهتنا في الاستيراد والاستهلاك؟ وما الذي يمنع صناعة هذه الصواريخ المستوردة في بلادنا، بلاد مليارات المليارات؟ ولماذا دخلت كل الدول المحيطة بنا؛ النادي النووي، ونحن لا نزال نذود عن حوضنا بسيوف يعلوها الصدأ؟”
” هذا كلام لست على قدره يا أستاذة ماجدة يا حبيبتي.. خلينا في حالنا، وفرجيني على عطوركن انتن نساء بلاد الشام. أنت لم تقرئي أبا محجن الثقفي الذي قال للمرأة التي عيّرته بعودته من المعركة صباحاً، وما تزال رحاها دائرة:
إن الكرام على الجياد مبيتهم فدعي الرماح لأهلها وتعطّري. وأنت يا ماجدة دعي الرماح والصواريخ لأهلها، وتعطري لرجلك وحبيب قلبك، ولا تفكري بهذه ال..” فتستمر ماجدة باندفاعها غير الخجول قائلة: “هذا عندما يكون لدينا كرام مثل أبو محجن وسعد وعمر، ولكن نحن ينطبق علينا قول القائل:
لم يبق غير “المُتردِّية والنطيحة وما أكل السبع”! فلمن سنتعطر بربِّك يا أم شيخة؟ نحن في فلسطين نتعطر بعطر الأموات، ونرقص ونغني ونحتفل في الجنازات، ولا من يلتفت إلينا؟” تنهرها تغريد قائلة:
” كفى نَكداً وركوب رأس يا ماجدة! أنت مثل باقي أخواتك الفلسطينيات، لا تفهمين إلا في صواريخ القسام والأباتشي وصواريخ لاو! هذا جنون والله، يبدو أن جواهر شاعرة وكَيِّيفة، وذات مزاج رائق! لاحظي جمال عينيها وتناسق قدها ونضوج شفتيها. تغزلي بالمرأة ودلِّعيها –خاصة وأن لك سوابق في الدلّوعات- بدل أن تواجهيها بصواريخك المنطلقة. ولكن قولي لنا يا سيدة جواهر، كيف تتصرفين في يومك، وأين تذهبن للخروج من حشر البيت والعيشة الضنكى؟”
” لا عيشة ضنكى ولا ما يحزنون يا حبيبتي، فنحن نذهب بعد كل صلاة جمعة إلى البر بسياراتنا، ونلعب هناك مع أولادنا وبناتنا، ونحضِّر الطعام، ونشوي اللحم ونتغدى، وفي الليل نعود فرحين هالكين بالشقاوة والمرح، فننام مرتاحين.”
تنتبه جواهر إلى أنها لم تبحث موضوع زيارتها مع المعلمتين، فتقول: “في الحقيقة أنا جئت زيارة محبّة، ونظراً لشدة مدح ابنتي شيخة للأستاذة ماجدة، فكرنا أنا وأبو مرس أن نطلب منكما أن تُدَرِّسا بناتنا وأولادنا دروساً خصوصية في منزلنا، ونحن مستعدون لدفع الأجور المطلوبة.”
تفاجأ المعلمتان بطلب أم محيسن، وتنظر إحداهما إلى الأخرى، فتتابع المرأة قولها:
كثير من المعلمات العربيات يعطين بناتنا وأولادنا دروساً خاصة، وكثير منهن يدخلن بيوتنا وكأنهن من أهل البيت، ولا أريد ذكر أسماء، ففي بيت أختي أم عناد تدخل معلمة شامية بيتها، ولا تتحرج في الدخول إلى مطبخهم، والمشاركة في الطبخ والجلي، وتتعلم منا صناعة المأكولات الخليجية، وتعلمنا كيف نصنع المأكولات الشامية، ولا تعود في نهاية العام الدراسي إلا ويداها مشنشلات بأساور الذهب، يهديها إياها أبو عناد، وجيوبها تعود مملوءة بالنقود! لماذا لا تعملان في الدروس الخصوصية، فتخرجان من هذا الجو الخانق، وتستمتعان بوقتكما ؟” فتجيب ماجدة:
“والله نحن نتشرف بالوقوف إلى جانبك يا أم محيسن، ولكننا ما زلنا صغيرتين في العمر، ولا نملك قرارنا، وأنت تعرفين حال المجتمع، والقيل والقال! ثم من سيرسلنا إلى بيتكم، ومن سيعيدنا، ولذلك قررنا عدم الدخول في هذا التعليم الخاص، وعدم دخول عصر الخصخصة من أصله!” فتقول جواهر وهي تعدل جلستها المسترخية:” سائقي الفلبيني أو سائق أبو مرس سيكون تحت تصرفكما!”
ترفض ماجدة دعوتها برقّة قائلة: “نحن بغنى عن الذهب والنقود الإضافية، فما زاد عن حده، انقلب إلى ضده. ونحن نتقاضى رواتبنا، مستورة والحمد لله..!” وتبرر تغريد موقفهما بقولها:
” نحن نشاهد الرجال يتجمعون على باب المدرسة، رجال يقفون (لاستلام) حريمهم..هذا ينتظر ابنته، وذاك ينتظر زوجته المعلمة في المدرسة، ليأخذها بسيارته، ولكنهم يتجمعون مثل تجمع دبابير غازية عند باب صندوق نحل، فنخاف منهم، ومن معاكساتهم لنا، نهاراً جهاراً، فكيف تريديننا أن نذهب مساءً، أو ليلاً إلى هنا أو هناك؟” وتضيف ماجدة :
“المذهل في الموضوع، أن بعض هؤلاء الرجال لا يتورع عن مغازلة الفتيات أو المعلمات الخارجات من دون ولي أمر أو محرم يحميهن من ضباع المدينة! تجدين بعضهم يفاجئك بتوجيه كلامه مباشرة إليك: يا زينك مثل الغزال الشارد!
” قلبي يحبك ويريدك!”
“الله! الله! تخرجين من باب المدرسة كزجاجة عطر فواحة!”
” مشينا!”
“شو رأيك مشوار ساعة وأرجعك لبيت أهلك سالمة غانمة؟” “ساعة بقرب الحبيب تسوى الدنيا كلها! “
“لو يقع هذا الخمار الحاجب بيننا، وأشوف بس عيونك!”
“اخرجي من محارتك أيتها اللؤلؤة الجميلة! “
تذوب الواحدة منا خجلاً وتكره نفسها أمام هذا الغزل اللزج الدبق.
تسمع جواهر هذا الكلام وهي فاغرة فاها ومندهشةً فتقول: “معقول أن يحصل كل هذا في باب المدرسة؟”
“معقول ونصف!” تجيب تغريد وهي تحضر إبريق وثلاث كؤوس شاي على صينية.”
ولماذا لا تبلغن المديرة لتتصرف معهم؟”
“أهلاً مديرة!” تجيب ماجدة وهي تقرب المنضدة باتجاه الضيفة، لتضع تغريد عليها صينية الشاي:” نبلغ المديرة، فتقول: ” هل تردن أن أضع شرطي أمن إلى جوار كل حرمة؟ سبق وأن طلبنا الشرطة، وعندما جاءوا، وشاهدوا الموقف، قال لنا الضابط:( كل من هؤلاء الرجال يأتي ليأخذ ابنته أو زوجته أو أخته، فهل تريديننا أن نتفحص هوية كل شخص، ونقارنها بهوية المطلوبة، ونكشف عن وجه المحجبة لنعرف من هي، وما هي صلة قرابتها بالرجل؟) وقال مرافقه: (هل تريديننا أن نشعل ثورة أمام المدرسة، ونتدخل في الشرف والشرع والعادات والتقاليد، فتتهمنا حرمة بأننا أسأنا التصرف، فنطرد من وظائفنا؟) ويختم الضابط بقوله: (حسناً يا أستاذة، سنعالج الموضوع، سنعالج الأمر.). يخرجون، ولا يعودون بعد ذلك.”
تجلس تغريد إلى جوار جواهر وهي تقول:” صحيح إن الشرطة يتدخلون إذا تجرأ أحدهم، وأساء التصرف مع تلميذة أو معلمة أو امرأة، ولكن الرجال الفضوليين أذكياء، فهم يكتفون بالغزل والترغيب والتدليل، وعرض الخدمة والهدايا والكلام المعسول، وهذا يغري بعض الفتيات أحياناً، ومع التكرار، تقع إحداهن فريسة، أو تجري الرياح بما يرغب فيه الطرفان.” وتضيف ماجدة وهي تصب الشاي:
“وقد يكون في الأمر حب، ثم زواج، ثم طلاق!” وتتجرأ تغريد التي تقترب بمقعدها من جواهر فتقول:
– ما أكثر الطلاق في هذا البلد! نسبة الطلاق هنا تصل إلى خمسين في المئة من حالات الزواج – حسب إحصاء نشرته الصحف مؤخراً- لا أسمع عن قصة علاقة زوجية، إلا وانتهت بالطلاق! لماذا الطلاق بهذه النسب المرتفعة عندكم؟ فتتراجع أم محيسن ساندة ظهرها إلى الوراء وتقول مُحرَجة:
– فعلاً نسبة الطلاق في مجتمعنا مرتفعة، ذلك لأن الزواج عندنا لا يتم بعد معرفة؛ فهذه البنت المحجبة يشتهيها الرجل لأنها مجهولة بالنسبة له، فيطلب الحديث معها والتعرف إليها، فتتمَنّع الفتاة، فيقبل الرجل التحدي، ويخوض المغامرة، ويطلب منها الزواج، فتقبل به فوراً، فيُدخِلها الزوج إلى بيت الطاعة، وإذ بها ليست كما كان يتخيلها؛ غزال شارد، وملاك رحيم حنون دافىء، بل مثل سائر النساء امرأة عادية، تصيب وتخطىء، وتعرف وتجهل، وتحب وتكره، وقد تكون رائحة فمها نتنة، وكان يتخيلها زجاجة عطر فواحة، فيطلِّقها.
وتفصح ماجدة بقوة عن رأيها كالمعتاد :
– النقاب هو المشكلة، فلو تظهر كل امرأة بوجهها الحقيقي أمام الملأ، ويحق لها الجلوس مع الرجل والحوار معه بكل أدب واحترام، وذلك من خلال العائلة والأقارب والمعارف والزملاء في الجامعة، أو في أماكن العمل. لو يُسمح لها التعارف في بيئة نظيفة، وليس من خلال الاتصالات والغنج بالهاتف والكلام المعسول، لتمت تفاهمات واقعية، واختار كل منهما ما يناسبه، ولانخفضت بذلك نسبة الطلاق!
تسخن الأفكار في رأس السيدة جواهر مع هاتين البنتين الفلسطينيتين “المضروبتين في عقليهما”، فتُصرِّح قائلة :
“وهناك أسباب أخرى للطلاق، فكثرة السيولة النقدية النفطية لدى بعض الجهلة بالاستثمار الاقتصادي، يجعلهم يستثمرون “بشراء الحريم” بالزواج مُدّةً محدودة، بغرض الاستمتاع بهن، ثم تطليقهن من دون سبب. تجدينهم يُصرِّحون علناً بأنهم يرغبون بتجديد الصنف، فصرنا نسمع ونشاهد ما يسمونه؛ زواج بنيّة الطلاق، وما تبعه من زواج المسيار الذي صار يُدمِّر الأسر والمجتمع، والزواج المدني، والزواج العرفي الذي يُضيِّع حقوق المرأة والأولاد، والزواج السياحي الذي يقدم المرأة كلعبة، وزواج المتعة الذي يجعل المرأة سلعة، والعلاقات الجنسية خارج إطار الزواج… كل القصة وما فيها، أن رجالاً معهم نقود، ويريدون أن يستمتعوا بها!” فتسألها تغريد وهي تصب لها كأساً آخر من إبريق الشاي:
“لماذا لا يستمتعون بجمال الطبيعة والرسم والموسيقى والنحت والشعر والأدب، وسائر الفنون والعلوم والاختراعات والأعمال، والصناعة والتجارة والدفاع عن الوطن؟” وتعلق ماجدة القادمة بطبق صغير مملوء بالفواكه، واضعه إياه على المنضدة :
” حتى خطابات ومقولات الرجال المسؤولين صارت تتضمن بالضرورة عبارات (عصر الشفافية) والاهتمام بـ (البنية التحتية)! بصراحة يا سيدة جواهر؛ بعض رجالكم يرفهون أنفسهم كثيراً بالبنية التحتية وبعصر الشفافية، ولهذا يبدأ شهر عسل، فيتبعه شهر بصل كما يقولون، ثم طلاق!”
تضحك جواهر على الشفافية والبنية التحتية، ثم تعود قسمات وجهها الممتلىء نضارة ورقة إلى الجدِّية وهي تقول :” هم يرفهون أنفسهم فيتورطون بالإنجاب، ثم يطلِّقون نساءً تجدين الكثيرات منهن هن وأطفالهن الرُضّع يعيشون بعد الطلاق على صدقات الجمعيات الخيرية. تدمير كامل لمجتمع بأسره. نحن نعاني من الكبت لدرجة قد تدفع بعض البنات أو النساء المحرومات لتعاطي المخدرات ثم إدمانها، ومن تقع في هذه المصيبة لا تجد لها معيناً، وحتى أهلها لا يتفاعلون معها، وإذا تفاعلوا فلا يستطيعون إنقاذها. وقد تكون الأم المُضَيّق عليها الخناق أيضاً لا تعرف ما هي المخدرات، وإذا عرفت فقد لا تستطيع إبلاغ زوجها بأن ابنتها مدمنة مخدرات، وإذا علم الأب فقد لا يتصرف بحكمة، وإذا تصرف فقد لا يستطيع إرسال ابنته إلى (مصحة المخدرات)، ذلك لأن إرسالها يحتاج إلى مصاريف كثيرة قد لا يملكونها. هذا من جهة، ومن جهة أخرى، سيسبب الفضيحة للبنت والعائلة، ولن تجد من يتزوجها لاحقاً، وستكون ورقتها محروقة، أو زجاجها مكسوراً، ولذلك تنزوي البنت في جحرها مكبوتة. وبعدها خذي اتصالات هاتفية، وشبق جنسي على الهاتف، وبالتالي فأية فرصة تجدها سانحة للخروج من قبو البيت، فإنها ستفعل الأعاجيب!” فتقول ماجدة وهي تقدم صحناً صغيراً من الفواكه لضيفتها:
– لماذا لا يستبدل اسم (مصحّة المخدرات) بإسم (مركز التأهيل والإرشاد) مثلاً، ليكون مركزاً إرشادياً عاماً، فتذهب إليه كل الصبايا، وكل منهن تدخل قسماً خاصاً، فهذه تستفسر عن الدورة الشهرية، وتلك تستفسر عن سرطان الثدي، وغيرها تستفسر عن هشاشة العظام، وغيرها تتعلم من مختصة في المركز كيفية ممارسة العلاقة الزوجية النموذجية، وتلك تستفسر عن أمراض الجنس الرهيبة؛ كالإيدز والهربس وكل الأمراض الفيروسية، وتلك تراجع طبيباً نفسياً، أو جلدياً، وتلك تراجع طبيباً مختصاً بالتخلص من إدمان المخدرات، أو غير ذلك، فيختفي الحرج من ذهاب امرأة إلى (مصحّة المخدرات)، ويخرجن من المركز مؤهلات لبدء حياة جديدة، خالية من الفضائح؟”
تأتي تغريد بعلبة المناديل، وتقدم ورقتين إلى الضيفة التي تقشر تفاحة، ثم تقول لجواهر: “وحسب ما قرأت، فإن الوقاية والعلاج يتمان أيضاً بالتربية المدرسية، والوعظ الأخلاقي، والديني والنفسي والفيزيائي، وأحياناً الكيميائي الدوائي، للتخلص من هذا البلاء!”
تنظر السيدة إلى ساعتها، فتقول: “أُفّ! لقد تأخر السائق، مضى الوقت سريعاً!” فتقول لها ماجدة : “خليك معنا، لقد سعدنا بقدومك، دعينا نستغل الوقت بالحديث المفيد الممتع معك، وقولي لنا: كم خادمة لديك في البيت؟ وكيف تتعاملين مع خادماتك الشرقيات؟ وهل تفهم خادماتك لغتنا؟ وهل يتقنّ طبيخكم ويتطبّعن بطباعكم؟ أم إن الأولاد والبنات يتطبعون بطباع الشرق؟” فتقول أم محيسن باسمة: “لدي ثلاث خادمات شرقيات، ولا بد من التطبع، فالخادمة تأتي إلى بلادنا لتقدم الخدمة، ولهذا فهي مطالبة بأن تسلك سلوكنا، وتتحجّب خارج المنزل بحجابنا وتضع الخمار، وتهتم بالنظافة. ولكن وللحقيقة فإن أذواقنا تأثرت بالطعام الشرقي والتوابل الهندية والمأكولات البحرية، مع أن بلادنا صحراوية، والمأكولات البحرية غريبة علينا!” فتعارضها ماجدة التي وقفت بالصينية المفرغة من الشاي لتعيدها إلى المطبخ قائلة: “المأكولات البحرية ليست غريبة على بلادكم يا أم محيسن، بلادكم محاطة بالبحار، والشاعر العربي قال في ذلك:
ملأنا البر حتى ضاق عنا وماء البحر نملؤه سفينا!
فكيف تقولين إن المأكولات البحرية غريبة عليكم؟ لو كنت أنا مسؤولة في بلدكم، لاشتريت أسطولاً ضخماً من سفن صيد السمك العملاقة، ونشرتها في عرض البحار المتلاطمة؛ من هنا وحتى المحيط المتجمد الجنوبي، حيث بحاركم مفتوحة على أكبر مدى بحري في العالم، لا حدود له، وأنا أؤكِّد أن إيراداتها السمكية والكنوز البحرية، ستزيد كثيراً عن إيرادات النفط! كنت أقرأ في كتاب ألف ليلة وليلة عن الرحلات العربية البحرية التي لا حدود لها، وفي قيعان المحيطات، فأرى فيها العجب العجاب! ولكن يبدو أن العرب لا يتعلمون من كنوز تراثهم الرائع غير الجنس!”
*****
تضيق السيدة جواهر بمزايدات ماجدة التي ذهبت بالصينية إلى المطبخ لإعداد فنجان قهوة للضيفة قبل مغادرتها حسب العادات والتقاليد، وتتضايق أيضاً من تعليقات تغريد، فتنظر إلى ساعتها مرة أخرى، وتقول: ” لقد تأخر السائق الملعون! سأتصل به، لأعرف أين هو”. تُخرج هاتفها النقال، وتتصل به.. وتنتظر الرد الذي تأتي منه عبارة (الهاتف المطلوب مغلق حالياً، يرجى الاتصال فيما بعد.) تتضايق السيدة، وتقطّب جبينها، ولا تخفي تبرُّمها بتأخره غير المبرر، بينما تقول لها تغريد:” ليته يتأخر أكثر، فنستمتع بحديثك أكثر!”
وفي الوقت الضائع في انتظار السائق، تضطر المرأة للتسلي بمتابعة الحديث مع الصبيتين، فتقعد مرة أخرى.. فتسألها تغريد: “ولكن يا أم محيسن، لماذا لا تقودين سيارتك بنفسك، وترتاحين من انتظار السائق، وبلاويه ؟” فتجيب المرأة مُحرَجة:
” أنا أتمنى ذلك، ولكن زوجي يقول لي: هذا ممنوع وحرام شرعاً، ما دمت امرأة فأنت ممنوعة شرعاً، ومحرّمٌ عليك قيادة سيارة بنفسك شرعاً!”
“وما هو سبب منع الشرع هذا ؟” تسألها تغريد ، فتقول:
“لا أدري. يقول إن رجال مذهبنا يعارضون قيادة المرأة لسيارتها!” فتقول ماجدة القادمة بصينية القهوة وعليها الغلاية والفناجين الثلاثة:
– ولكننا نعرف أن خولة بنت الأزور كانت تنطلق بين الجموع وهي تركب حصانها لتحرر أخاها ضراراً من معتقله، وكثير من النساء العربيات كن يسافرن ويذهبن إلى الحج وهن راكبات جمالاً داخل هوادجهن. أليس ركوب الحصان أو الجمل أصعب على المرأة من ركوب السيارة؟ أليست قيادة المرأة للجمل، فيها مخاطرة وتحمُّل مسؤولية أكثر من قيادتها للسيارة، مع فارق الرفاهية؟ وتضيف تغريد: “أعتقد أن استخدام سائق خاص للمرأة هو هدر للاقتصاد الوطني، فالمرأة القاعدة إلى جوار سائقها هي معطِّلة لطاقاتها وقدراتها على العمل والتفكير والتدبير، فالقيادة فن وذوق وأخلاق كما علمونا، فلماذا يحرمون المرأة من هذه المعطيات؟ فلو قادت المرأة سيارتها لوفرنا مئات الآلاف من فرص العمل للمرأة، وأدخلناها إلى سوق العمل لتخدم نفسها على الأقل، بدل استخدامها السائقين الأجانب”. وهنا تتشجع جواهر فتبُق الحصوة قائلة :
” نحن نقول لهم إن ديننا سمْح، ولا يحمل مثل هذه التعقيدات، ولكنهم يغمضون عيونهم، ويتذرعون بالدين، والدين براء من هذه الخزعبلات!” وتحرجها ماجدة بقولها:” أليس ركوب المرأة مع سائقها والانطلاق وحدهما في سيارة مغلقة منافياً للدين الذي يقول بما معناه: (ما اجتمع رجل وامرأة، إلا وكان الشيطان ثالثهما)، وها هو السائق والمرأة وحدهما في غرفة سيارة مغلقة. فكيف يسمحون بوجود السائق مع المرأة وحدهما في سيارة مغلقة ؟”وتؤيدها تغريد بقولها:” يقولون إن المخرج يمنع اجتماع ممثلَين لمشهد تلفازي؛ رجل وامرأة في غرفة مغلقة، وحسب تعليمات رجال المذهب، فإن الغرفة يجب أن يبقى بابها مفتوحاً! ” وتسخر ماجدة من ذلك المنع ضاحكة:
” أقترح أن يقود السائق الفلبيني سيارة الحرمة المصون، مع إبقاء بابيّ السيارة مفتوحين، فتفرد السيارة جناحيها طوال الطريق، كجناحي النسر المرفرفين، كي لا يأثما! ” تقول ذلك وهي تفرد ذراعيها ساخرة.. فتوبخها تغريد قائلة: “صحيح إنك صرت مسخرة !”فتعلل ماجدة وجهة نظرها قائلة: ” أليس السماح للمرأة بأن تقود سيارتها بنفسها، وتذهب وحدها إلى السوق، أو لزيارة صاحباتها أو أهلها، أفضل من مرافقة سائق لها؟ وها أنت تلاحظين أن السائق قد تأخر، فلو كانت سيارتك معك، لخرجت في الوقت المناسب، وبلا ضغوطات!” وتعارض تغريد ماجدة بقولها:” ولكن من مصلحتنا وجود سائق معك يا سيدة جواهر، ذلك لأننا كلما تأخر السائق، ازداد استمتاعنا بكل هذه الجواهر الرائعة، ويا ليت السائق يتأخر أكثر، لتبقي وتنامي عندنا، ولو أن غرفنا ليست على قدر المقام!”
– لا، أبداً.! قيمة البيت من قيمة صاحبتيه. وقيمتكما عالية، وأنا والله مستمتعة بالحديث معكما، وأشكر الله أن ابنتي شيخة تدرس على أيديكما، فتعلمانها الحياة العصرية المنفتحة التي بصراحة حُرمنا منها !
وبعد تأخير أكثر من ساعة عن الموعد المحدد، يرنّ جرس الباب، فتطل ماجدة، فتشاهد السائق شاباً أسمر، حنطي اللون، متوسط الطول، ممتليء الجسد، أسود الشعر الكثيف، في العشرينات من العمر، وسيم الشكل، شرقي العينين السوداوين، خفيف الحركة، متأهباً لمساعدة السيدة، فتعود لتقول: “ها هو قد وصل!”
تودع أم محيسن مضيفتيها بالقبلات، وتخرج وهي متوترة الأعصاب لتأخر السائق عليها، فتبادره بغضبها:
“أين كنت كل هذه المدة؟” وقبل أن يجيبها، ترفع ذراعها إلى أعلى، وتصفعه بكفها على وجهه، فينظر الشاب بانذهال إلى الصبيتين الواقفتين في وداع جواهر، ويشعر أن كرامته قد أهينت، وأنه مضطر للرد، لحفظ كرامته، وماء وجهه، فيقول بلهجته المكسّرة للسيدة التي ما تزال واقفة، تنتظر منه أن يفتح لها باب السيارة، بينما ذراعاه تتحركان بنزق في كل الاتجاهات:
(إنت ليش أضرب! أنا ما أسمح لك أضرب! أنا مش أنضرب، طيب والله إنت عارف شو بعمل أنا… أنا والله الليلة ما في دُق دُق! بتشوف!) تُحرَج المرأة وتصمت وتتراجع، ثم تفتح بيدها باب سيارتها، وتجلس صامتة مصدومة بما يتفوه به الفلبيني، وتنطلق السيارة بهما.
تغلق الصبيتان باب شقتهما، وهما مندهشتان بما شاهدتاه وسمعتاه. وتسأل ماجدة صديقتها تغريد :” ما معنى كلمة دق دق يا بنت ؟” فتجيب تغريد مصعوقة بالرد: “لست أدري يا ماجدة!” ولا تعودان إلى الحديث في هذا الموضوع، وتنقطع زيارة السيدة جواهر بعد ذلك اليوم !

10

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق