ثقافة السرد

أنْ تموتَ بعيداً

زهير عبد الرحمن

هي كلمات، يتداولها الكثيرون: اللعنة، المعاناة ، الألم، وربما كانت كلمة “القهر” هي الكلمة الأكثر شيوعاً والأصدق توصيفاً للحظات المعاناة المكثّفة التي تَعيشُها كإنسان، خاصة إذا كُنتَ خارج الموضوع أصلاً. أن تُعاني لدرجة فظيعة دون مبرر، ودون أن يكون هناك من يدرك حجم معاناتك، أو أن يشعرَ فيما إذا كنتَ تعاني أصلاً. ما يهم فقط هو سلوك القطيع الذي حُشِرتَ فيه حشراً، دون إرادة منك. فالجميع يترقّبْ وينتظرْ ليحكموا على القطيع ككل: هذا سلوك حسن أو هذا سلوك قبيح، وذلك دون أدنى إهتمام للأفراد مهما كانت صفاتهم.
أما الحزن، تلك الكلمة التي تجود علينا بالكآبة بقيّة العمر، فما هي إلا الموروث الحقيقي للغيمة التي شكلتها عاصفة الألم.
لم يكن قد مضى على وصولي إلى المجمع السكني للجامعة سوى ثلاثة أيام بعد عودتي من العطلة الصيفية. حيث يبدأ جميع العاملين بالتوافد في أواخر شهر أوغست استعداداً للعام الدراسي الجديد. كانت الجامعة تضمُ خليطاً كبيراً من العاملين القادمين من دول عديدة، منها شمالستان، شرقستان، غربستان، جنوبستان، وأيضاً كان هناك الكثير من القادمين من جوارستان. لن يفوتني أن أذكُر أننا كنا نعمل في بلد اسمه “صحراءستان”. كان الصيف قائظاً شديد الحرارة في تلك المنطقة الصحراوية، مما ينذر بالكثير من المعاناة المحتملة. وكنتُ قد حصلتُ بعد جهدٍ على منزل جديد، مزود بمكيفات ماتزال تعمل بكفاءة جيدة، كبديل عن منزل العام الفائت ذي المكيفات العطبة، مما اضطرني لأمضي أغلب أيام السنة الماضية في الصلاة. إذ كانت حاجتي لله شديدة.
طفولتي، ماهي إلا صورة للمعاناة والضياع، أنا القادم من شمالستان. كان والدي يعمل جندياً، وكان كثير التنقل، فقد عشت طفولتي في أكثر من ثمان أماكن مختلفة. ماذا يعني هذا؟ نعم إنه لسؤال مهم: ماذا يعني هذا؟ كنتُ أعرفُ الجوابَ وأنا اتساءلُ حينئذِ. كان الجواب ببساطة هو فقدان الهُويّة، فقدان الالتصاق بالأرض، عدم القدرة على تذكر رائحة الأرض في كل تلك الأمكنة التي عشتُ فيها. فقدتُ حاسة الشمّ، فقدتُ القدرة على “النوستالجيا”، الحنين الخاص إلى المكان.
تحوّلتْ كل الأماكن بالنسبة لي لتصبح مكان واحد: الأرض وفقط الأرض، مجرّد مساحة و مسافات، وقد اختلفتْ مشاعري تجاهها تبعاً للمناخ، وحجم المعاناة ولاشي آخر.
الناس، تلك الكائنات التي تتحرك، بمن فيهم أنا، لم أعد أعتقد بأننا أكثر من مجرد أرقام. بعضها أوّلي والبعض الآخر مركّب. أرقام تربط فيما بينها علاقات حسابية، ولكي نفهم العلاقة بين شخصين أو العلاقة بين جماعتين فيكفي أن نعرف العلاقة أو المعادلة الحسابية التي تربط بينهم.
قلتُ بأن طفولتي كانت عبارة عن صورة للمعاناة والضياع، نعم الضياع وليس الغربة. فحين أصبحتُ طالباً في الجامعة، تلك الفترة التي تتسمُ بالنضوج الذهني، وإدراك الهُويّة، وتشكل الهواجس وتلون المشاعر، كنتُ أشعرُ بأن حذائي واسعٌ دائماً على قدميّ. لايستطيع أن يلتصقَ بهما. كانت كل الكلمات التي تزخر بها الكتب وعناوين الصحف، تؤكد على الهوية والانتماء والجذور الضاربة في التاريخ، أقول: كل تلك الكلمات البراقة كانت تعبُرُ أمام عينيّ كأوراق الخريف حين تذروها الريح. لا أريدُ أن أقول بأنني في قرارة نفسي لم أكن أشعر بالخجل! بلى كنتُ كذلك بكل تأكيد، وأشعر بالقهر أيضاً، لأنني لم أكن قد وقفتُ على سبب تلك المشاعر. بل وأستطيعُ أن أؤكّد أنني كنت قد خصصتً جزءاً لابأس به من وقتي يومياً للمطالعة الثقافية. علّني أستطيعُ أن أقوي شعوري بالانتماء. أن أرتبط بماضٍ محدد. الشيء الوحيد الذي كنت متأكداً منه بقوة: هو أنه لاذنبَ لي في ذلك، وأني كنتً اُرَاكمُ في داخلي تناقضاً صارخاً من مشاعر الحزن والألم. كنتُ قد أكثرتُ من قراءاتٍ تتعلقُ بالحنين والغربة كما قرأتُ مايتعلقُ باغتراب العمال وبنية المجتمعات علّني أزدادُ التصاقاً وفهماً لمشكلتي لكن دون جدوى. لم أكن أستطيع الشعور بالغربة بل أشعر باغترابي عن الغربة، إنها حالة الضياع. أن تجد حذائك دائماً واسعٌ على قدميك. يرفضُ أن يشكّل لهم وطناً.
مساء اليوم الثالث لعودتي أسمعُ طرقاً على الباب، أفتحُ الباب، يقفُ شابٌ ماداً لي يده قائلاً: أنا الدكتور منذر جارُكَ الجديد بالسكن لقد وصلتُ مع زوجتي وابني الصغير اليوم، وقد أخبروني أنك جاري وأنك ايضاً من شمالستان. رحبّت به وسألته فيما إذا كان بحاجة للمساعدة. شكرني وغادر قائلاً أنه فقط أراد التعرّف عليّ كـ جار له.
لقاء آخر جمعني به، في اليوم الثالث حين زرته لأطمئن عليه إذ سمعتُ أنه ذهب إلى المشفى صحبة ابنه الصغير. إذ تصادفَ أنّ طفله قد ابتلع قطعة معدنية فيما كان يلعب في المنزل. وقد أكّد الأطباء بعد إجراء التصوير الشعاعي على ضرورة متابعة مسيرة القطعة لتصل إلى مكان محدد حتى يُسمح بإجراء عمل جراحي لاستخراجها.
تناهى إلى سمعي فيما بعد، أن هذه الحادثة قد قلبت الأوضاع، فقد تشائمت زوجته كثيرا وترجّته للعدول عن مباشرة العمل في هذه الجامعة والبحث عن مكان ما في جامعة أخرى. كما أنه أجرى اتصالات تلك الليلة مع أصدقاء له يعملون في جامعة أخرى في مدن الشمال. وأنهم اكّدوا له امكانية ايجاد فرصة فيما اذا سافر بسرعة. فما كان منه إلا أن أخبرَ بعض زملائه في القسم ممن قُدّر له أن يتعرفَ عليهم وبعضُ من كان يعرفه سابقاً، وسافرَ بصحبة أسرته صبيحة اليوم الرابع. إذ كانت المسافة إلى العاصمة تحتاج لقطعها قرابة اثنتي عشر ساعة بالحافلة المتوفرة ، ومن العاصمة عليهم أن يستقلّوا حافلة أخرى لتنقلهم إلى وجهتهم.
هذه الحادثة البسيطة التي نسجها القدر لطفله في الصغر، تبين لاحقاً أنها ستلقي بظلالها عليه للأبد.
في مساء اليوم السادس، بدأت ألحظُ من خلال النوافذ حركة غير مألوفة لأشخاص كُثُر ضمن المربع السكني داخل المجمع. وماهي إلاّ دقائق حتى يقرع الباب، وإذ بمجموعة من الزملاء، بينهم زميلي في القسم أحمد بصحبة هيثم وكلاهما من شمالستان، وكان معهم نزار من شرقستان بالإضافة إلى اثنين آخرين من إدارة الجامعة. كان هيثم أحد الأصدقاء القدامى لـ منذر، أما نزار فكان أحد زملائه الجدد هنا ولم يمض على تعارفهما سوى أيام.
كانت ملامحهم حين فتحتُ الباب، تشي بخبر سيء. لم أحتَجْ كثيراً للتكهن بالموضوع فسرعان ما أخبروني بوصول برقية من العاصمة تفيد بتعرض منذر لحادث سيارة وهو يعبر الشارع، وأنّه يرقد الآن في قسم العناية المشددة في مشفى العاصمة.
رحماكَ يالله، أيّ قدر هذا: كنتُ أردّد في داخلي. رحتً أنصتُ للحديث وأتابع النقاش، وقد توافدَ عدد آخر من الزملاء إثر سماعهم النبأ. فقد كانوا قد اعتادوا الاجتماع عندي عند الضرورة كوني اعيش وحيداً. بعد فترة من تبادل الحديث ومناقشة الاقتراحات كانوا قد انتهوا إلى ضرورة أن يذهب أحد ما على الأقل إلى العاصمة للإطمنان عليه وتقديم المساعدة الممكنة.
كانت الأبصار تتجهُ إلينا نحن الثلاثة: أنا و أحمد و هيثم على اعتبار أننا أبناء جلدته من شمالستان. وقد ذكرَ أكثرُ من شخص من الحاضرين انه لايجوز أن يُتركَ وحيداً. وكانوا يتناوبون على التأكيد على ضرورة سفر أحدنا على الأقل. كان مجلس حكماء أرضستان هذا، الذي تشكل عفوياً، لسانُ حال القطيع. نعم قطيع أرضستان، الذي أكّد على الهويّة والانتماء بضرورة تكاتفنا نحن الثلاثة فقط والوقوف صفاً واحداً في وجه المؤامرات التي يُحيكها القدر ضد شعوب أرضستان. كنتُ لأول مرة، أشعرُ بأن المعاناة الناتجة عن لهيب الحرارة أخف وطأة من الأتون الذي سألقى فيه إثر هذه الحادثة.
أنا لاأستطيع السفر فلدي أسرتي وأطفالي صغار، بادر هيثم بالقول مستبقاً. تلاهُ أحمد الذي أراد أن يتفادى أن يكون آخر المتكلمين قائلاً: وأنا لا أستطيع أيضاً فلدي زوجتي الحامل وطفلتي الصغيرة ولا أقدر عن الابتعاد عنهم حالياً. كما أنني بالكاد أعرفه. هنا تعرفتُ عليه. كنتُ أنا أملهم الوحيد، حينَ التفتوا جميعاً إلىّ.
عدم الشعور بالانتماء، هذا الاحساس الذي تكلمتُ عنه، كان يتركُ عندي حالة من الألم والقلق، فربما أنا مخطئ وهم مصيبون وبالتالي يجبُ أن أضغط على نفسي وأستجلب مشاعر الانتماء، استجابة إلى نداء القطيع. كانت صورة الطفل ابن الدكتور منذر، ذي الأربعة أعوام، قد قاربت مخيلتي، ورحت أتصور براءته وقد قُلبت معاناة فلا أحدَ يمكنه أن يضع حداً أو تصوراً للعذابات القادمة. كنتُ في داخلي أستجيبُ لنداء انساني حدّه الأدنى أني تعرفتُ عليه ولو لساعات محدودة. وهو الآن في محنة وبحاجة ماسة للمساعدة، فإن لم تكن هذه هي لحظة الحقيقة، فمتى ستحين؟
إنها مسافة الطريق: اثنتا عشر ساعة ذهاباً ومثلها للإياب، هي ماكانت تشكل ذروة القلق عندي. فالله وحده يعلمُ كم هي الأيام التي أمضيتها طريح الفراش بعد كل رحلة سفر طويلة.
أنا سأذهب: هكذا قلتُ، ملتفتاً إليهم جميعاً: بالرغم من معرفتي المحدودة به إلا إني لن أسامح نفسي أذا حصل له مكروه، وكان من الممكن تلافيه.
في الغد التالي، كانت رحلة كالحلم. مليئة بزقزقة عصافير الجنة. وصلتُ العاصمة، فالمشفى، فغرفة المريض: جاري المسكين، لم يمنحهُ القدر الوقت الكافي ليرى ابتسامة طفله بعد أن يتم إحراء الجراحة له. كما لم يحظ بفرصة معانقة تراب شمالستان بعد غربته هذه.
عدّتُ مقهوراً، مكسور القلب، حزيناً لأجل إنسان أنا لا أعرفه. ربّاه: رحماك يالله، أما كان لهذا الفارس أن يترجّل في وطنه. ما أعظم حكمتك، ما أقلّ حظه، ما أبأس أرملته، وما اشقى يتيمه الذي مازال ينتظرُ قطعة معدنية لتتحرك بداخله فيما أبوه الانسان قد توقف عن الحركة. لم ينتهي الألم هنا، كان هذا نصفُ الألم، والنصف الثاني قادم.
توافد الزملاء إلي، إذ كان المشفى قد أبرق ثانية للجامعة بخبر الوفاة، فيما أنا مازلتُ مسافراً. يقال بأن أقسى المشاعر هي الندم وكذلك عذاب الضمير، فهي تنهشُ روح الانسان دون هوادة.
كان نزار شخصاً مفعم الاحساس، تلتمع في عينيه مسحة حزن ورثها من شرقستان. تَصادفَ أن نشأت بوادر صداقة بينه وبين منذر خلال الأيام المعدودة من اللقاءات بينهم في القسم. مما حدا بـِ منذر لإخباره عن نيته بالسفر إلى العاصمة ومشروع البحث عن مكان آخر.
ولكي تكتمل لعنة القدر، تشاء الصدف أن يرسل نزار مع منذر رسالة بريدية مستعجلة ليرسلها من العاصمة وبذلك يضمن وصولها بأسرع وقت ممكن. لم أكن أنا أعلمُ أن البرقية الأولى قد ذكرتْ أن منذر قد صدمته سيارة وهو يعبر الشارع باتجاه مركز البريد وبيده رسالة. كانت عينا نزار مغرورقة بالدموع، وقد بدا عليه الحزن الشديد، وبقي نزار جالساً كمن ينتظر مغادرتهم. وفورمغادرة كل الزملاء الآخرين لمنزلي، اقترب فجأة مني وانفجر في موجة بكاء حادة، قائلاُ عن نفسه: أنا السبب في موته، لولا الرسالة لكان الآن حياً يرزق. ما أن شاهدته حتى انفجرتُ أنا أيضاً في موجة مماثلة، فما كنتُ لأقوى على احتمال دموعه، وأنا أقول له: ماتفعله بنفسكَ لايجوز، أنت لاذنب لك. هذا قدره. وحين رأني وقد انفجرت باكياً مثله. تحرضت لديه عقدة الذنب أكثر وانتقل إلى موجة ثانية من النحيب وجلد الذات. كانت آلامي فوق حدود الوصف حينها. كانت لاتطاق. شعرتُ بالمرارة، بالخيبة، بهذالة الحياة وعبثيتها.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق