الموقع

في عشق اللغة العربية :حداثة اللسان العربي••

ماذا تعني اللغة العربية بالنسبة للجيل الذي انتمي إليه؟ منذ البداية تشكلت العلاقة مع اللغة العربية من خلال الخطوط، الكاليغرافيا، التشكيل، والحروف قبل أي شيء آخر، كان المصحف الشريف هو الصورة الأبرز لهذه اللغة عندما رأيت خطوطه لأول مرة أصبت بدهشة حقيقية وبشيء ما ينتقل إلي، ويتسلل إلى نقطة ما في أعماقي فيستقر فيها·· هل هو انجذاب، عشق، هيام···؟ تعددت الأسماء والحب واحد·· قرأت أول ما قرأت باللغة العربية، قراءات وقراءات كلها كانت تزيد من صياغة وجداني وكياني وروحي بهذه اللغة، لم أفكر قط في الانتماء، كانت اللغة هي المثيرة وهي المدار الذي تتحرك فيه خيوط القلب وشغاف الجسد، وكانت هي الانتماء، الذي لا يحيل على العرق والأصل والدم·· أعرف بأنني جزائري بكل ما تحيل عليه هذه التسمية من التباس للهوية، وجرح في اللسان وعنف في الكلام والتاريخ وعشرات الأسئلة··
لا تمنعني هذه الجزائرية من أن أكون في صميمي عربي بالمعنى الأوسع للعروبة وبالمعنى الأعمق لها ··عربي يجمع بين هذا الإرث التاريخي والثقافي العميق وبين كل ما هو حديث··
تساءلت في البداية: ماذا تعني العربية لجيلي؟ وهي بالشكل الذي انظر له للمسألة ووفق تاريخية أنتجتني كما أنتجت غيري مع نهاية الثمانينيات كانت عربيتي تعني الحداثة أكثر من أي شيء آخر، أي البحث عن عربية جديدة وحديثة ليس لها أي عقدة من لغة الآخر··وليس لها أي مشكلة··
كان جيلي أكبر من عقدة الآخر وعقدة الذات، تجاوز عقم النقاش التقليدي القديم والمستهلك، والذي كانت خلفه مصالح متصارع عليها ومواقع محلومة بها أكثر ما كان وراءه نقاش ثقافي وجدي بين متخاصمين أرادوا إقناعنا بان الفرنسية هي لغة الحداثة والكونية والعربية هي لغة القدامة·· والتراث وما شابه ذلك··
جاء جيلي ليقول العكس وليبرز بان الكتابة بالعربية هي أيضا انتماء للحداثة، انتماء صميمي وجذري وخلاق، هذه حقيقية لست أنا من سيثبتها  ولكن كل الكتب التي صدرت منذ سنوات واشترك فيها مبدعون في مجالات وحقول مختلفة··
انتهت العقدة منذ سنوات، ومع ذلك مازال الكلام عن اللغة العربية بالصورة التي تضحك وتبكي معا··
في مشهد جزائري تسكنه العقد من كل جهة لا يتهم كسل البعض وجريهم التافه وراء المصالح الصغيرة وعدم جديتهم في العمل الحقيقي والصبور ولكن تتهم العربية بالقصور، بالضعف، بعدم الحداثة لان جوائز مشبوهة تختار من يكتبون بالفرنسية على كتاب باللغة العربية··
نعم اللغة الفرنسية وراءها فرنسا الكبيرة والعظيمة والتي لا تجد أي مانع للدفاع عن لغتها في بلدان أخرى، ومن تشجيع من يكتبون بلغتها، وحتى هذا ليس فيه أي عيب، لكل دولة الحق في الدفاع عن لغتها في كافة أنحاء العالم··المؤسف هو أن من سماهم فرانز فانون ذات يوم بالمستعمر الذي يعيد إنتاج خطاب مستعمره بغباء وسذاجة يتشكل عند  البعض منا، كتاب بالعربية يتوهمون أن الكتابة بالفرنسية هي التي توصلهم للكونية والعالمية ويدعون جهارا لهجرة العربية··
عندما اسمع هذا النوع من الخطابات لا أدري لماذا أسخر من هؤلاء الذين لم يستطيعوا الكتابة بالعربية والآن يدعون لفرنسية جزائرية يعتقدون إنها اللغة الصالحة للإبداع··حتى الكبير جدا كاتب ياسين لم يقل هذا وبعد الاستقلال هجر هو نفسه الفرنسية للغة العربية الدارجة··
طبعا لا أحد سيقول لمن يكتب بالفرنسية لا تكتب بالفرنسية تلك خيارات فردية وكل حر في خياراته لكن تحويل الخيارات الفردية لقيمة مهيمنة على الجميع ومحاولة دفعنا للقبول بها على أنها الواقع الذي لا واقع بعده أمر لا يحيرني بقدر ما يثير غثياني بالفعل·
العربية في الجزائر اليوم تثبت تفوقها بالفعل في الرواية والشعر والعلوم الإنسانية بشكل عام··لكن السياق السياسي والثقافي والاقتصادي هو الذي يحجم من هذه الحداثة العربية الجديدة بالجزائر ويريد أن يبقى العربية في سجن الإرث المتخلف والثقافة المجترة وللأسف كل ذلك يحدث في ظل هيمنة الريع والبؤس والمصالح والاسترزاق بكل الأشكال والطرق··
لا خوف على العربية طبعا··
لا خوف عل الإبداع باللغة العربية··
نقول فقط للذين لم يهضموا هذه الحقيقية·
انتم خارج التاريخ فابتعدوا···

بشير مفتي
روائي جزائري

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق