قراءات ودراسات

قضية الوطن في رواية ” ملنخوليا، أنت أو لا وطن”

بقلم: سمير أوربع

قرر الكاتب مراد الضفري في روايته “ملنخوليا أنت أو لا وطن” وهي الجزء الثاني لرواية “الوطن ليس هنا”، أن يجعل لسان روايته لغة عارية، لا تتردد في تصوير تراجيدية المشاهد العنيفة، وربما الصادمة أحيانا، في قالب محكي يلتقط مادته من عوالم القلق الوجودي، والهوس بمجد بطولي يؤسس لوطن مشتهى، مع ميله إلى سبر أغوار جزء من الواقع السياسي المعاصر، من خلال تشكيل صور تقوم على منطق التناوب السردي بين بطلي الرواية (طارق وليلى)، وهما يجسدان أزمة المناضل المغربي، الراكض خلف التحرر والانعتاق من الاستبداد والقهر، كصورة مصغرة لما يعيشه مرضى الوطن.
بطل الرواية طالب جامعي أنركي يدعى طارق ولد الخيل، المشبع بأفكار ثورية مناهضة للاحتلال الصهيوني، قادته للهجرة إلى فلسطين بحثا عن موته المشتهى، وحين يفشل في ذلك يعود إلى أرض الوطن حاملا خيباته، بحثا عن أريكة حب تنقذ آخر أحلامه من سقوط محتمل، وقد تجسدت أفكاره النضالية عبر امتداد فصول الرواية، من خلال اشتغال تقنية الاستذكار كآلية لتصوير الاحتقان النفسي والعقلي الذي عاشه طارق وباقي رفاقه، إذ تعود به الذاكرة إلى لحظة تواجده رفقة أماليا عاشقته الإسرائلية “جلست على السرير أضغط على رأسي بكلتا يدي كي تغادرني أصوات القنابل والمدافع وصور الحرب وأشلاء شهداء فلسطين”. وتأتي الملفوظات الحوارية في الرواية مفعمة بفلسفة التساؤل والقلق والرغبة في الخلاص، وهو ما يؤكد أن المبدع مراد الضفري سخر آلة الكتابة ودينامية السرد لمحاكمة وطن ترك شبابه على الهامش، كمنطلق لرسم عوالم حلم مارد ” إنها قصة جيل بأكمله مع أحلامه الضائعة. كان طارق في الجامعة يصارع الدنيا بأكملها من أجل فكرة الوطن الذي يحلم به”. هذا وقد ساهم الحوار في تكسير رتابة السرد، وفسح المجال أمام الشخصيات لنقل مواقفها ومشاعرها المتوافقة والمتصارعة، في إطار وجودي يستمد مشروعيته من سؤال فلسفي من أنا؟ من قبيل حوار طارق مع نرجس حول قضية إخفاق الرفاق في الدفاع عن القضية الفلسطينية، كمظهر من مظاهر فشل البطل، والتي دفعته إلى رفض انضمامه لصفوف حركة “نحن نستحق” التي أسسها رفاقه ( ليلى، ناصر، يوسف، نزهة، بركات، عبد الصمد…)، وكأن الرواية تقدم للقارئ مشروعا سياسيا بديلا، في ظل أزمة المشهد السياسي المعاصر بصرف النظر عن مدى قابليته للتحقق، إذ دعت الحركة في أول بيان لها إلى حل الأحزاب السياسية وخلق نخب سياسية جديدة، لكن مطالبها سرعان ما تلاشت بعد اعتقال معظم عناصرها. ومع تصاعد “ملنخوليا” البطل نتيجة اعتقاله بموجب مذكرة من الضابطة القضائية على إثر مقتل رفيقه نجيب الصحراوي، وإخلاء سبيله بعد تحقيق فارغ ، قرر قبول طلب السيدة استر والدة أماليا التي طلبت منه مرافقتهم إلى إسرائيل، غير أن نبأ وفاة الشابة الفلسطينية سلوان، دفع طارق إلى التراجع عن الهجرة إلى إسرائيل ” لن أذهب إلى من قتلوا شعبي، لن أذهب عند قتلة سلوان….اذهبي واتركيني وشأني”.
مع توالي نكسات ولد الخيل، سيقرر البطل الإشكالي الانتحار شنقا في شقته، بعد ليلة صاخبة قضاها راقصا على أنغام نهاياته رفقة رجاء الغالي أثناء تواجدهما بمطعم لوكراند كومبتوار، ” وضعت عقدة الحبل على عنقي وضيقت الحلقة جيدا حتى ابتسمت وأنا أتخيل الحبل آخر ربطة عنق أحزمها على قميص بذلتي السوداء” ص 230.
إن الرواية أشبه بمصحة عقلية تعكس الحياة الخارجية، إذ عاش طارق ولد الخيل حياته العاطفية متنقلا بقلبه المستعمل بين عاشقاته اللواتي ارتمى بين أحضانهن فارا من جحيم حلم الوطن وفشل مشروع القومية العربية، بعد فشل علاقة حب دامت عشرين سنة كانت قد جمعته بليلى، والتي قررت بدورها الزواج بالطبيب جلال هاربة من آهات الحب، واتخذت من النضال سبيلا لتحقيق حلم ولادة وطن جديدة يستجيب لطموحات وآمال فئة واسعة من أبنائه. وحين ينتهي شريط زواجها الزائف تقرر الطلاق والعودة لطارق جرحها الأبدي، حيث تنبؤنا الرواية عبر زمنها الاستباقي بأحداث ستقع في الزمن اللاحق للسرد، بعد نجاته من الموت وفقدانه للذاكرة، عازمة على الهجرة بمعيته إلى كندا، ” سنهاجر إلى كندا ونبدأ حياة جديدة هناك…سنشيخ معا ونحن نرقب ابنتنا ليال وهي تكبر وتصير عروسا “
إن النتيجة المعلنة في المقطع الختامي من الرواية، جاءت معاكسة لحالة البداية، إذ ينطلق مسار الخطاب من بداية دالة على الانكسار ين العقلي والنفسي، وتنتهي ب”عودة الروح” والاستقرار النسبي للحياة النفسية للبطلين، ولو على حساب ذاكرة مفقودة قادت صاحبها نحو الجنون.

*باحث مغربي

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق