قراءات ودراسات

تجليات التناص في رواية “خرفان المولى” للروائي “ياسمينة خضرا”

قلم: أ. رفيقة سماحي.

نشرت رواية “خرفان المولى” للروائي الجزائري “ياسمينة خضرا” عام 1998 ويبلغ عدد صفحاتها 214 صفحة هذا عن الرواية الأصل وقد ترجمت الرواية بمختلف اللغات إلا أن ترجمتها باللغة العربية لم تصلنا إلا عام 2009 من قِبَل المترجم محمد ساري وبلغ عدد صفحات الرواية المترجمة 264 صفحة، وهي من الحجم المتوسط، وكان حديث رواية “خرفان المولى” عن العشرية السوداء في فترة التسعينيات، تروي أحوال الجماعة الأصولية وما قامت به من مشهديات دموية حيث أغرقت قرية  غاشيمات الجزائرية بسيدي بلعباس في تسعينيات القرن الماضي، وسواها من القرى المجاورة، و تركتها خاوية على عروشها، بعد أن نُهبت وأُحرقت وذُبح سكانها صغاراً وكباراً نساء ورجالا.

التناص الديني:

عبر رواية “خرفان المولى”استطاع ياسمينة خضرا بفضل خبرته وإبداعه استحضار نصوص غائبة في نصه الحاضر الذي وسمه بـ “خرفان المولى” حيث جاء محملا بدلالات تناصية عديدة من بينها النص الديني بشقيه القرآني والحديثي حيث قوي في الرواية ومثل النتاج الحقيقي والخلفية القارة والمخزون التراثي الإسلامي، الذي استحضره الروائي في عمله السردي لأجل الاستشهاد أو الاقتباس، أوممتصا له ومحاورا معانيه، ومن بين المقاطع السردية التي أعلنت جهارا عن الاستغلال الفني للنص القرآني، الحوار الذي قام بين قادة هلال وأمه قائلا:” هو داكن أبدا، لم تتصور أن بإمكانه إظهار عناد وإصرار بهذه الشراسة على شفا حفرة من الانتحار”1، و يعيد الروائي في المقطع السردي كتابة النص القرآني الغائب ويوظفه توظيفا فنيا للآية الكريمة ﴿ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ﴾2؛ حيث حافظ الناص على حرف الجر “من” وغيّر في اسم المجرور من “النار”  إلى “الانتحار”، وقد زاد هذا التحوير للآية الكريمة من عمق الدلالة وإكساب النص مسحة دينية تتماشى وقصدية المؤلف، أما التناص الحديثي فتجلى في توظيف الروائي توظيفا تناصيا بطريقة اجترارية للنص الحديثي في قوله على لسان عباس عيش “كل ماعدا ذلك بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.”3؛  تعالق هذا المناص و الحديث النبوي الشريف في قول الرسول الكريم “عَلَيكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةَ الخُلَفَاءِ مِنْ بَعْدِي..وَإيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتُ الأُمُور فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَة وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَة وَكُلَّ ضَلاَلَةٍ فِي النَّارِ”4، وقد أفاد الحديث أن اتباع السنة واجب، هذا التوظيف جاء ليبرر موقف إحدى الشخصيات – الشيخ عباس – من انتفاضها للواقع، ويتضح من خلال ماسبق أن المقطع السردي من الرواية مقتبس من الحديث الشريف لفظا ومعنى ذلك أن المؤلف لم يتصرف في نص الحديث عنوة، ليقوي حجته ويثبتها من جهة وليضفي على نصه نوع من القداسة والمسحات الدينية من جهة ثانية.

مما سلف يمكن القول إن حضور النص الديني – بشقيه القرآني والحديثي- في العمل السردي حرّك خيال المتلقي نحو الثقافة الدينية كما استطاع في الوقت عينه أن يطبع النص بطابعي الانفتاح والاستمرارية.

التناص التراثي:

كان لتوظيف التراث في الرواية نصيب وافر سواء التراث الشعبي أوالتراث التاريخي ويظهر التناص الشعبي عبر مقاطع سردية أكسبت الرواية جوا شعبيا ينم عن ثقافة ياسمينة خضرا الواسعة في هذا المجال، وذلك من خلال اعتماده التراث وسيلة لتبليغ مبتغاه، ومن بين المناصات السردية التي استلهمت نفحات التراث الشعبي المقطع السردي التالي: “هاجت الدرابيك الفخارية بمجرد جلوس صاحبات الجوق الموسيقي، فتعالى معها صراخ الأطفال.”5؛ جاء هذا المناص ليكشف عن عادة اجتماعية ورثها الخلف عن السلف وهي دق الطبول والأغاني والموسيقى معبرين عن فرحهم – كحفل زفاف مثلا – وغالبا ما ترفق الموسيقى بالرقص و في هذا الصدد أورد الروائي :”تحزّمت الأرداف والأوراك بالمناديل وبدأت ترتعد في رقصات شيطانية ، غير عابئة بالنظرات المستنكرة للفتيات المحجبات.”6؛ تداخل هذا المناص والرواية دلاليا من خلال كشف الروائي واستحضاره لبعض عادات المجتمعات الجزائرية أو العربية بصفة عامة، حيث انتقى الناص ذلك المشهد وصوره لنا بكل واقعية، وعليه فالتراث الشعبي كان وما يزال مصدرا يستمد منه الروائي أدواته الفنية والإجرائية إذ هو منبع استلهامه سواء على مستوى اللغة أم على مستوى الخيال ولحضور النص الشعبي في العمل السردي أثر بليغ في عملية الاتصال والتواصل بين الكاتب والقارئ، فهو تعبير عن واقع الشعب وهمومه ومشاكله وكذا أفكاره، ومن ثمة كانت له جمالية خاصة تتميز بالغنى والثراء، و يتصل العمل السردي كذلك اتصالا وثيقا بالتاريخ يتفاعل معه، مستنصصا أحداثه ومن بين التراكيب الدالة على ذلك في الرواية قول المؤلف، على لسان أحد الشيوخ :”قلت لكم بأنهم سيعودون ، لديغول حقد عنيد”7؛ إن ذكر المؤلف لديغول يستدعي لنا شارل ديغول ذلك الرجل السياسي والجنرال الفرنسي الذي عرف بنشاطاته في المجال العسكري، وعليه فإن المقطع السردي هاهنا يستدعي استرجاع الذاكرة التاريخية والعام الذي زار فيه الجنرال ديغول الجزائر 1958، مما أضفى على الرواية مسحة تراجيدية كشفت عن حال المجتمع الجزائري قبل الاستقلال ولاسيما في فترة نهاية الخمسينيات لما تولى ديغول حكم الجزائر، وما اتسمت به تلك الفترة من تخريب وتعذيب وتقتيل وهذا ما أكسب النص الروائي رونقا وجمالا فنيا تماشى وقصد المؤلف.

التناص الأدبي:

إضافة إلى التراث نلفي تناصات وأقوال وشخصيات أدبية استدعاها الروائي بطريقة حوارية وعبر عنها المقطع السردي التالي الذي زاوج فيه الروائي بين المناص الديني بذكره لكتاب الله والمناص الأدبي من خلال إشارته لبعض الأدباء والكتّاب الغربيين أمثال كارل ماركس وسارتر ودانتي أليغيري وذلك في قول الروائي:” حينما تقترح عليهم كتاب الله الكريم ، يشهرون في وجوهنا كتابات ماركس وسارتر ودانتي “8، عبر هذا المناص تظهر المفارقة العجيبة بين الكتاب المقدس والكتابات الغربية الأخرى تتحدد الوجهة الجمالية والفنية للنص الروائي وتنكشف اللمحة الفكرية والنفسية لبعض الشخصيات، تلك التي تقترح الكتاب المقدس على الآخرين، ويقول الروائي في موضع آخر مشيرا إلى أسماء بعض الكتّاب والفلاسفة والشعراء العرب والغربيين أيضا في قوله :” على اليمين، إنه أحمد شوقي. أما هذا الشاب إنه أبو القاسم الشابي – وهذا الجندي؟- غييوم أبو لينار.” …على اليسار، إنه نيكولاي أستروفسكي. هنا، توماس مان وهناك محمد ديب. “9 ؛ بنية النص الروائي:

على اليمين:

أحمد شوقي ، أبو القاسم الشابي ، غييوم أبو لينار                    كلهم شعراء.

على اليسار:

نيكولاي أستروفسكي ، توماس مان ، محمد ديب                    كتّاب وروائيون.

إن ذكر المؤلف للشعراء والكتّاب والفلاسفة عربا كانوا أم غربيين ينم على ثقافته المتنوعة ومدى معرفته المزدوجة بالعلم والمعرفة التي لا حدود لهما ، وبعد بصيرته الثقافية العربية والأوروبية من خلال إبرازه لبعض الشخصيات والتعريف بهم.

التناص السياسي:

للتناص السياسي حظ كبير في الرواية بعدّ الرواية كتبت عن العشرية السوداء في الجزائر وعن فترة التسعينيات وبعد الروائي “ياسمينة خضرا” من أبرز رواد الرواية البوليسية العربية المكتوبة باللغة الفرنسية حيث يصور لنا بعض المشاهد سواء تلك التي تعلقت بالاستعمار الفرنسي قبل الاستقلال أو التي ما زالت مستمرة بعده، ولم يكتف الروائي بهذا فحسب بل قام بتعرية الواقع الجزائري في فترة التسعينيات، كاشفا عن تمرد فئة من الشعب على السلطة – في تلك الفترة – و من بين المناصات الدالة على ذلك “-إن الجزائر العاصمة تشتعل نارا وتنزف دما”10خصّ هذا المناص عاصمة الجزائر بالذكر حيث وصف أحوالها، كاشفا عن الحرب التي خاضها الشعب ضد السلطة من حرق وتخريب للمحلات والبنايات الإدارية، مما انجر عنه مئات القتلى وهذا ما يؤكده قول الروائي :”-الدزاير في حرب . مئات القتلى. الشعب ينتفض ضد السلطة”11، حيث أفاد هذا المقطع السردي وبرّر المناص السابق و قام بخرق البنية اللغوية والدلالية من خلال ملفوظ ( الدزاير) كما استطاع أن يأسر- بطريقة ذكية- المتلقي ويجذبه لتتبع أحداث النص الروائي  ونجد في الرواية إشارات لبعض الأحزاب السياسية كحزب الجبهة الإسلامية للإنقاذ كقول الروائي : “نجحت الجبهة الإسلامية للإنقاذ في انتخابات البلدية نجاحا ساحقا”12 استحضر هذا المناص مرحلة الانتخابات السياسية التي نجح فيها حزب الفيس (FIS)، هكذا كان التناص السياسي حاضرا بواقعيته المباشرة ليكشف لنا عن أجواء العشرية السوداء وعن الظروف العصيبة التي عاشتها الجزائر فهي لم تمس فئة معينة من الشعب بل مست الشعب ككل.

نستشف مما سلف، هيمنة صوت الكاتب على تلك المشاهد، ليكشف للقارئ بشكل مباشر عن الواقع السياسي المرير الذي عاشته الجزائر في فترة من الفترات، وهذا ما أعطى لتلك المناصات شحنات دلالية وجمالا فنيا أبدعه المؤلف، ومن خلال تلك التداخلات النصية السياسية يظهر لنا جليا كيف استطاع المؤلف أن يعبّر عن الواقع الجزائري في فترة ما ، بكل تشعباته وتناقضاته، مما تبين للقارئ معرفة أحداث الجزائر أو استرجاع الأزمة الماضية التي عبرت عنها فترة التعددية السياسية والحزبية هذه الأزمة القائمة على مشروعية السلطة مما أدى إلى اكتساب النص مسحة درامية تفوق ذلك إلى الملحمة.

من خلال استقراء النص الروائي “خرفان المولى” واكتشاف النصوص الغائبة فيه اتضح لنا أن الروائي “ياسمينة خضرا” لم ينطلق من فراغ عند كتابته للنص الروائي الذي جاء مثقلا بتراث ضخم سواء كان هذا التراث ديني أم تاريخي أم شعبي أم أدبي أم سياسي، مما ولد في النص الحاضر فاعلية الخلق الفني.

الهوامش:

1. ياسمينة خضرا ، رواية خرفان المولى ، ت: محمد ساري ، دار سيديا ، الجزائر 2009 ص:45.

2. سورة آل عمران الآية (103).

3. الرواية ص:66.

4. محمد علي الصابوني ، صفوة التفاسير ج 9 ص:29.

5. الرواية ص: 100

6. الرواية  ص، ن.

7. الرواية ص:60.

8. الرواية ص: 82.

9. الرواية ص: 85-86.

10.الرواية ص: 60 .

11.الرواية ص، ن.

12. الرواية ص:113.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

رأي واحد على “تجليات التناص في رواية “خرفان المولى” للروائي “ياسمينة خضرا””

  1. ابحث عن كتاب التناص في رواية خرفان المولى من تاليف رفيقة سماحي رجاء او ان امكن ان اتواصل مع رفيقة سماحي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق