قراءات ودراسات

ظلال النكسة في قصيدة سميح القاسم (تعالي لنرسم معا قوس قزح)

محمد السماعنة

تعالي لنرسم معا قوس قزح
لقد اختلفت مواقف الشعراء العرب من هزيمة عام 1967 فمنهم من استسلم لليأس والبكاء والحزن كما فعلت فدوى طوقان:
” على أطلال يافا يا أحبائي
وفي فوضى حطام الدور بين الردم والشوك”
ومنهم من سارع إلى قاموس الشتائم وكال منه ما استطاع ليرشقه في وجه الحاكم والقائد …
وامتد غضبه في أحيان كثيرة إلى الإنسان والشارع ، والجالس والنائم كما فعل مظفر النواب في القدس عروس عروبتكم
وأحمد مطر في قوله :عباس وراء المتراس منتبه يقظ حساس ” وفي قوله :” سبحان الذي أسرى بعبد الذات من صبرا إلى مصرا ولم يسري به للضفة الأخرى .”
ومنهم من رأى أن الحياة إذا ادلهمت ستبرق إذ تدلهم ، وأن عليه أن يحمي البرج إذا سرقت منه حمامة ويرثي الحمامة ولن يستعجل ميلاد القيامة .
فكيف واجه سميح القاسم الهزيمة التي مني بها العرب في عام 1967 ؟
كتب سميح قصيدته “تعالي لنرسم معا قوس قزح” بعد النكسة بل في إثرها وفيها وضع الشاعر نفسه في حالين:

الحالة الأولى : كنت حزينا
أصبحت الهزيمة جرحا من جراح سميح القاسم فهي هزت كياننا العربي كله ثقافيا وأدبيا واقتصاديا وعلميا وسياسيا, وهذه القصيدة موقف من هذا الجرح فلقد صدمت الهزيمة الشاعر فحزن ، و سيطر الحزن عليه فغاص فيه واستسلم له، ولم يعد يشعر بالحياة وقد تراكمت عليه الأحزان قديمها وجديدها ، فرضي بالاحتراق من غير عمل ومن غير جهد من أجل الخلاص ، فاختار كلمة (نازلا ) ليدل على توحد نفسه مع الحزن فلم يجد داعيا لذكرها وليدل على الاستسلام الإرادي و لتكون بابا للقصيدة يختزل بها مرحلة مؤلمة من حياته ،وليعبر من خلالها عن مستوى عميق من الألم ؛ وهو اختار اسم فاعل ليدل على الحدث والفاعل في آن واحد، واختار الكلمة عينها لما بها من حروف تعبر عن شدة المعاناة والاشمئزاز من الواقع الذي كانه وأقصد حرف الألف وحرف (الزين ).
ندخل من مطلع القصيدة إلى كلمات شاعر متعب حزين محطم ، وقد امتلأت سطور المطلع بحروف المد المليئة بالحزن والألم فلم يخل سطر من حرف مد .وقد يفيض الألم لنجد السطر كله حروف مد .(نازلا يمتصني موت بطيء )
ومع أن الشاعر عبر عن الحزن الذي أغرقه وأغرق الكثيرين من أبناء العروبة، إلا أنه ابتدأ بالحديث عن ألم الذات، وعن الاستسلام للحزن، وعن الموت البطيء الذي سببته له الهزيمة ، الموت من الحزن الجديد والحزن القديم إنه تراكم عميق للأحزان
كرره الشاعر من خلال تكراره لكلمة نازلا وجعلها تتقدم على (كنت ) .
إن الصورة الموحية التي رسمها سميح لنفسه بعد الهزيمة فيها عظيم ابداع بلغة سهلة قريبة من حديث النفس وفيها من الشعرية ما يجعل الناقد يحار من أين يبدأ ، أيبدأ من الصور أم الأفكار أم من اللغة فكل واحدة من هذه تحتاج إلى تحديد .

نازلا كنت : على سلم أحزان الهزيمة
نازلا 00يمتصني موت بطيء
صارخا في وجه أحزاني القديمة :
أحرقيني ! أحرقيني 00لأضيء!
يرسم الشاعر لنا صورة حركية لونية تعكس حاله وحال الأمة العربية كلها
فهو كان نازلا بكل ما توحيه لفظة نازلا من إيحاء بالانكسار على سلم أحزان الهزيمة وكان الموت يمتصه ببطء فيطلب الاحتراق ليضيء الطريق في هذا الظلام ،وكأنه تذكر أنه لم يكن وحيدا في هذا الشعور وان كثيرين عاشوا حاله وعانوا مثل معاناتاه
فغرقوا في أحزانهم مثله . وفي هذا إشارة واضحة لحال المجتمع العربي بعد النكسة فيرسمها لنا الشاعر بقوله : كانت عيونا مطفأة .
كانت ملايين مئة
سجدا في ردهتي ..
كانت عيونا مطفأة
كان سميح القاسم يشعر بالوحدة في معاناته وبالغربة في سجنه ، كان راكعا يتوسل ويدعو 000كان يبكي ويصلي من أجل الخلاص ، كان يتطهر ولكن ، مم يتطهر هذا الشاعر , ولم ؟ كان حائرا مرتبكا جبهته كقطعة شمع وهو لم يرفع رأسه في إيحاء إلى عدم استيعابه صدمة النكسة بعد ، وفمه ناي مكسر فكيف تخرج الكلمات من فم إنسان مصدوم لم يستوعب ما يحدث لشعبه ولأهله والحزن والارتباك يملآن عليه الأفق ؟ولكنه ، و على الرغم من كل ما يحيط به وبشعبه من ظلام ، كان يرى ما عليه الشعب من ضياع وعدم وضوح الرؤيا .
لم أكن وحدي
ووحدي كنت ، في العتمة وحدي
راكعا 00أبكي ،أصلي ، أتطهر
جبهتي قطعة شمع فوق زندي
وفمي 00ناي مكسر 00
كان صدري ردهة ،
كانت ملايين مئة
سجدا في ردهتي 00
كانت عيونا مطفأ
إن الألفاظ التي في المقطع السابق تحمل مكنونات نفسية تحتاج إلى توقف فهي تبث في القصيدة نفسا حزينا وايقاعا دافئا لا تمرد فيه ولا خلاص والموسيقى التي تحيط بالكلمات ليست موسيقى الصوت إنها ايقاع داخلي وخارجي ينتشر في القصيدة ويبعث في نفس القارئ حزنا وأملا وشوقا . واجتمعت فيها ألفاظ الركوع والبكاء والصلاة والتطهر . فكيف اجتمعت هذه كلها، ولم ؟ فالصلاة للدعاء وطلب الرضى , والبكاء وسيلة للتنفيس وطلب الرحمة ، وتحمل دلالات الندم والخوف من المستقبل ، أما الركوع فهو انقياد لإرادة الأقوى واستسلام لها ،ولكن كلمة (أتطهر) تحمل معاني الحزن والندم والخوف والرجاء والاسترحام ،وهي تشير أيضا إلى ذنب اقترفه هذا الشاعر أو اقترفه المجتمع كله كما يظهر في قوله :
كانت ملايين مئة
سجدا في ردهتي
الهزيمة كانت للجميع ، والعار كان للجميع من المارق حتى القديس , والكل يحمل ما له من الهم والألم.
ويتوجه إلى الأرض ويدعوها أن تتحرك وأن تضطرب ، أن تقول شيئا أي شيء وأن تغفر له استسلامه لليأس والحزن، ولهذا فإن فكرة أن الشاعر يتطهر ويطلب المغفرة من الأرض التي لم يدافع عنها كما يجب فكرة قد تكون سليمة.

واستوى المارق والقديس
في الجرح الجديد
واستوى المارق والقديس
في العار الجديد
واستوى المارق والقديس
يا أرض00 فميدي
واغفري لي ، نازلا يمتصني الموت البطيء،
واغفري لي صرختي للنار في ذل سجودي :
أحرقيني 00أحرقيني لأضيء
إن اختيار الشاعر للكلمات: استوى ،واغفري لي ، والموت البطيء وهي من الكلمات المتداولة كثيرا على ألسنة و تمتلئ بها أحاديثهم ،في ذلك الوقت، قد قرب هذه الأسطر من النفس بما تحمله من موسيقى لطيفة هادئة حزينة .
وما زلنا في بحر من المشاعر الفردية وكلما تقدمنا سطرا وجدنا الحزن يتراكم ويكبر, وما زلنا في الحال الأولى فها هو الشاعر يتوجه من جديد نحو الأرض قائلا : اغفري لي فقد كان الحزن كل ما حملت بعد الهزيمة لقد كان مرساتي الوحيدة ولنقف قليلا عند كلمة مرساة فهي الأداة التي تثبت السفينة عند الشاطئ وتمنعها من الانجرار نحو البحر , فهي إذن قد منعته من الانجرار في بحر الحزن والبكاء إلى الشاطئ ليبدأ من جديد

واغفري لي ، نازلا يمتصني الموت البطيء،
واغفري لي صرختي للنار في ذل سجودي :
أحرقيني 00أحرقيني لأضيء
إن في كلمة يمتصني ما يجعل القارئ يبدأ برسم لوحة قد تكون قريبة من اللوحة التي رسمها من قبل لإنها تمنح القارئ مكانا للرسم والخيال والإبداع

الحالة الثانية : ولو امتدت حال الحزن إلى الأسطر المتبقية من القصيدة لقلت دون تردد كان الأولى أن يسميها تعالي لنردح معا .
ولكن الشاعر المبدع أدخل عنصرا جديدا إلى القصيدة ليعلن أن
نازلا كنت : على سلم أحزان الهزيمة
لم يعد سميح ولن يعود إليه

فقد أيقظته فتاة ما ليفيق من ذله ومن استسلامه 00 يوم ناديت من الشط البعيد يوم أرسلت إلي ما ضمد جرحي النازف وأوقف الموت البطيء وأنهى حال النزول .
أن سفينتي لم تغرق ،كما كنت أظن ،و ها أنا قريب من الشاطئ وما زلت أستطيع الحياة والمقاومة .
نازلا كنت ، وكان الحزن مرساتي الوحيدة
يوم ناديت من الشط البعيد
يوم ضمدت جبيني بقصيدة
عن مزاميري وأسواق العبيد

وعلى الرغم من أن سميح قد أفاق على نداء هذه الفتاة إلا أنه ما زال ينظر إلى المصيبة ويستعرض صورها فالفتاة التي نادته من الشط البعيد جعلها منطلقا للحديث عن الشتات والغربة 0
(يوم ناديت من الشط البعيد) فقد كان لاأحد ينادي الكل ضائع يفتش عن نفسه
و المعاناة :
أأختا نسيتها ليلة الهجرة أمي في السرير
ثم باعوها لريح ، حملتها
ويعطي الشاعر للقارئ فراعات كثيرة ليمكنه من رسم العاطفة، والمشاركة في التجربة الشاعر الشعرية من الإسئلة التي ستتبادر إلى ذهنه من مثل:من هي التي نسيتها أمه فوق السرير ؟ وما هي الريح هذه التي اشترتها وحملتها عبر باب الليل للمنفى الكبير ، ثم ما دلالة الليل هنا ،هل هو الاحتلال ، أم هو الشر ؟ كل هذه الأسئلة تطلع عليه وهو يقرأ المقطع السابق
عبر باب الليل 00للمنفى الكبير ؟

من أنت يا فتاة ؟
هل أنت ممن شردتهم الهجرة ، هل أنت من المهاجرين الذين فرقتهم الريح في كل اتجاه ، وأصبح العالم كله منفى لهم ؟أم أنت أختا نسيتها ليلة الهجرة أمي في السرير ومن باب الليل ألقيت في المنفى الكبير ؟ هل كبيرة وضعها محملة بأسئلة الهوية والغربة والخذلان والحسرة .
من تكونين ؟
أأختا نسيتها ليلة الهجرة أمي في السرير
ثم باعوها لريح ، حملتها
عبر باب الليل 00للمنفى الكبير ؟
ويلح في معرفة هذه التي ردته إلى الحياة
من تكونين ؟
أجيبيني 00أجيبي !

،أجيبيني ، أجيبي 00إن تكرار السؤال قد أفاد القصيدة شكلا ومعنى
وإن في تساؤل الشاعر عن هذه الفتاة ما يثير في النفس الحيرة , فأي فتاة هي ؟ أهي الفتاة نفسها التي يطلب منها أن تحضنه، وأن تبكي في حضنه ليشرب الدموع بعد أن يبست ريح الهزيمة حنجرته أم هي الأرض التي في ظل دواليها السبية بذرته الريح ؟ أم هما معا ؟

نازلا كنت ، وكان الحزن مرساتي الوحيدة
يوم ناديت من الشط البعيد
يوم ضمدت جبيني بقصيدة
عن مزاميري وأسواق العبيد
من تكونين ؟
أأختا نسيتها ليلة الهجرة أمي في السرير
ثم باعوها لريح ، حملتها
عبر باب الليل 00للمنفى الكبير ؟
من تكونين ؟
أجيبيني 00أجيبي !
أي أخت ، بين آلاف السبايا
عرفت وجهي، ونادت : يا حبيبي !
فتلقتها يدايا ؟
ولكنه لم ينتظر الإجابة ،وهذه التي نادته تحمل من الهم ما يحمل هو ،وتحمل من الحزن ما يحمل هو ؛ فيطلب منها أن تغمض عينيها من عار الهزيمة وتبكي في حضنه ليشعر بالنبض ويشعر بالحياة و بالأمان .ها هو ذا يرتفع على الحزن ويسمو فوق الجراح ويحاول أن يضمد لهذه الفتاة جراحها
أغمضي عينيك من عار الهزيمة
أغمضي عينيك 00وابكي ، واحضنيني
أغمضي عينيك وابكي واحضنيني ودعيني أشرب معك حزنك فأنا قد تعودت أن أحزن، ودعيني أشرب معك دمعك 00أغمضي عينيك
ودعيني أشرب الدمع 00 دعيني
يبست حنجرتي ريح الهزيمة
يريد الشاعر أن يتبادل مع الحبيبة المجهولة الأدوار فهي بحاجة إلى من يداوي جراحها، وإلى من يحتضنها لتشعر بالأمان، فهما معا يستطيعان ما لا يستطيعه الواحد . ولكن لم يبّست حنجرته نار الهزيمة ، وكيف قال هذه القصيدة إذا كانت حنجرته قد يبستها نار الهزيمة ؟إن التيبس المقصود في السطر السابق هو في الفرح والأمان والدفء لا في المشاعر الأحاسيس. وها هو يسعى للفرح من خلال الحلم بل من خلال الدعوة للمشاركة في الحلم 00
تعالي لنرسم معا قوس قزح
أغمضي عينيك
ولنبدأ من جديد
كأننا التقينا قبل عشرين سنة
وإننا لم نحترق ولم نهزم ولم ولم 0000و أن الحب يضمنا معا
وأننا قد تحدثنا عن ألمنا وعن الغربة والسجن الكبير، وعن أشعارنا للحرية وأغانينا للحرية وعن المستقبل الهادئ الواعد وعن زوال الاحتلال، وأننا سنعيش هناك على الجبل وسآتيك بطفلة ونسميها طلل كل مدينة هدمها العدو، و طلل كل قرية لم يبق منها سوى الأطلال
وفي هذا الحديث إيحاء دافئ بأن الشاعر قد استعاد توازنه وبدأ يتحدث عن كل ما يجعل الحياة ممكنة والأمل بالتحرر حيا

أغمضي عينيك من عار الهزيمة
أغمضي عينيك 00وابكي ، واحضنيني
ودعيني أشرب الدمع 00 دعيني
يبست حنجرتي ريح الهزيمة
وكأنا منذ عشرين التقينا
وكأنا ما احترقنا
شبك الحب يديه بيدينا 00
وتحدثنا عن الغربة والسجن الكبير
عن أغانينا لفجر في الزمن
وانحسار الليل عن وجه الوطن
وتحدثنا عن الكوخ الصغير
بين أحراج الجبل 00
000000000
وستأتيني بطفله
ونسميها طلل
وستأتيني بدوري وفله
وبديوان غزل !
000000

ولعل في تحول الشاعر من حالة ( كنت ) إلى حالة (لنكن ) ولنبدأ وستأتيني وأغمضي عينيك ما يشير إلى جمال الروح عنده والحس المرهف بالحياة ونبض الشارع الذي يقرأ قصائده فهو انتقال من الفعل الفردي إلى الفعل الجماعي
ويحاول ان يبرر لنا غضبه وحزنه في ذلك الحوار الذي أجراه مع الفتاة الحبيبة
فغضب الشاعر كان سببه ما يحدث لنا منذ زحف التتار إلى بلادنا إلى انكسارات العرب الحديثة .
وهو لم ينقطع عن الحياة فقد بقي في ظل الدوالي وعند أبراج الحمام المحطمة , نايه مكسر وفمه محطم .
قلت لي – أذكر – :
من أي قرار
صوتك المشحون حزنا وغضب
قلت يا حبي ، من زحف التتار
وانكسارات العرب !
قلت لي : في أي أرض حجرية
بذرتك الريح من عشرين عام
قلت : في ظل دواليك السبيه
وعلى أنقاض أبراج الحمام !
قلت : في صوتك نار وثنية
قلت حتى تلد الريح الغمام !

والشاعر يحلم بالسلام على الرغم من جراحه و السلام الذي يريده يمر من بوابة الألم والدم فأي سلام يطلبه الشاعر00 ما شكله00 ما لونه ما طعمه 00000؟
جعلوا جرحي دواة ، ولذا ،
فأنا أكتب شعري بشظية
وأغني للسلام !
0000000
وتذكرنا أننا ابتعدنا كثيرا في أحلامنا فبكينا الواقع المرير وبكينا مثل طفلين غريبين كنا بحاجة للأمان فبكينا وها هو العجز يطل من خلال البكاء مرة أخرى فهل يجر العجز عن التغيير الشاعر إلى الاستسلام للحزن مرة أخرى ، ولكن كلمة شظية تشير إلى أنه في حرب وأنه في معركة فهو يقاتل طلبا للسلام
والكل يبكي: الذين في الداخل يبكون والذين في الخارج يبكون كلهم في أقفاص كالحمام يبكون فهل ننظم إليهم ؟
وبكينا
مثل طفلين غريبين ، بكينا
الحمام الزاجل الناطر في الأقفاص ، يبكي 00
والحمام الزاجل العائد في الأقفاص
00يبكي
ولا يستسلم الشاعر مرة أخرى للبكاء ولا يعاود النزول لأنه خاطب الحبيبة الصديقة المنقذة قائلا:
ارفعي عينيك
وكأنه يقول لها: هذه غيمة وستزول فلا تستسلمي لليأس ، ارفعي عينيك وواجهي الواقع فما زالت الأرض تنجب ، ولم ينته المشوار بعد ، فالأفق فسيح 00
ارفعي عينيك ! أحزان الهزيمه
غيمة تنثرها هبة ريح
ارفعي عينيك ، فالأم الرحيمة
لم تزل تنجب ، والأفق فسيح
ارفعي عينيك أيتها الفتاة الأرض الحبية فالشاعر يطلب منك ان ترفعي عينيك ، وأن تنظري إلى المستقبل وإلى الغد المشرق، و إلى الزوال الحتمي للظلام .
فهو من غيرها لا أستطيع أن يكمل المشوار، فيطلب منها أن تشاركه المسير ليقطفا الفرح:
ارفعي عينيك ،
من عشرين عام
وأنا أرسم عينيك ، على جدران سجني
وإذا حال الظلام
بين عيني وعينيك ،
على جدران سجني
يتراءى وجهك المعبود
في وهمي ،
فأبكي 00 وأغني
نحن يا غاليتي من واديين
كل واد يتبناه شبح
فتعالي 00لنحيل الشبحين
غيمة يشربها قوس قزح !
000000
وسيتحقق ما رسمناه وما حلمنا به : الكوخ والجبل والهدوء والطفلة طلل والورد والحب، وهذه أدوات الحياة الهانئة الوديعة
وسآتيك بطفله
ونسميها طلل
وسآتيك بدوري وفله
وبديوان غزل !!
لعل أكثر ما يلفت الانتباه في هذه القصيدة إلى جانب الفكرة الجميلة التي يطرحها الشاعر هو التكرار ؛ لقد كرر الشاعر استخدام الكلمات بصورة زادت من جمال القصيدة وأضفت عليها هالة سحرية لقد كان التكرار جزءا من العمل الشعري ولم يكن فضلة .
ومن صور التكرار في القصيدة :
تكرار الحرف وأقصد بالحرف : الحرف المنفصل عن الكلمة والحرف المتصل بالكلمة ,
فقد تكررت حروف المد في القصيدة فلا نجد سطرا إلا وفيه حرف مد بما يحمله حرف المد من ايحاءإلى امتداد الشعور وإطالته :
نازلا كنت : على سلم أحزان الهزيمة
نازلا 00يمتصني موت بطيء
صارخا في وجه أحزاني القديمة :
أحرقيني ! أحرقيني 00لأضيء!
هذه الأسطر أنموذج يدل على ما أقول، فقد جاء في السطر الأول كلمة نازلا وكلمة أحزان وكلمة هزيمة أما في السطر الثاني فنجد كلمة نازلا مرة أخرى وكلمة يمتصني وكلمة بطيء
أما في السطر الثالث فنجد كلمة صارخا وكلمة أحزاني وكلمة القديمة
ونقول لمن يتساءل عن دور هذه الحروف المكررة في القصيدة : إنها حروف عبرت عن الوجع أجمل تعبير ورسمت صورة لامتداد الحزن في نفس الشاعر بأدق الخطوط وأوضحها
وقد جاءت جزءا من كلمات اختارتها الأوجاع والأحزان لتكون دليلنا إلى حالة الشاعر بين حزن واستسلام وأمل وتحدي : يمتصني أحرقيني الهزيمة أجيبيني
ناي مكسر 000
ومن التكرار: تكرار الحرف المنفصل، كما في : تكرار حرف الجر( في)
الذي تكرر خمس عشرة مرة وهو تكرار يدلل على عمق الاتصال في الحدث والمكان ؛ فهي حرف يفيد الظرفية المكانية والزمانية
تكرار الكلمة :
وكرر سميح القاسم الكثير من الكلمات ، ولكل تكرار فائدته في مكانه، ولا نستطيع ان نفصل فوائد التكرار عن بعضها، كما لا نستطيع أن نقول : إن الموسيقى هي المستفيد الأكبر أو المعنى هو المستفيد الأكبر أو حالة الشعور هي المستفيد الأكبر لا نستطيع ان نقسم الكعكة فالعمل كل متكامل .
لقد كرر الشاعر كلمة (نازلا) وحمل تكرارها إلينا صورة من حال الحزن وصورة من المعاناة فهي ( نازلا ) بما فيها من دلالة على الانكسار والاستسلام وتكرار الكلمة تأكيد كل ما تريد أن تقول عن هذا الانكسار أيها القارئ .
وكرر الشاعر كلمة (كنت) وكأنه يريد منا أن نصدقه وأن ننصت إلى كلماته وان نتعرف إلى حالة ما حالاته كأنه يريد أن يقول : نعم لقد كنت أنا ذلك الذي كان نازلا نعم نعم كنت نازلا
وقد كرر الشاعر كلمة ( اغفري ) ليدلل على حالة من الندم والتوبة ومواصلة الدرب
ويكرر الشاعر كلمة( أحزان ) في بداية القصيدة ليدلل على الشيء العظيم الذي يسيطر عليه ويحتل روحه ولكن هذه الكلمة لا يعود لها وجود في حالة الشاعر الثانية . ويرتبط تكرار كلمة الأحزان بتكرار كلمة أخرى (الهزيمة ) فالهزيمة التي سببت لهذا الشاعر كل هذا الألم وكادت تهزمه فكررها ليؤكد شناعة عملها في داخله في الحالة الأولى يكررها في الحالة الثانية ليهزمها ولينتصر على جيشها من الأحزان واستعان على ذلك بتكرار ( ارفعي عينيك ) التي جاءت تحمل النداء للحياة والدعوة للمقاومة
إن تكرار الشاعر لكلمة ( عينيك) قد جمل المعنى وسرع الإيقاع و أعطى للقصيدة حيوية جديدة تدل على الروح الجديدة التي طفت على الأسطر الشعرية المتبقية وسيطرت عليها إنها روح الشاعر التي تغلبت على الأحزان وانطلقت0000

وقد كرر الشاعر السطر والمقطع ، كما في تكراره : واستوى المارق والقديس
ليدلل على شمولية الحزن والعار .وكرر الدفقة :
وسآتيك بطفله
ونسميها طلل
وسآتيك بدوري وفله
وبديوان غزل !!
ليؤكد أننا نسعى لرسم قوس قزح الذي يوحي بالفرح والدهشة البريئة
أما تكرار الفراغ والحذف وعلامة التعجب فقد أتقن الشاعر من خلال هذه كلها جر القارئ للمشاركة في الإبداع والتصور بل وجعله يرسم هو الآخر مع الشاعر قوس قزح
لقد استخدم الشاعر الإيحاء، بل وأغرق فيه حتى تحولت القصيدة إلى مستودع من الكلمات المتفجرة التي لا يتقن تفكيكها إلا من له الدربة والممارسة في تحليل وقراءة هذا النوع من القصائد بل إن القصيدة تحولت إلى شبكة كثيفة من الرموز حتى بدت لي عصية على الدخول
فهو حين يقول : تعالي لنرسم معا قوس قزح أوحى إلى القارئ بالمستقبل الوردي الذي ينظره
وهو عندما يقول : نازلا كنت أوحى للقارئ كم كانت اللحظة تعيسة وحزينة وصعبة

ها هي كلمات سميح القاسم في قصيدته العلم كما رأيتها . أرجو أن أكون قد استلمت من البحر الزجاجة الصحيحة وأن يكون البحر قدحمل إلي ما أرسله سميح .

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق