ثقافة المقال

بيو باروخا الطبيب الذي استقال ليدير مخبزا

عبدالناجي آيت الحاج

ولد الروائي الباسكي بيو باروخا في شارع أوكيندو بسان سيباستيان في 28 ديسمبر 1872 وهو نجل سيرافين باروخا ، مهندس التعدين ورجل الثقافة الذي شارك في الحياة الأدبية ، ونشر كتبا في النثر و الشعر وعمل كمؤرخ للحرب في الصحف الليبرالية. كانت والدته كارمن نيسي وجوني ، من أصل إيطالي ، لديها ثلاثة أطفال آخرين: داريو ، توفي في عام 1894 ، ريكاردو ، رسام وكاتب ، وكارمن ، كاتبة وامرأة ذات حساسية كبيرة ،
في عام 1879 انتقلت عائلة بيو باروخا إلى مدريد ، وفي عام 1881 إلى بامبلونا ، المدينة التي سيقيمون فيها لمدة خمس سنوات، والتي تمثل فترة مهمة في تشكيل الكاتب المراهق. حيث وُلدت أخته كارمن. في عام 1886 سيعودون مرة أخرى إلي مدريد، وبها سينهي بيو باروخا المرحلة الثانوية، وفي العام التالي ، بدأ في دراسة الطب بالجامعة المركزية.
عندما انتقلت عائلته إلى فالنسيا، أنهى شهادته في جامعتها عام 1891 ، على الرغم من أنه حصل على درجة الدكتوراه في مدريد عام 1894 ، مع أطروحة عن الألم: دراسة نفسية. في تلك السنة نفسها حصل على منصب طبيب في سيسستونا ، وهي البلدة التي عاش فيها بالكاد مدة أربعة عشر شهرا، ولكن هذه المرحلة ستكون حاسمة في حياته ككاتب. إذ من هذه التجربة ولدت كتابه الأول “حيوات قاتمة”.
بعد تجربته كطبيب، عاد إلى مدريد في عام 1896 لإدارة مخبز عمته خوانا نيسي برفقة أخيه ريكاردو. في ذلك الوقت استمر في الكتابة، وفي إحدى روايته سنة (1901) وضع هذا التعليق على لسان بطل الرواية: “… إنهم أشخاص فضوليين تمامًا: واحد رسام، والآخر طبيب، ولديهم هذا المخبز الذي يشتغل بقدرة لله، لأن أياً منهما لا يعتني بالمنزل ، الرسام لا يرسم ، ويقضي حياته في ابتكار آلات مع صديق له؛ الطبيب في بعض الأحيان يقترب من الوصول إلى سوء التغذية ثم يذهب إلى العلية ويغلق على نفسه هناك ليكون وحيدًا “.
في ذلك الوقت، قرر أن يكرس نفسه بالكامل للأدب وبدأ في التعاون مع الصحف والمجلات المختلفة في مدريد، ثم سافر إلى باريس في عام 1899 ، حيث عاشر الأخوين ماتشادو ، والتقي بأوسكار وايلد وريكلوس. في عام 1900 ، بعد نشر “حيوات قاتمة” ، التقى أزورين ، الذي ستجمعه به صداقة مدى الحياة. وسافر عبر مدن وبلدات إسبانية مختلفة ، إلى جانب آخرين، وفي عام 1902، تم تنظيم تكريم له في مدريد، حضره جالدوس و مايتزو و فالي أنكلان و أزورين و ماريانو دي كافيا، وهي علامة على اعتراف كتاب عصره بالقيمة المتزايدة لأعماله في الحياة الثقافية. في عام 1903 سافر إلى طنجة كمراسل حربي لصحيفة “إل غلوبو”.
يقول عن نفسه: “هذه المجموعة من الخصائص الغريزية: الاضطراب، الطموح الأخلاقي، الديناميكية، الرغبة في امتلاك الأشياء والأفكار، حماسة العمل، الكراهية للخمول والحماس للمستقبل تشكل أساس مزاجي الأدبي، إذا كان يمكن أن يسمى هذا مزاجا أدبيا والذي سيكون أكثر إثارة من أي شيء آخر “.
عندما ذهب في 15 ديسمبر 1935 إلى المتحف البلدي (اليوم سان تيلمو) ، لافتتاح التمثال النصفي الذي صنعه النحات فيكتوريو ماتشو للكنيسة الجماعية ، قال هذه الكلمات: “إذا تم محو ذاكرتي واستمر التمثال في مكانه، سأكون راضيا، إذا كان ذلك ممكنًا، أن الناس الذين سيتأملونه في المستقبل سيعرفون أن الشخص الذي عمل كنموذج لهذا التمثال كان رجلًا لديه حماس للحقيقة وكراهية للنفاق والأكاذيب، على الرغم من أنهم قالوا العكس في حياته، إلا أنه كان باسكيا يحب بلاده كثيراً “.
في السنة نفسها توفيت والدته، ودخل الأكاديمية الملكية لللغات بخطاب “التكوين النفسي للكاتب” . في عام 1936 ، يغادر المنزل بحثا عن الأخبار فيقع في أيدي “الكاارليستاس” الذين كانوا على وشك إطلاق النار عليه لولا تدخل رجل عسكري، العقيد دون كارلوس مارتينيز الذي تمكن من إنقاده و لغرابة الصدف أن هذا العسكري حضر جنازة الكاتب سنة 1956
لأنه مثقف محايد و مستقل أي ناقد للأوضاع بفكر متحرر فإنه كان متهما من قبل الجميع “الكاارليستاس” أتباع كارلوس ماريا إيسيدرو ،” الفرانكويين” أاتباع فرانكو ، الحمر؛ القوميين والملكيين. جميعهم يتهمون و يدينونه. يشرح هو نفسه هذا بقوله “لقد كنت دائمًا ليبراليًا متشددًا ، فرديًا وفوضويًا. أولاً ، عدو الكنيسة ؛ فيما بعد ، عدو الدولة ؛ في حين أن هاتين القوتين العظيمتين في صراع، مؤيد للدولة ضد الكنيسة، وفي اليوم الذي تسود فيه الدولة أكون عدو الدولة “.
بعد أيام قليلة تمكن من الهرب سيرا على الأقدام، عبر الجبال، إلى فرنسا. استقر لبعض الوقت في سان جان دي لوز ثم انتقل إلى باريس. ليتم قبوله كمقيم في كلية أسبانيا بالمدينة الجامعية. ولتلبية احتياجاته القليلة، عمل على كتابة مقالات في صحف من أمريكا اللاتينية.
يضع التاريخ الأدبي باروخا في قائمة الكتاب والمثقفين ل “جيل 98” ، إلى جانب صديقه أزورين ، واثنين آخرين من الباسك: راميرو دي مايزتو و ميغيل دي أونامونو. لكنه نظرا لاستقلاليته وحرية حكمه، لم يشعر بالراحة داخل أي تصنيف. لكن لابد من ذكر أنه كان أحد الثلاثة الذين حرروا ما اصطلح عليه : مانفيستو 98 قبل أن ينضم إليه آخرون. لقد ترك العديد من الكتب القيمة ترجم منها إلى العربية حسب علمنا روايته “طريق الكمال” و هي من ضمن أدب الرحلات على يد الأستاذة ثريا سعد الدين شلبى وكذا مجموعته االقصصية “حيوات قاتمة”. لكن تحت عنوان “سيدة أورتوبي وقصص أخرى” ضمن (سلسلة إبداعات عالمية) على يد الأستاذ جمال يوسف زكي .
وقد توفي الأديب الإسباني الكبير في مدريد في 30 أكتوبر 1956.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق