ثقافة السرد

علي البحار

ازرار محمد

على إيقاعات تلك الأغنية العازفة على أوتار المأساة، الموغلة حتى فرائس الأعماق، المنبجسة في عروق المعاناة تمارس عليها الوصاية، الكاشفة لأحد شروخ الحياة التي تشبه جرح صيف صعب أن يندمل، كان “علي العدالي” يعد الأيام عدا في دهاليز “الدوار” يداري رتابتها ودأبها، يلتقط كعادته كل ليلة تلك الإذاعة المفضلة لديه بعد أن ينام والده المنهك فيسحب المذياع من جوار أذنيه، كان علي طفلا نزقا كأذنابه من أطفال الدوار، ذو عينين حادتين تخترقان البعد في جوف الظلام، شعره كثيف يهب له من العناية الشيء الكثير، فيحلق الجانبين ويعفو عن الأعلى والخلف، كان ينتحل من ورائها صفة ألفريدو عاشق كوادالوبي الولهان، ذلك الحب الذي أسال دموع المحبين خلف شاشات التلفاز وهم يطلقون العنان لأحلامهم الهلامية لتسبح في بحر الخيال ريثما تصطدم في جدار الواقع فيصمها صما، كانت بينهم “مليكة” بنت علي الجزار، تلك التي تقاسمت قلب علي مع الله وألعاب الطفولة، كما تقاسمت معه مداعبة حروف الهجاء على كراس خشبية بتلك المدرسة المهترئة، والواقع أنها كانت تقرأ حروفه قبل حروف الهجاء.
كان علي يملأ أيام مليكة أزيزا بالحديث عن البحر وما يسكن وراءه، حلم المغامرة الذي راوده منذ صغره، فكان عادة يخاطبها:
– مليكة، سأصير يوما بحارا عظيما، وسأشم رائحة سمك “الحبار” على مهل، وسأسافر في سواحل الليل، سأغلق عيني يوما بالداخلة وسأفتحهما في مدريد وسأعود لأطلب يدك من والدك .
– تجيبه في استحياء: ومن سيقتنع بهذا الكلام ؟
تسترسل في تهكم:
– علي ابن الدوار سيفتح صدفات صدره النحيل المنخور بتبغ “كازا” الرديء في سماء مدريد ؟ اذهب فإني أخالك تحلم نهارا بدل الليل قبل أن يرانا أبي فيأتي ليوقظك من أحلامك رغما عنها.
أجابها إجابة الواثق من نفسه:
سنرى..

ذات يوم وبينما كان علي يراقب مروحة أيامه تدور في الفراغ، حل بالدوار أحد الزوار، أتى ليصل حبل الرحم المقطوع مع عائلته منذ زمن، كان عقرب الأيام يشير إلى شهر ماي حيث ألسنة الأيام الحارة بدأت تمتد إلى صفحات الربيع المزهرة، بعد أيام قليلة فقط اخترق علي كعادته البعد بينه وبين الغريب ذاك، تعرف عليه بمعية صديقه الحسين، وبما أن حديث البحر لا يفارق شفتيهما الاثنين، فقد كانا يطلقان العنان لأحلامهما فوق بناية مهجورة كانا يتخذان منها مستودعا لأسرارهما وغنائم سطوهما ومصادراتهما تحت أنغام المذياع، بحضرة الزائر الذي ينحدر من مدينة أكادير، يدعى يوسف البكاري، طالما كانت وجهته كل صيف مدينة الداخلة، حيث كان يعمل هناك في أحد معامل السردين، وهو يسرد بعضا من سيرته كان علي ينصت إليه بذهول وإعجاب، كيف لا وقد لامس خصلات الحلم المتدفق داخله.
مرت الأيام سريعة بين الرفاق الثلاثة حتى حل يوم المغادرة، ذلك اليوم الذي سيخرج فيه علي وصديقه الحسين من كنف الدوار ليستكشف معالم عالم البحر المعقدة طامحا في أن يفك أسرارها ويركب أمواجها نحو جزر المجد مرورا بجزر الكناري، لم يكن الحسين يعلم بنوايا علي بالهجرة إذ لم يكن يثيرها أمامه خوفا من افتضاحه عند أهله فكان يكتمها في نفسه.
جاء يوم المغادرة، فجمع الصديقين أغراضهما، وودعا أهلهما على عجل، حيث سيارة “الترانزيت” البيضاء تنتظرهما عند مجمع الدوار، التحقا بها ليمتطيا صهوتها نحو الجنوب، وبينما كانت السيارة تهم بالإقلاع أطلت نظرات مليكة من خلف حائط منزل “الحاج مبارك” ترمق ذاك الذي سرق قلبها وأبى اليوم إلا أن يكسره، غمرته امواج من الحزن والأسى وهو يرى الدموع تنهمر من مقلتيها، كان الحسين يمرر يده على كتف صديقه يربت عليها، يواسيه من ألم الفراق ويشير لمليكة بيده أن يوما سيتجدد اللقاء، أقلعت السيارة فغاب علي كالشمس خلف جبال البعد كما اختفى حبهما بين تلال الفراق.

حل الصديقين بالداخلة صباحا بعد يومين شاقين من المسير، استراحا ذلك اليوم على أن يشرعا في عملهما في اليوم الموالي، لقد وفى يوسف البكاري بوعده الذي قطعه لعلي والحسين، فتحقق أخيرا حلم علي وكان له ما أراد.
مرت الأيام تباعا وعيون علي لا تفارق البحر، غالبا ما يجده صديقه الحسين مبحلقا في الأمواج، أكان يناجيها ؟ أم همه يشكوها ؟ أم أنه يحكي حبه المنفي ذاك ؟
بعد سنتين من العمل المتواصل، وفي صباح أحد أيام يونيو سحب علي القارب إلى المياه، شغل المحرك ليسافر في سواحل المجهول وهو يردد كلمات تلك الأغنية التي كان يسمر معها حتى الهزيع المتأخر من الليل:
والبحارة صيادين الحوت فالبحر
والبحارة خايف عليكم مواج البحر
والبحارة رجل فالدنيا ورجل فالقبر…
كان الحسين ينتظر عودة صديقه ككل مساء لكن هذه المرة لم يكن الأمر كذاك فكانت تلك آخر كلماته قبل أن يختفي في متاهة البحر الموحشة وهو يلوح بيده يودع صديقه الحسين، لقد قطع علي البحار تذكرة الغياب بلا عودة تاركا للقدر قلما وورقة بيضاء ليكتب تاريخا للقاء محتمل، لقد راح ماجلان الدوار ولكن ما ذنب مليكة ؟…

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق