الموقع

وعي سياسي في مأزق

إذا لم نكن نعرف إلى أي مكان نتجه بوعينا السياسي، فسوف ينتهي بنا المطاف بمكان غير الذي نريد، إننا أشبه بالذي يمشي إلى جهة مجهولة لا يعرف أين تكون النهاية؟ وكأن أذهاننا معطلة، وأفكارنا في عطلة مدفوعة الأجر إلى أجل غير مسمى. نعم، إن هذا ما جعلنا نصل إلى مشارف الهاوية، بعد قطع مسافة من السنين ونحن بلا وعي، وكأننا تحت مخدر عقلي، بالرغم أننا اجتزنا الكثير من الخطوط الحمراء، والعديد من إشارات التوقف، لكننا في غفلة معرضون.

هذا هو الوصف الذي يمكن أن نصف به فكرنا السياسي، إننا في مأزق، إننا على وشك السقوط في فجوة الظلام، لقد أصبح الوضع مقلقاً إلى حد كبير حتى أصبحنا لا ندري هل نحن على خطأ أم على صواب من كثرة ما يجول حولنا؟

ما يحدث لنا الآن من جمود الوعي، أمر يدعو إلى التساؤل والتعجب؟! فإذ كانت هذه الأمور تحدث بمحض إرادتنا كسلوك سياسي جماعي، فهل نشعر بالرضا عن أنفسنا كأفراد وأشخاص؟ علينا أن نكون صادقين مع أنفسنا، وأن نعترف أنه لن يتغير شيء، على حسب المعطيات الموجودة على أرض الواقع، لأننا وبكل بساطة غير قادرين على تغير أنفسنا، والسبب واضح وجلي، وهو أننا بُرمجنا على ذلك، وأصبحت عقولنا تحمل أفكار مبرمجة على عدم التغيير.

يجب التفكير خارج الصندوق المغلق، وأن نبدأ بالخطوة الأولى لقطع الألف ميل، والنهوض من سباتنا للوصول إلى الوعي المطلوب والخروج من أزمة العقل الجامد، الذي جمد معه الإبداع والتنمية، وبالتالي أصبحنا كشعب نعيش داخل قطعة جليد في عالم قد سبقنا بآلاف السنين الضوئية.

إننا نشعر بالخجل عندما نصف وضعنا السياسي بين الأمم، إنه ينتابنا الاشمئزاز عندما نرى أحولنا الاقتصادية والتنموية المزرية، علينا أن نضع كل هذا على المحك ثم أن نسأل أنفسنا من جديد، ما الذي أوصلنا إلى هذا الحال؟ لنجد جواباً تلقائياً، إنه الوعي السياسي المعطل.

قد تبدو هذه المعضلة تكمن في أن النظام يرى ممارساته السياسية تقع في الجزء المملوء من الكأس، عكس المعارضة التي ترى أن هذا الأمر يقع في الجزء الفارغ، لأن الدولة تركز على النقاط التي ترى أنها مقبولة وتريد تحسينها، بعكس المعارضة التي ترى أن هذه النقاط هي فاسدة أصلاً، ويجب تغيرها من الجذور، وليس التحسين فحسب.

إذن، أليس من الواجب علينا قراءة بعض المواقف السياسية بمنطلق فكري، للوصول إلى تحليل أدق وموضوعي، وبأسلوب أعمق وأشمل؟ وكيف نصل إلى درجة تأجيل الأحكام حتى يتم اكتشاف كل أبعاد الموقف، والوصول إلى أفكار السياسة التوافقية ثم تطويرها؟ ولماذا لا نفرق بين الإدراك السلبي لجوانب الفكرة السياسية الجيدة، وإبراز المثيرة منها؟

إن المشكل الأساسي في استعمال المواضيع الحساسة للدول، سواء من جانب الأنظمة أو المعارضات، هو في عدم استخدام أسلوب الثوابت الموضوعية لتحليل المنطلق الأيديولوجي، وبالتالي فإن معظم الأحكام تبنى على ردود أفعال عاطفية وذاتية، وليس على قيمة الفكرة نفسها، فيعطي هذا لأسلوب فرصة لتحليل ومعالجة الأفكار تمهيداً للحكم عليها، وبالتالي الخروج بنتيجة واقعية تجعل الوعي السياسي في بلادنا غير معطل.

قلم: أبو محمد عبد الرحمن

كاتب جزائري

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق