ثقافة المقال

سيميائيات الديناصور في جامعاتنا

بقلم/ سمير عباس

تمهيد:  تمثل مفردة الديناصور في المعجم اللغوي الكائنات الحية المفترسة هائلة الحجم غالبا و التي عاشت خلال الحقب الزمنية القديمة و تعرضت للانقراض، و اليوم صارت تمثل في المخيال الجمعي فئة اجتماعية جزائرية من أساتذة الجامعات الجزائرية، هؤلاء الأساتذة الذين تمكنوا من نيل الشهادات الجامعية بأساليب مستقيمة أو ملتوية في شبابهم و تمكنوا بواسطتها من الدخول إلى جامعاتنا أساتذة، ومع حصولهم على شهادة الدكتوراه ترسخت مكانتهم في الوسط الجامعي و الاجتماعي بشكل دائم، وارتباط نعت الديناصورات بهذه الفئة من الأساتذة يعود إلى ممارساتهم السلبية القائمة على استغلال مناصبهم الوظيفية ليس لتحقيق الهدف المنشود قانونيا منها من ترقيتة للتعليم العالي و البحث العلمي، و إنما لتحقيق مصالحهم الشخصية بالبقاء في مناصبهم للأبد و نيل الامتيازات المرتبطة بها سواء أكانت مالية أم اجتماعية و العمل بمثابرة على نيل امتيازات أكثر و تكديسها لصالحهم و لصالح أقربائهم و مواليهم الذين عملوا على إلحاقهم بسلك التعليم الجامعي بطرق ملتوية لا تمت للعلم و الكفاءة بصلة و تقوم من جهة ثانية على خنق المواهب العلمية و وأدها حتى لا تزاحمهم في حيازة الحرم الجامعي، و يحاول هذا البحث إجراء مقاربة سيميائية لمفهوم الديناصورات الجامعية هذه بهدف إظهار مدى حضورها في الوعي الاجتماعي الحالي.
1) مفاهيم سيميائية:
تمثل السيميائيات بوصفها علما للعلامات حقلا دراسيا حديثا ظهر بداية القرن الماضي على يد علمين بارزين، أحدهما اللساني السويسري فرديناند دو سوسير مؤسس اللسانيات أي علم اللغة، و ثانيهما الفيلسوف الأمريكي شارل ساندرس بيرس المعروف بتأسيس الفلسفة البراغماتية.
عرفت العلامة عند دو سوسير كدال يحيل على مدلول، كما تدل كلمة شجرة على الشجرة كما نعرفها في الواقع، و علاقة الإحالة هذه بين الدال و المدلول اعتباطية، بمعنى أن لا وجود لأساس منطقي لها، و يمكننا أن ندل على الشجرة بكلمة أخرى، هكذا فالعلاقة بين الدال و المدلول تبقى ثابتة لسبب وحيد اجتماعي هو المواضعة أي الاصطلاح، بمعنى وجود اتفاق اجتماعي ضمني لدلالة الدال على المدلول. لهذا يعرف دو سوسير السيميائيات بكونها العلم الذي يدرس حياة العلامة في البيئة الاجتماعية.
بالنسبة لبيرس العلامة مكونة إضافة إلى الدال و المدلول من عنصر ثالث هو المؤول، و المؤول يعني وجهة النظر التي تفسر دلالة الدال على المدلول، و وجود العنصر الثالث يعود لكون إحالة الدال على المدلول ليست فقط اعتباطية بل هو يدرس علامات أخرى تكون إحالة الدال على المدلول فيها معللة أي لها سبب منطقي و ليست اعتباطية، و هكذا يميز بيرس في العلامات المعللة بين نوعين هما الأيقونة و القرينة، فالعلامة الأيقونية تقوم الإحالة فيها على المشابهة كما تحيل الصورة الفوتوغرافية على صاحبها، أي أن الدال يدل على ما يشبهه، و العلامة القرينية تقوم الإحالة فيها على العلية أي قانون العلة و المعلول، فالدال يحيل على علته أي سبب وجود كإحالة الدخان على النار، و يسمي بيرس العلامات التي تقوم فيها الإحالة على الاعتباطية بالرموز، من قبيل مفردات اللغة كما عرفها دو سوسير.
و أشار بيرس في سيميائياته أيضا إلى مفهوم السميوز الذي يعني توالد العلامات من بعضها أي السيرورة الدلالية، فالدال يحيل على مدلول، وهذا المدلول يمثل هو ذاته دالا يحيل على مدلول آخر، و هكذا إلى ما لا نهاية.
2) الديناصور كعلامة:
​تحيل علامة الديناصور الحقيقي على مجموعة من المدلولات، هي الضخامة و التوحش والقدم و الانتهازية، و يحاول الباحث هنا تحليل دلالات الديناصور الجامعي على هذه المفاهيم:
أ) القدم:
إن انقراض الديناصور الحقيقي خلال الحقب الجيولوجية القديمة يجعله دالا مميزا على القدم فنحن لا نرى سوى آثاره في المتاحف، و ديناصورنا الحالي بدوره ليس بعيدا عن هذه الدلالة، فهو في المقام الأول مسن و يتجاوز سن التقاعد في القانون الوظيفي، اهتماماته العلمية غالبا انتهت مع شبابه و هي أمور قديمة بشكل يرثى له، و بحكم بعده عن الاهتمامات العلمية الحالية تراه يحارب كل بحث جديد، لأسباب واهية دائما، ففي العلوم الإنسانية تراه يظهر تمجيده للتراث محاربا كل العلوم و النظريات الوافدة، و في العلوم التقنية يداري عجزه عن الفهم و المعرفة باتهام الباحثين الشباب بالتقصير و سوء الفهم، و هو في الغالب يعاني من العجز عن استخدام التقنيات المعلوماتية الجديدة حتى البسيطة منها، و هذا بغض النظر عن عدم إلمامه باللغات الأجنبية.
إن انحصار الديناصور في كل ما هو قديم يجعله مستبدا رافضا لكل جديد، فهو لا يحاول مسايرة ركب العلم في العالم بأي شكل، و بصفته الآمر الناهي في الجامعة فإن جامعاتنا تبعا لذلك صارت شبيهة بمتاحف الآثار و الطلبة فيها زوار متاحف.
ب) الضخامة:
لئن كان الديناصور الحقيقي ضخم الجثة غالبا فإن ديناصورنا ضخم من زوايا نظر أخرى، فهو يعمل دائبا على تضخيم سجله العلمي بالمشاركات الشكلية في الملتقيات الوطنية و الدولية، دون احتساب الأيام الدراسية و الندوات التي تشكل عادة في وظيفته، إضافة إلى انخراطه أو رئاسته لفرق بحث و مشاريع تأطير أو تخرج لا حصر لها، و هذه الإنجازات الشكلية هي انعكاس لشبكة علاقاته الواسعة و المتينة في الوسط الجامعي و تمثل وسيلته المثلى لإظهار أناه المتضخم أمام زملائه و طلبته و أتباعه منهما، و طبعا ينعكس سجله العلمي الضخم من جهة أخرى في امتيازات مالية مرافقة بشكل آلي، و هو لا ينسى تضخيم رصيده البنكي بمزاولة نشاطات تجارية مرتبطة بتموين الجامعة في الغالب.
هذا التضخم الوظيفي و المالي لا يشبع حاجة ديناصورنا، لهذا يلجأ إلى تضخيم أبهته و حضوره الاجتماعي عبر علاقات وساطة متشعبة مع فئات المجتمع المحترمة وظيفيا و ماليا، من خلال إسداء خدمات غير مشروعة من قبيل منح أبنائهم من الطلبة الفاشلين و غير المنضبطين الفرصة تلو الفرصة للنجاح في مسارهم الدراسي دون مقابل علمي يؤهلهم للنجاح و التفوق، و هذا دائما على حساب الطلبة الموهوبين علميا من الطبقة الاجتماعية البسيطة، و تمثل هذه الشبكة من العلاقات الاجتماعية سنده الثاني بعد سجله الوظيفي الصوري للترسخ في قلب الحرم الجامعي.
لهذا يتضخم ديناصورنا يوميا أكثر فأكثر حتى تضيق به الجامعة و لا يجد الآخرون مكانا لهم بها، بمعنى آخر يصير هو الجامعة ذاتها.
ج) الانتهازية:
كانت الديناصورات الحقيقية تعيش بمنطق الأقوى، فكان الضعيف منها يتنازل للقوي عن فريسته، ليعود بعد انتهاء القوي من تناول طعامه ليأكل ما بقي منه، و الأمر ذاته مع ديناصورات الجامعة، فهم يتشكلون وفق مجموعات متناحرة تتصارع من أجل الحصول على الامتيازات دون غيرها، و كل مجموعة تبذل الولاء لديناصور يتزعمها، وصول الديناصور الزعيم إلى منصب أرقى يضمن له ولاء أكثر و أكثر من تابعيه من الديناصورات، كما يضمن عداء من قبلهم للمجموعات الأخرى أكثر و أكثر، يتعلق الأمر عادة برئاسة الجامعة و مجالسها العلمية التي تمتلك حق منح الامتيازات من قبيل التربصات بالخارج، و كذا رئاسة المعاهد التي تقدم خدمات عديدة أقلها مراعاة برنامج التدريس الأسبوعي ، و طبعا لدى امتلاك جماعة ديناصورات لزمام الأمر تبذل ديناصورات الجماعات الأخرى لبذل ماء الوجه للحصول على أقل ما يمكن من امتيازات على الرغم من تقبل الإهانات.
تتمظهر الانتهازية بشكل آخر من خلال قانون المقايضة، حيث تبذل الديناصورات خدمات بعضها لبعض بالمقايضة، و يتعلق الأمر دائما بما يرتبط بالتدريس و التأهيل و مناقشة الرسائل الجامعية، حيث يعمل كل واحد على منح الشهادات لطلبة شريكه ضمن هذه التعاقدات التي لا تمت للعلم بصلة، و بشكل عام تمثل هذه مقاطع من شريط الحياة اليومية لهذه الديناصورات في جامعاتنا يجعل هذه الجامعات مقرات لمجموعات ديناصورات مفترسة.
د) الوحشية:
تمثل الوحشية صفة عادية في الديناصور الحقيقي المفترس، و هي عادية أيضا في ديناصورنا بلسان الحال، فوحشية ديناصورنا لا تقف عند حد تصفية حسابات شخصية مع الطلبة أو أساتذتهم على حساب هؤلاء الطلبة ، بوساطة هضم حقوقهم في التقويم بمنحهم تقويمات لا تؤهلهم لاجتياز سنة دراسية أو أكثر، خاصة و أن غالبية الطلبة الضحايا من الطبقة البسيطة التي تحاول فتح باب صغير للأمل بتعليم أبنائها في انتظار توظيفهم، إضافة إلى لجوء بعض من الديناصورات لتأخير الطلبة عن مناقشة مذكراتهم لأسباب شكلية مفتعلة، و عدم المبالاة باستعطاف هؤلاء الطلبة و استجداء الرحمة منهم، كما لا يقف حد وحشيتهم عند حد التعامل بتقويم الطلبة بحسب أهوائهم، فكثيرا ما يمنح أحد من الديناصورات تقويما مجحفا لفصل كامل من الطلبة إظهارا لمدى نفوذه في الجامعة، لا تقف وحشية الديناصورات عند هذا الحد.
تتمثل الوحشية في أبرز مظاهرها لدى هؤلاء الديناصورات في لا مبالاتهم بتطور الوطن و ازدهاره، لطالما كانت ممارساتهم السلبية سببا في تكوين سيء لكفاءات البلاد لا يمكنها من تحمل مسؤولياتها في بناء أسسها كما يجب، بل يدفعها غالبا لأن تكون سببا لعرقلة التنمية الوطنية على المستويات الاجتماعية و الاقتصادية و الثقافية، و هكذا تكون الجامعة قطبا لامتداد وحشية الحياة.
خاتمة:
حاولنا متابعة علامة الديناصور الجامعي عبر سميوز رباعي المسارات في واقع الجامعة الجزائرية اليوم، و ربما ظهر بشكل واضح أن هذه المسارات السميوزية الأربعة متعالقة بشكل كبير، بحيث أنها يخدم بعضها بعضا، كما ظهر أن العلامات الأربع التي يبتدئ بها كل سميوز تمثل أنواع العلامات الثلاثة لدى بيرس بشيء من التأويل في شمولها لكل من الديناصور الحقيقي و ديناصورنا الجامعي، بحيث تصير مؤولات لدلالة الديناصور الجامعي على الديناصور الحقيقي، فمؤولا الضخامة و الوحشية يجعلان منه علامة أيقونية تمثل عناصر التشابه بينهما، و مؤول القدم يجعل منه علامة قرينية لأنهما من جيل واحد، و مؤول الانتهازية يجعل منه علامة رمزية لأن الانتهازية من ابتكار البشرية و الكائنات الحية الأخرى تمارسها دون وعي رمزي.
29/05/2020

*طالب دكتوراه أدب عربي حديث جامعة عنابة الجزائر

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق