ثقافة النثر والقصيد

حوارٌ مع ذاتي

6 نصوص شعرية هِيَ
حوارٌ مع ذاتي يوضحُ تجربتي، معرفتي
وفهمِ عالَمِنا وما فيهِ وما أحْلُمُ أنْ يصيرَهُ

1 ـ يا أخًا وبْنَ أمّي
ابراهيم مالك*


هَلْ باتَ يَلْزَمُ كُلُّ هذا الدَّمُ المَسْفوكُ بغزارةٍ
على جانِبَيِّ الرَصيفِ كَيْ نرى الأشياء على حَقيقَتِها ؟
هَلْ كانَ يَلزَمُ كُلُّ هذا الدَّمِ المَسْفوكِ بِغَزارَةٍ
كيْ نُدْرِكَ في آخِرِ الرَّصيفِ أنَّ كُلَّ لونٍ
لا يختلِفُ في شَيءٍ عَنْ غيرِهِ مِنَ الألوان
وأنَّهُ لَيْسَ وحْدَهُ الخَيار بي، أشياء كَثيرَةٍ مُحْتَمَلَة .
هَلْ كانَ يَلْزَمُ كُلُّ هذا الدَّمِ المَسْفوكِ بِغَزارَةٍ
كَيْ نَسْتوعِبَ الدَّرْسَ الأوَّلَ والبسيط
أنَّ الوَحْشَ فينا يَكْبُرُ حينَ يتراقَصُ الدَّمُ
مُنْتَشِيًا على الرَّصيف كَيْ نُدْرِكَ بَساطَةٍ
أنَّ القَتْلَ يُغَذّي القَتْلَ في جُنون .
هَلْ كانَ يَلْزَمُ كُلُّ هذا الدَّمِ المَسْفوكِ بِغَزارَةٍ
كَيْ نُدْرِكَ أنَّ مُتْعَةَ الحياةِ الحَقيقِيَّة
هِيَ في العيش مَعًا في حَقْلِ من برقوقِ
يُذَكِّرُ بلَوْنِ الشَّفَقِ الوردي كثيرِ التَّلَوُّنِ في عالمنا .

يا أخًا في يومٍ سيَأتي عِمْتَ مَساءً
بي رَغْبَةٌ أن أرْقُصَ هذِهِ الليلَةَ
حَتّى الانتِشاء حَولَ موقِدِ نارٍ
مِثْلَ أوراسِيٍّ عاشِقٍ تَتَدافَعُ الموسيقى في
عُروقِهِ المُمَزَّقة بإيقاعاتِ طَبْلَةٍ أمازيغِيَّة ،
بي رَغْبَةٌ للرَّقْصِ في حَلْقَةٍ للصَّحْبِ يَبْحَثون
عَنْ بَصَّةِ نارٍ وبَصيصِ أمَل العَيْش
في عالَمٍ بلا جِياعٍ ولا مِحَن
بي رَغْبَةٌ للرَّقْصِ حَوْلَ بَصًّةِ نارِ مَعْرِفة
هذي التي دَلَّنا إيقادِها أخونا بروميثيوس
الذي أدرَكَ في عَقْلِهِ المُتَيَقِّظِ مِثْلَ ذئبِ طَرَفة بْنِ الحُر
أنَّ بَعْضَ شرائِحِ أرضِنا الآيِلة للسُّقوط
تُريدُ مُنْذُ القِدَمِ قَتْلَ ناسَ عالَمِنا
للفَوْزِ بحواكير أرْضِنا وما فيها من خَيْراتِ حياة .
2 ـــ يحْكونَ

يحكون أنَّ بوذا حين أتى أمَّهُ المَخاض
رأتْ خَيْطًا نَوْرانِيًّا
يَمْتَدُّ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ
ويَنْتَشِرُ فيها مِثْلَ ظِلالٍ مِنْ نور
شَعَرَتْ مَعَهُ لَذَّةً يَصْحَبُها ألَمٌ
ذَكَّرَتْها بِلَذّاتِ وِلادَةٍ، لكِنْ موجِعَة،
عَرَفَتْها مِنْ قبل.
كانَ ذلِكَ حُلُمي .

وإنْ لمْ أكُنْ وليدَ سُلالَةِ الآلِهَةِ الوَهْمِيَّة
فَكَمْ تَمَنَّيْتُ
أنْ أولَدَ
ويولَدَ أولادٌ ملوَّنونَ كثيرون
في فَيْء زيتونةٍ مُعَمِّرَة
يولَدونَ في رَعْشَةِ ضَوْءٍ،
لكن بلا ألمٍ طيلة العمر .

3 ـ حُلْم

أشعُرُ وأنا اتفحَّصُ ذاكِرَتي المَسْكونةَ بالألم
كم بَقيتُ طويلًا وَلا أزال أحْلمُ بوطنٍ
لا تكتسي حُدودُهُ بلطخاتِ الإسمِنتِ المُسَلَّح
ولا بأسلاكٍ شَوْكِيَّة تطلع كالفِطرِ المُحْرِق
هُناكَ حيثُ تندَفِعُ بُطونُ أقدامِ الجنود .

أللهُ !
كم حَلِمْتُ ! وَلا أزال بوَطنٍ
حُدودُهُ أقواِسُ فَرَحٍ مُلَوَّنَةٌ كزنارِ فاطِمة
وينبسِطُ وعرهُ قبالةَ عَيْنيْ كَكَفٍّ سَمْحَة
ليتمازج بوُعرِ عالمِنا
المَكسوَّ بأزهارِ البرقوق البَرِّيْ .

4 ــــ
بين حين .. وحين

حينَ بَلَغَ وَطَني مُنتصفَ الدرب
ووصل إلى أسفل المنحدر
كانت عتمة شديدة تملأ المكان .

همس في سره وبصوت مسموع
سأواصل المسير
مهما اشتدت وعورة الطريق
سادت العتمة
وكثر فيها الانحدار
وكثر الصعود .

وحين حزم أمره وانطلق
شُبِّهَ لَهُ أن شيئا أشبه بوهج مشع
ذكره بوهج وجه فاطمة
بدأ ينتشر
بين الشجرات المنتشرة
في المكان
بفوضى محببة ومريحة للعين .

قال وقد ارتاحت نفسه للوهج المشع
سأواصل المسير إلى قمَةٍ ،
حيثُ يجمل بي ، لو ذرَّةً ، أن أكون .

5 ــ مِرآةُ الوجود
ابراهيم مالك

وفيما رُحتُ أصغي لشدوِ صديق
بَهَرَني ما ظَهَرَ لي من جَديد
كانَ الثَّلْجُ ناصِعَ الْبَياضِ ذاكَ الْمَساء
وقدْ راحَ يَلْتَحِفُ عباءةَ الليل شَديدَةَ الْعَتْمة
فاصْطَبَغَتْ أشْجارُ الحاكورة بنورٍ شَفيف .

6 ـ ولدي الأصغر بلال مُغرَبي المقيم في برلين
أفْهَمُكَ جَيِّدًا

أفْهَمُكَ جَيِّدًا يا ولَدي
الأشبَهَ بِزَهْرِ قَنْدولٍ طالِعٍ في حاكورَةِ وَعْرَتي
أفهمك جيدا حينَ تُغَرِّدُ:
يجمُلُ بالإنسانِ أنْ يَنْتَصِرَ على الجُرْحِ فيهِ وَما فيه مِنْ ألَمٍ
لِيُحْسِنَ الْبَحْثَ عنْ هِلالِ قَمَرٍ،
فَيُفْلِتُه من عَتمَةِ مَحاقٍ قاتِلٍ
لِيَعودَ نورًا!

حَقيقةً يا ولدي لا أكْتُمُكَ سِرًّا،
فَكَمْ بَحَثْتُ في لَيْلِيَ الطويلِ ولا أزالُ
عَنْ يَدٍ مُوَشّاةٍ بحِنّاءِ
احْتُلِبَ مِنْ عصيرِ برْقوقٍ بَرِّيٍّ
لأمُدَّ لَها يَدًا
ونُحاوِلُ في كِبْرِياءٍ صابِرٍ
الْبَحْثَ مَعًا عن غدٍ آخر لَها ولي.
*ابراهيم مالك كاتب وشاعر فلسطيني جزائري الأصول

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق