ثقافة المقال

عن الأدوار المتغيرة بين النقد والإبداع‮:‬ فصاحة البوكر

كتب: عقيل عبد الحسين

الجدل بين النص والنقد،‮ ‬وبين الكاتب والناقد قائم منذ القدم‮. ‬فالناقد‮ ‬يظن أن علي قبته معقود‮  ‬لواء الحكم علي الكتابة وتقويمها وتمييز الجيد والردئ والحفاظ علي سلامة الأدب وقوانينه ومنع أيدي اللعب به أو محاولات الثورة علي دولته‮. ‬والكاتب‮ ‬يعتقد أنه مالك بيده سرّ‮ ‬الإبداع وتجدد اللغة وكيفيات تطوير القرّاء ثقافة وذوقاً‮.‬وأقدم الإشارات في تراثنا العربي إلي قوة النقد وأثره ترجع إلي النابغة الذبياني‮ (‬605م‮) ‬الذي كانت تُقام له قبة في سوق عكاظ،‮ ‬فيعرض عليه الشعراء شعرهم،‮ ‬فيحكم علي نصوصهم ويبين مواضع الخلل فيها‮. ‬فالنقد عند العرب هو تبيين مواضع الخلل ليس‮ ‬غير‮. ‬جاءت بعد ذلك إشارات قدحية موجهة إلي ناقد هو ابن أبي اسحق‮ (‬117هـ‮) ‬تظهره الأخبار النقدية أقرب إلي الأحمق المشغول بشاعر بعينه هو الفرزدق‮ (‬110هـ‮) ‬يحصي عليه أخطاءه النحوية،‮ ‬فيقول له‮: ‬علامَ‮ ‬نصبت هذه الكلمة‮ (‬وهي مرفوعة‮)‬،‮ ‬فيجيبه الفرزدق‮: ‬علي ما‮ ‬يسوؤك وينوؤك‮. ‬
وما عدا ذلك كان النقاد أقرب إلي الشرّاح،‮ ‬كما هو الشأن مع المرزوقي‮ (‬421هـ‮) ‬الذي شرح كتاب الحماسة المشهور لأبي تمام‮ (‬231هـ‮). ‬أو إلي المثقفين الكبار كالجاحظ‮ (‬255هـ‮) ‬الذي كانت آراؤه تأتي في سياق قدرته علي جمع الأشعار والأخبار والخطب في مؤَلف‮ ‬يدور حول موضوع واحد كالبيان والتبيين الذي‮ ‬يدور حول البلاغة وأقوال البلغاء،‮ ‬أو كالحيوان الذي‮ ‬يدور حول معرفة العرب العلمية والعملية في مجال الحيوان،‮ ‬وهي تظهر من خلال الجاحظ معرفة شعرية وقديمة في الوقت ذاته ليتضح أن العرب لا‮ ‬يختلفون عن اليونان أو الأمم الأخري في علومهم،‮ ‬في سياق تصارع حضاري محموم في وقت الجاحظ،‮ ‬عُرف بمزاعم الشعوبية،‮ ‬كان العرب‮ ‬يبدون فيه أضعف‮. ‬
وعموماً‮ ‬يبدو أن مبعث سلطة النقد هو الشاعر لا الناقد الذي ظل‮ ‬يدور في إطار الشاعر القوي الذي‮ ‬يَثْبُت نصه ويصير مقياساً‮ ‬للحكم علي النصوص الأخري كابي تمام أو كالبحتري‮ (‬284هـ‮) ‬أو كالمتنبي‮ (‬354هـ‮). ‬وقبل ذلك كله،‮ ‬كامرئ القيس‮ (‬540م‮) ‬الذي‮ ‬يُمدح بأنه أول من سلك مسالك الشعر فاهتدي به من أتي بعده من الشعراء والنقاد بالضرورة‮. ‬
وهناك أخبار في تراثنا تؤكد علي هذه النقطة،‮ ‬فحين‮ ‬يُسأل البحتري عن مسلم بن الوليد‮ (‬208‮) ‬وأبي نواس‮ (‬198هـ‮) ‬فيقدم أبا نواس،‮ ‬ويُقال له‮: ‬ولكن ثعلب‮ (‬200هـ‮)(‬وهو‮ ‬غير شاعر‮) ‬يري أن مسلماً‮ ‬أفضل‮. ‬يقول‮ (‬البحتري‮): ‬ليس هذا من علم ثعلب وأضرابه،‮ ‬وإنما‮ ‬يعلم الشعر من دُفع إلي مضايقه‮. ‬
وفي مقابل ذلك وردت واقعة بطلها أبو نواس الذي كان ماراً‮ ‬ذات‮ ‬يوم فسمع شيخاً‮ ‬في حلقة‮ ‬يشرح بيته الشهير حول الخمر وفيه‮ (‬وقل لي هي الخمر‮) ‬فيقول‮: ‬بدأ الشاعر بشمها،‮ ‬ثم بمرآها،‮ ‬وبذوقها،‮ ‬وبمسها،‮ ‬ثم لم‮ ‬يكتف من ذلك إلا بأن أراد أن‮ ‬يسمع باسمها حتي تكتمل لذته بأن تشترك فيها حواسه جميعاً‮. ‬فيقفز إليه‮ (‬أبو نواس‮) ‬فيقبل رأسه ويديه وبين عينيه ويقول له‮: ‬أنت والله أبصر مني بشعري‮. ‬فالشاعر هو من‮ ‬يبارك للناقد ويقرّ‮ ‬له بمعرفته بالشعر وليس خلاف ذلك‮.‬
ومؤخراً‮ ‬ثار سجال حول قضية الناقد والكاتب،‮ ‬يستمد روحه من هذا التفضيل التقليدي للكاتب علي الناقد،‮ ‬ومن كون الشعر والكتابة الإبداعية عامة هي السلطة النقدية في الأصل ومنها‮ ‬يستمد النقاد قوته وليس العكس‮.‬
فالبوكر الجائزة الأشهر في العصر الحديث المخصصة للرواية الحديثة تُمنح سنوياً‮ ‬لنص من بين عشرات النصوص‮. ‬ويقوم عليها نقاد متخصصون في الرواية والسرد،‮ ‬أو نقاد‮ ‬يتصفون بصفة النقد،‮ ‬وهم مجازون من جامعات عالمية في هذا العلم الذي تطور كثيراً‮ ‬عن السابق وصار مناهج واتجاهات ونظريات وكراسياً‮ ‬في الجامعات‮. ‬
وفي كل عام‮ ‬يدور نقاش‮ ‬يطال النقاد،‮ ‬ويشكك في قدراتهم علي النفاذ إلي جوهر الكتابة الروائية والقدرة علي تمييز الجيد من الروايات‮. ‬وهذا العام كان النقاش أوسع من سابقه‮. ‬فهو‮ ‬يردد التهمة التقليدية للنقد حول عجزه عن التبصر بالنصوص‮ ‬يُضاف إليها؛ الانحياز إلي موضوعات بعينها كموضوعات الحروب الطائفية والتفجيرات،‮ ‬وإلي بلدان بعينها‮ ‬ينتمي إليها النقاد‮.‬
‮ ‬ومع هذه التوسع في السجال،‮ ‬وهو ما حوّل المسالة إلي خصومة انبرت الصحف ومواقع التواصل للخوض فيها وقليلاً‮ ‬ما تفعل في القضايا الموضوعية والنقدية البحتة،‮ ‬جري استثمار القاعدة القديمة حول سلطة النقد تلك التي تقول إنها الكاتب المتخصص بالكتابة الإبداعية المدفوع إلي مسالكها ومضائقها،‮ ‬وليس الناقد المتطفل علي النص‮.‬
‮ ‬وهو ما أثارته بدرية البشر‮ (‬ولدت‮ ‬1967‮) ‬الكاتبة السعودية التي استبعدت روايتها‮ “‬غراميات شارع الأعشي‮” (‬وهي بطريقة ما تتسمي باسم شاعر قديم وربما كانت تضمر هذا النوع من الخصومة مسبقاً‮) ‬من المنافسة،‮ ‬فاتجهت في إحدي الصحف إلي التقليل من أهمية أحد أعضاء لجنة البوكر ورئيسها،‮ ‬وهو سعد البازعي السعودي‮ (‬ولد‮ ‬1953‮) ‬قائلة إنه‮ ‬غير معروف في نقد الرواية‮. ‬كما اتجهت إلي انكار معرفتها أصلاً‮ ‬بعبدالله ابراهيم‮ (‬ولد‮ ‬1957‮) ‬الناقد العراقي المعروف في مجال السرديات‮.‬
لقد لقيت تصريحات البشر أصداء واسعة،‮ ‬فكتب عنها في الصحيفة ذاتها،‮ ‬سعد البازعي مؤكداً‮ ‬علي مقدرته في مجال نقد الرواية،‮ ‬وذاكراً‮ ‬كتبه فيه،‮ ‬ومنوهاً‮ ‬بأنه قدّم قراءة لأحدي روايات الكاتبة وبحضورها مشيراً‮ ‬بطريقة ما إلي أنه كان قد حصل،‮ ‬شأنه شأن شيخ أبيات أبي نواس السابقة،‮ ‬علي مباركة الكاتبة،‮ ‬فمن أين جاء الإنكار‮! ‬
كما قال إبراهيم إنه ليس من المهم أن تعرف البشر عبد الله إبراهيم،‮ ‬ولكن من المهم أنه‮ ‬يعرف الطريقة التي تكتب بها،‮ ‬مؤكداً‮ ‬بطريقة ما علي تحوّل سلطة النقد إلي الناقد نفسه في عصرنا الحديث هذا،‮ ‬وعلي الكاتب أن‮ ‬يقبل بذلك،‮ ‬ويرفق بنفسه علي حد عبارة إبراهيم‮.‬
وقد تأثث هذا الجدل بآراء كتّاب ومتابعين انقسموا إلي رافض لكلام البشر،‮ ‬خاصة فيما‮ ‬يتعلق بإنكارها لعبد الله إبراهيم‮. ‬وبين متعاطِف مع الكاتب الذي‮ ‬يشعر بشكل ما بتجريده من سلطته الإبداعية والمعنوية،‮ ‬وخاصة أنه في أدبيات هذه الجائزة أي البوكر،‮ ‬وهذا رأيي،‮ ‬أن الكاتب لا رأي له في دخول المنافسة في الأصل،‮ ‬وإنما الأمر منوط بدور النشر‮. ‬ولذا‮ ‬يتم إدراج أسماء مهمة وذات تاريخ كإسماعيل فهد إسماعيل‮ (‬ولد‮ ‬1940‮) ‬وإبراهيم عبد المجيد‮ (‬ولد‮ ‬1946‮) ‬وواسيني الأعرج‮ (‬1954‮) ‬وعبد الخالق الركابي‮ (‬ولد عام‮ ‬1946‮). ‬ويتم استبعادهم من المنافسة‮. ‬بل ويوسمون بأنهم من الجيل الذي لم‮ ‬يعد فصيحاً،‮ ‬أو الذي‮ ‬غلبته وأسكتته الفصاحة الجديدة‮. ‬وذلك بإعلان من الناقد نفسه‮. ‬فالناقد بالتعاون مع دور النشر التي تستفيد من الجائزة لتحقيق مبيعات مُضافة،‮ ‬يتواطئون ليكون الخاسر هو الكاتب،‮ ‬حتي الرابح من الروائيين،‮ ‬علي الأقل فيما‮ ‬يتعلق بخسارته لصوته‮. ‬فالجميع بطريقة ما‮ ‬يقبلون بسلطة النقد،‮ ‬وبتغيير الأدوار التقليدية التي كان فيها الكاتب هو مصدر التشريع الكتابي ومصدر النقد‮.‬
هل كانت صيحة البشر في النهاية تألماً‮ ‬من تغيّر في الأدوار بين النقد والكتابة،‮ ‬والناقد والكاتب،‮ ‬وصعود الأول علي حساب الآخر؟ ربما ولكنه واقع جديد علي الجميع أن‮ ‬يقبل به،‮ ‬وأن‮ ‬يسلم به،‮ ‬ويفعل كما فعل الكبار من الكتاب بأن أرسلوا،‮ ‬أول ما سمعوا،‮ ‬تهانيهم إلي المرشحين الستة،‮ ‬مقرين لا بفصاحة هؤلاء،‮ ‬بل بفصاحة التنافس الجديدة،‮ ‬التي أوتارها الصوتية جوائز كالبوكر،‮ ‬وألسنتها الفصل‮: ‬النقاد‮. ‬

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق