قراءات ودراسات

قراءة قي رواية “هجرة الآلهة والمدائن المجنونة

عفيف قاووق

هجرة الآلهة والمدائن المجنونة رواية للدكتورة “ناتالي الخوري غريب”. صدرت عن دار سائر المشرق العام 2016 . العنوان بحد ذاته يستفزك كقارىء ويجعلك تتساءل : من الذي قام بفعل الهجر ؟ أهو الله من هجر هذه المدائن بشعوبها وتركها تمارس جنونها؟ أم العكس فالمدائن جُنَّ شعبها لدرجة إنها نسيت الله وهجرته.؟ أم هي هجرة متبادلة بين الله وشعبه؟!
الشخصية المحورية لهذه الرواية هي سامح الشيخ المعمم من حمص حيث يعاتب الله ويلومه بأقسى ما يمكن محملاً إياه مسوؤلية ما أصابه نتيجة المعارك التي دمرت منزله وقتلت زوجته ليمسي شريدا مهجرا مع أطفاله الصغار. فكان ألإيمان اول ضحايا هذه الحرب. تبدأ الرواية بالسؤال: هل هجر الله شعبه؟ لتكر بعده سبحة من الأسئلة المشابهة المشوبة بالشك لدرجة الكفرهذه الأسئلىة تُحرضُك لمتابعة القراءة وهنا نورد نموذجا من هذا العتاب-اللوم:( كيف تسمح بذلك يا ألله؟! كيف تسمح بأن تتقاتل شعوب بإسمك؟! وهل تُسَر أن يُكَبر بإسمك فوق أعناق ذُبِحَت؟! وإذا كنت كلي القدرة يا الله، وكُلي الخير، كيف تخطف إمرأة ، قلبها حديقة فضائل ونهارها تسبيح وليلها سجود؟! ألم تدرِ بعد يا الله أن كلاّ منهم صنع لك تمثالاً وفصل لك لباسا يناسبه هو؟ ألم تدرِ أن كلاَّ منهم يراك صورة عن حاجاته هو ؟!.ليعود ويسأل أين هو الله؟ ألا يرى ما يحل بالأرض؟ أين رحمته ؟ أين حبه؟ أين عدله؟ وينهي مناجاته بالقول، ربي، هل ما أبحث عنه كثير؟) لكنه حين سمع صوت المؤذن للصلاة شعر بنفسه يجود الآيات وبكى وسجد حيث هو رافعا يديه للسماء مستغفرا ربه يطلب رحمته.
تبدأ رحلة “الشيخ” سامح بعد أن خلع زيه الديني ليتنقل بين أرجاء الوطن السوري الممزق وبعد ان أفقدته الحرب أيضا أطفاله ،وبعد أن شهد الكثير من المعارك والدمار وكاد أن يقتل على أيدي مجموعة متطرفة ، إنتقل إلى لبنان حيث صديقه “حبيب سعد ” الشيوعي الماركسي ألذي ساعده في تأمين عمل له كمراسل لإحدى القنوات التلفزيونية. إنتدبته لتغطية ألأحداث في إفريقيا في فترة إنتشار فيروس إيبولا ونقل معاناة الناس ولم تترك الكاتبة موضوع الإغتراب وخاصة الإغتراب اللبناني في إفريقيا يمر دون أن تشير إلى المأساة وحجم المعاناة التي يعاني منها الجسم الإغترابي .نتيجة الإهمال من قبل دولته حيث لا توجد خطوط رحلات جوية إلى معظم بلدان القارة السوداء فالمغترب اللبناني معرضا للإلغاء والشطب من سجلات الأحياء كونه أصبح مشروع ضحية طيران غير آمن ، في إشارة الى الكوارث الجوية التي أصابت اللبنانيين في الماضي القريب.
بعد عودته من إفريقيا توجه إلى العراق لتغطية عمليات المجازر والإبادة التي تعرضت لها طائفة الإيزيدين. وبالمناسبة الرواية تعرفنا ولو بنبذة موجزة عن المعتقد الأيزيدي او الأيزيدية التي ” تعد من أصغر الأقليات الدينية في العراق ،وهي مزيج من الديانات اليهودية، المسيحية، الإسلام والفارسية القديمة. يؤمنون بإله واحد وسبعة ملائكة يرأسهم ملاك أسمه الطاووس . وهي ديانة باطنية لا يعتنقها إلا من ولد بها ويعرف إلههم الاعظم بإسم ” إيزيدان”وكلمة الأيزيدية مشتقة من الكلمة الفارسية أيزيد التي تعني الملاك أو الإله.
وخلال وجوده بالعراق إلتقى سامح بأحد مشايخ الحركة الصوفية الذي يعلمه كيف يعيش السكينة في ظل الضجيج القائم .وعندما رغب سامح بالالتحاق بالخلوة الصوفية ظنا منه انه بذلك يتصالح مع ربه .كان جواب الشيخ أن عليه التصالح مع ذاته أولا حتى يصبح جاهزا للتصالح مع الله وأعلمه أن الصوفيين إضطهدوا وكفروا من قبل الاخرين وقتل بعضا منهم كمثل الحلاج الذي قتل وصلب.
عاد سامح مرة أخرى إلى لبنان. وفي حله وترحاله كان الحزن مسيطرا عليه وفقد ثقته في كل شيء حتى إنه فشل في نسج علاقة حب جديدة مع زميلته هبة فقد بقيت مأساته بفقد الزوجة والأطفال ماثلة في وجدانه.
خلال عمله كمراسل ومن خلال النقاشات التي درات بينه وبين من إلتقاهم حاول أن يسلط الضؤ على إشكاليات أفرزتها الأحداث . فكان السؤال هل هذه الحرب التي نعيشها هي حرب بين الإيمان والكفر؟ فإذا كان من لا يؤمن بالله يعتبر كافرا ، ماذا نسمي أولئك الذين يقرون بوجود الله لكنهم يقتلون بإسمه من أجل أن يكونوا ورثته الشرعيين ويعتبرون أنفسهم معلمي الإيمان والمرشدين إلى طريق الهدى –صفحة 163-.وعن أسباب هذه الحرب العبثية يتساءل هل الأرضية الدينية هي التي تهيء لنمو الإرهاب ؟ وهل ثمة ثغرة ما في كل دين تجعله يكفر الآخرين؟ ولفظاعة مشاهداته للجرائم المرتكبة تحت الشعار الديني فلا يعقل أن يكون إله داعش هو نفسه إله المسيحيين الداعيين إلى المحبة ، أو أن يكون هو نفسه إله الإسلام الداعي الى السماح والسلام .فهل ثمة آلهة عديدة إذا تتناحر ليكون البشر أضاحي لها . (ص 156) هؤلاء البشر التي أصبحت أقصى أمانيهم، كسرة خبز وجرعة ماء وبعض أمان فقط لا غير. (ص 15)..ولم تغفل الكاتبة عنصر المؤامرة والتدخل الخارجي فيما تتعرض له المنطقة من ويلات فلا يعقل أن يكون أبناء الوطن هم من يقتلون حُماته أو العكس . ولا يعقل أن يكونوا هم من يدمرون حضارة بلدهم وآثاره القديمة . حتما إن من يرتكب هكذا جرائم ليسوا من أبناء الوطن فمهما قسا الإنسان على وطنه فلن يدمر أرض أجداده التي تختزن مجد أمته. وعليه إذا كان لا بد من رصاصة تطلق فالرصاصة التي نحتاجها هي تلك الرصاصة الي تفرغ في صدور الأغبياء الذين يفتحون أبوابهم للغرباء (ص189).
من خلال حوار سامح ( الآتي من خلفية دينية) مع صديقه حبيب (الماركسي). فإننا نكتشف مساحة مشتركة جمعتهما اوجدها هذا النقاش عندما كان محكوما بالعقل والمنطق بعد أن تخليا معا عن التعصب الفكري والتزمت الديني .فكان تلاقيهما تحت مظلة العلاقات الانسانية، بعيدا عن التجاذب السياسي والعقائدي فلم يعد إيمان رجل الدين مجرد طقوس، ولم تعد الحزبية تعصباً أعمى للفكرة. وخلُصا إلى ضرورة ان ألا يوظف الدين في غير الوجهة الصحيحة ، وأن يكف المتاجرون بالدين عن تحويل النفوس المتحمسة إلى عبوات ناسفة. فالخلاص لا يتحقق إلا عن طريق العقل الواعي. فتنتظم علاقة الفرد بالفرد وبالمجتمع والدولة وأيضا علاقته بربه. ومن حق أي كاهن أو معمم أن يكون رجل سياسة. لكن ليس قبل أن يخلع عنه ثوب الدين.
ختاما ، الرواية تنفي أن تكون المشكلة الحقيقية مع الله (أو الآلهة) – بل هي نتيجة لهوس الذين يريدون تنصيب أنفسهم آلهة. الذين قرأوا التاريخ فأرادوا إعادة الجزء الذي يناسب مطامعهم. الذين بحثوا في النص الديني عما يثبت مكانتهم ويضمن مبايعة الآخرين لهم.. وأختم بالسطر الأخير من الرواية :” أبحث عن كون ، تكون فيه المحبة وحدها هي الإله والهوية والإنتماء والجذور، ربي هل ما أبحث عنه كثير؟!”

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق