قراءات ودراسات

قراءة في قصيدة “الضحايا” للشاعرة الأمريكية شارون أولدز

ترجمة الأديب الشاعر نزار سرطاوي

حسين فاعور الساعدي

في هذه القصيدة تخاطب الشاعرة والدها مباشرة دون لف أو دوران. وتعبر عما جاش في صدرها قبل وبعد أن غادر البيت. هل هي الجرأة أم الوقاحة؟ أظن أنها الجرأة حتى لو كانت وقاحة. فما أحوجنا لجيل يواجه ويفكر. ما أحوجنا لأبناء لا يعبدون آباءهم وأمهاتهم ويوافقونهم على كل شيء. ما أحوجنا لفتيات لا يقلدن أمهاتهن في كل شيء.
الشاعر نزار سرطاوي في ترجمته لهذه القصيدة كان يكتبها من جديد بلغة عربية أنيقة وهو عمل لا يقدر عليه إلا المبدعون. فأن تكون مترجماً لا يكفي أن تجيد اللغة. يجب بالإضافة إلى ذلك أن تكون مبدعاً أيضاً لأن عملية الترجمة هي عملية خلق في قالب حُدّد لك مسبقاً حجمه وشكله.
شارون أولدز شاعرة أمريكية. في كل كتاباتها لا تتناول إلا طفولتها، تجاربها الجنسية، زواجها وأولادها. من خلالهم تطل على العالم من حولها. في كتابها الأول “الشيطان يقول” ركزت على حياتها الجنسية وحياة عائلتها. وفي كتابها “وثبة الظبي” تحكي عن طلاقها من زوجها بعد ثلاثين عاماً من زواجهما. رأت العالم الخارجي من خلال عالمها الخاص. وهي شاعرة متمردة (ككل شاعر حقيقي) لها مواقف خاصة ومميزة كما حدث معها عندما رفضت دعوة لورا بوش زوجة جورج بوش الابن عندما رفضت دعوتها للمشاركة في أحد المعارض لأن زوجها شن حرباً على العراق دون قرار ديمقراطي.
إن اختيار الشاعر نزار سرطاوي لقصيدة “الضحايا” وترجمتها جاء موفقاً وفي أوانه. فكل أطفالنا في عالمنا العربي الواسع هم ضحايا. إما ضحايا الإهمال وإما ضحايا الصراعات الزوجية العلنية وغير العلنية، وإما ضحايا تسلط الأهل، أنانيتهم وتحكمهم، وإما ضحايا الفكر السلفي المتحجر، وإما ضحايا الأسلحة الحديثة التي يجربونها في أجسادهم الغضة. هؤلاء الأطفال لديهم الكثير الذي يريدون قوله لآبائهم وأمهاتهم ومن حولهم. لكن ثقافتنا وأعرافنا وعاداتنا وتقاليدنا لا تسمح لهم حتى بالنظر في وجوه آبائهم وأمهاتهم وتوجيه الأسئلة لهم حتى عندما يكونون مجرمين بحقهم. لأننا نربي أطفالنا على مسح شخصيتهم وتقديس حتى غير المقدس.
في قصيدة “الضحايا” لم يكن من السهل على الشاعرة أولدز مواصلة توبيخ والدها ووصف مشاعرها السلبية اتجاهه بعد مغادرته للبيت فلجأت إلى آلية الإسقاط projection. وهي آلية حماية ذاتية معروفة في علم النفس يلجأ إليها الفرد في حال شعوره بالضيق أو بالحياء مما هو فيه أو مما يفعله. هذا الإسقاط جاء بعد البيت الرابع من القصيدة وبعد أن وصفت الشاعرة كم كانت سعادتهم عندما طردته أمهم من البيت.
الوالد يظل والداً حتى لو كان سكيراً أو متعاطياً للمخدرات. فالولد يحتاج لصورة الأب كما يحتاج لصورة الأم، مهما كانت هذه الصورة، وهو ما لا يعيه الكثير من الآباء والأمهات في صراعاتهم فيما بينهم وفي حروبهم الضارية لكسب ثقة الطفل وتجريم الطرف الآخر وتشويه صورته. ليتنا نجنب أطفالنا هذه الصراعات ونفهم أن الطفل بحاجة لأم وأب مهما كانت صورتهما سوداء. ليتنا نفهم أن خلافاتنا الزوجية لا علاقة لأطفالنا بها ولا يجب إقحامهم فيها.
الشاعرة أولدز لم يهن عليها هذا الفرح الذي شعرت به هي وأخوتها بمغادرة والدها للبيت فأسقطت هذا الفرح على فرح كل الناس في أمريكا عندما غادر نيكسون البيت الأبيض.
هذا الإسقاط الذي جاء في البيت الخامس جعل نيكسون، الرئيس الأمريكي بعظمه وشحمه ولحمه يأخذ مكان والدها السكير، لتبدأ الحديث عنه:
” ثم طردت وابتسمنا
في أعماقنا، كما ابتسم الناس حين
أقلعت مروحية نيكسون من الساحة
الجنوبية للبيت الأبيض للمرة الأخيرة”
ثم تواصل التساؤل والتشفي بما حدث لنيكسون وكيف جردوه من سكرتيراته وبدلاته وأحذيته وأقلام الرصاص ورزم الأوراق وحتى وجبات غداءه وكاسات مشروبه. هل هو الحقد الطبقي؟
هذا الوصف لرحيل نيكسون عن البيت الأبيض والخلط بينه وبين رحيل والدها بعد أن طلقته والدتها يخفف من معاناتها ومن شعورها بالدون. فها هو نيكسون أيضاً يطرد وليس والدها لوحده. أي أن هنالك في هذا العالم من هو سيء كوالدها. وهذا يخفف من شعورها السيئ وعذابها الداخلي.
الإسقاط هو آلية معروفة وشائعة يلجأ إليها الإنسان في ضائقة ليخفف من مصابه فحتى “الموت بين الناس نعاس”.
أولدز لم تكتف بالرئيس الأمريكي الذي أصابه ما أصاب والدها وإنما انتقلت إلى وصف المعاناة الظاهرة في عيون كل الناس الذين مرت بشققهم ورأت عذاباتهم. ومن يعرف أمريكا أو عاش فيها يعرف حجم المتناقضات في هذا المجتمع.
الشاعرة تعبر بصدق عما مرت به وعاشته:
” لقد علَّمَتْنا أن نصبر، أن نكرهك ونصبر
إلى أن انتصبنا واقفين معها من أجل
القضاء عليك يا أبي”
القضاء عليك يا أبي!! بكل هذه البساطة تتحدث عن والدها وهي قمة المأساة التي تعيشها الشاعرة.
في هذه الأبيات تبلغ الشاعرة قمة الصدق. ويظهر لنا مدى المعاناة التي عاشتها. الأم علمت أطفالها الصبر وهو أمر جيد بحد ذاته ولكنه سيء جداً عندما يكون في سبيل مصلحتها في مواصلة العلاقة مع زوجها لأن الأولاد في هذه الحالة تحولوا إلى أدوات لخدمة أهداف الزوجة التي علمتهم الصبر ليس في سبيل ثقافة الصبر وإنما في سبيل أن تلقنهم كراهية والدهم لتكسبهم إلى صفها فيما بعد عندما تقرر الاستغناء عن خدماته. وفي رأيي هذه قمة الأنانية عند الأم.
لذلك قالت الشاعرة “نكرهك ونصبر” فكره الأب ليس بالأمر الهين حتى لو كان سكيراً.
الشاعرة وصفت بكل بساطة وشفافية دور الأم في الزج بأطفالها في أتون المعركة بينها وبين زوجها والهدف كسبهم إلى صفها. وهذا ما يحدث لكثير من الآباء والأمهات حتى المثقفين والمتعلمين.
قليلون هم ألآباء والأمهات الذين يبقون أولادهم خارج الصراع الزوجي عندما يبدأ. لان كل طرف يريد أن يأخذ الأولاد إلى صفه كبرهان أنه هو المحق والطرف الآخر هو المفتري.
هذه القصيدة تظهر حجم المعاناة التي يعيشها الطفل وهو يرى الصراع الدائر بين والديه. وتظهر كذلك أن الحياة الشخصية إنما هي صورة مصغرة للعالم الواسع.
لقد أحسن الأديب نزار سرطاوي الاختيار عندما ترجم هذه القصيدة إلى العربية لأنه يضرب أكثر من عصفور بحجر واحد: فما أحوجنا للالتفات إلى ما يمر به أطفالنا من معاناة وجرائم تقترف بحقهم يندى لها جبين الإنسانية وإعطائهم حقهم في كتاباتنا ومؤلفاتنا. وما أحوجنا للالتفات إلى ذاتنا والكتابة بشفافية عن معاناتنا دون خجل. حتى لو استعلمنا آلية الإسقاط كآلية للدفاع أو لحماية ذاتنا. وما أحوجنا كذلك للحفاظ على الكثير من الأشياء الجميلة التي تملكها الأسرة العربية ولا يملكها الغرب المتحضر.
شكراً للأديب الشاعر نزار سرطاوي على الاختيار اللائق وعلى الترجمة الرشيدة.
***
حسين فاعور الساعدي

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

رأيان على “قراءة في قصيدة “الضحايا” للشاعرة الأمريكية شارون أولدز”

  1. أتقدم من الشاعر والأديب والناقد القدير الأستاذ حسين فاعور الساعدي بجميل الشكر وجزيله على هذه القراءة المتعمقة لترجمتي لقصيدة “الضحيا للشاعرة شارون أولدز.
    أنا أقرأ وأحس وأترجم بالكثير من العفوية التي ربما تقصر عن هذا الفهم العميق والشامل وهذه القراءة التحليلية المستفيضة للنص. لقد ربط الناقد بين بوش ووالد الشاعرة باعتبار أن كليهما ينتميان إلى المجتمع الأبوي، وفي الوقت عينه لاحظ أن في ذلك الربط نوع من التخفيف عن كاهل الشاعر من الناحية النفسية. فكراهية الأب ليست بالأمر الهين. وهذه إضاءة تستحق الالتفاف – شأنها شأن الكثير من الجوانب النفسية والاجتماعية والسياسية التي أشار الناقد الحصيف إليها. كما عرج على معاناة الطفولة في مجتمعنا العربي، وفيذلك تأكيد على أن الاختيار كان في مكانه، لأن القصيدة تعالج مشاكل يعاني منها مجتمعنا، وإن كنا نغض الطرف عنها أو نتظاهر أنها غير موجودة. والحقيقة أن المرأة في الغرب أكثر جرأة في التعبير عن قضاياها من المرأة الشرقية، والكثير من الأطفال في مجتمعنا ذكورًا وإناثًا كثيراً هم ضحايا للعنف الأسري.

    أكرر امتناني للشاعر والناقد الأستاذ حسين فاعور الساعدي الذي شرفني بهذه الالتفاتة الراقية.

  2. الشاعر الأديب نزار سرطاوي
    اسعد الله أوقاتك
    انت دائما تتحفنا بترجماتك الراقية لنصوص تفتح أمامنا الكثير من الآفاب، وتطلعنا على ثقافة ومعاناة الآخرين.
    فلك أنت كل الشكر على جهدك المبارك.
    حفظك الله ورعاك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق