ثقافة السرد

الجزء 24 من رواية المأساة الفلسطينية (حرمتان ومحرم)

للروائي صبحي فحماوي

 الجرافة المجنونة!

تعود الحرمتان للمرّة الثانية مع محرمهما إلى معسكر الحصار المكتظ باللاجئين المعتّقين، فتشاهدان حالة يرثى لها، الغبار والنفايات تهاجم الحارات والشوارع، وجرافة كاتربلر عملاقة تنفلت من عقالها، وتجرف العمارات وتعتدي على قيعانها، وأطفال يتراكضون هنا وهناك، يرجمون الجرافة بالحجارة، وآخرون يحملون لافتة عريضة كتب عليها:(لا تُجرِّفونا، نريد أن نعيش) وامرأة شقراء من جماعات السلام العالمي وحقوق الإنسان ترفع علماً أبيض، وتتراجع أمام الجرافة المتقدمة، محذرة إياها من التمادي في تدمير البيئة، وإذلال الإنسان. بعد ذلك ستعلن الصحف ووسائل الإعلام أن اسمها (راشيل كوري) وأنها أمريكية الجنسية، وأنها كانت مخطوبة لعشيقها وحبيب عمرها (تود)، وتنوي العودة لتتزوج منه، ولكنها كانت تفكر بأن تقدم مهرها لعريسها على شكل موقف، تستحق معه أن تعيش حياة زوجية سعيدة، إذا استطاعت أن تخفف من عذابات هؤلاء الفلسطينيين الذين جُرفت بيوتهم الطوبية المصابة بهشاشة العظام، وإذا عملت على وقف هذه الجبال الآلية المجنزرة المجنونة المتحركة نحوهم، والتي لا تبقي ولا تذر، وأنها كانت تدفع مهرها لحبيبها على شكل ضمة من السلام، وبعد تحقيقه، ستفرح بزواجها واستقرارها الأبدي، وتصنع جنة من السلام هناك عند حافة الجحيم. ولكن الجبل الحديدي المتقدم نحوها لا يمهلها، بل يأخذها في طريقه، ويرسلها إلى جنة خالية من السلام!
تصرخ راشيل كوري بالمجند السائق بصوت عالٍ:
“الآليات جاءت لترسيخ حضارة الإنسان، وليس لتدمير بنيته التحتية، وإرجاعه إلى عصر الإنسان الأول!” ولكن الرجل الآلي لا يسمع صراخها، بل يتقدم، والفتاة الجميلة تتراجع، وتواجه الجرافة بالعلَم الأبيض، ولكنها تنتبه إلى أن ظهرها صار يستند على حائط العمارة التي جاء دورها في الهدم!
الناس يتصايحون، ويحملون الممكن من أمتعتهم، ويبتعدون، وامرأة تحمل طفلها الرضيع بكيس معلّق على كتفها، وتجر بيديها الاثنتين طفلين آخرين، وبأسنانها تلتقط فم بقجة لا نعرف محتوياتها، وتنظر إلى كاميرات التصوير بتحدٍّ، مثل قطة تنقل أولادها، وتجري مع حمولتها وهي خائفة مرعوبة، والفتاة الشقراء تستصرخ الضمير الإنساني بأعلى صوتها، والجبل الحديدي يتقدم، والشابة الجميلة ترفع بيدها اليمنى علماً أبيض، وباليسرى ترفع شعرها الأشقر، وتصيح: “ارحمونا. نريد أن نعيش!” والجرافة مستمرة بتقدمها..فتشتبك أصابع قدمي الصبيّة الشقراء الزهرية بأسنان حديد الجرافة المنطلقة من عقالها بكل عنفوان الآلة -المأخوذ اسمها من الإله- فتقع الشابة على الأرض، ويتكسّر الجسد الأفروديتي المتناسق الجمال والروعة، وتنشق الشمامة الزهرية إلى عدة فلقات، فتنساب منها دماء زهرية الحمرة!
*****
وفي الحواري والأزقة يتحرك الناس في محيط سجنهم الكبير، فيأكلون فتات الأطعمة، ويشربون مياه المصارف الزراعية التي يتفضّل عليهم بها ذوو الحضارة الديمقراطية الحرة المتعددة الجنسيات المتحدة ضدهم والأطفال لا يجدون لهم حدائق يلعبون فيها، فيصرفون طاقاتهم الفتية برجم الجرافة المجنونة بالحجارة والجرافة لا تلتفت إليهم، بل تواصل تقدمها بكل نشاط وجدّ واهتمام، والعرق يتصبب من جباهها الفولاذية الصفراء، بينما العمارات الكرتونية في حي “سلام الشجعان” وأحياء كثيرة محشوة باللاجئين المخضرمين تتهاوى بمن فيها. وبعض خيام صغيرة نصبت في الساحة الواسعة وسط المعسكر وأطفال صغار وعجائز يدخلون ويخرجون من عقالها.
يحمل طفل قطعة خبز جافة، بينما ينساب مخاط أصفر من أنفه، والذباب يهاجم محيط فمه، وحمامته الصغيرة بحجم قرن البامياء الصغير تطل من بين فخذيه العاريتين، وهو يضحك لكاميرا الصحافة، ويرفع لها إصبعي يده اليمنى؛ الشاهد والسبابة، بعلامة النصر، ويمسك حمامته (قمع البامياء) بيده اليسرى، كل ذلك تحية للكاميرا التي تصور هذا الشعب الذي رُسم له أن يكون متخلِّفاً، بهدف عرض صوره، بصفته لا يستحق الحياة، فيجري تجريفه وطمره تحت التراب، واستبداله ب “شعب الله المختار”، شعب حضاري ديمقراطي تكنولوجي عولمي، يأكل بالشوكة والسكين، ويتبول في مراحيض من العاج، ويغتسل بمياه بكر مُنقّاة، تخرج من صنابير ذهبية، ويأكل الكافيار، في أرض اللبن والعسل!
*****
فجأة تدوّي أصوات انفجارات! وبعد انقشاع سحابة دخان قنبلة هيروشيمية صغيرة، وتبيُّن وضوح في الرؤية، تختفي ملامح محددة العودة. يهجم الناس..هنا كانت محددة ودكاكين مجاورة لها..معالم المنطقة كلها قد اختفت! لا يشاهدون أمامهم سوى حفرة كبيرة مملوءة بقطع حديد مطعوج، ومعالم متناثرة. يبحثون عن الحداد جهاد، وعمن كان معه في المحددة لحظة الانفجار. لم يكن هناك سوى بعض قطع من اللحم، وبقع من الدم، وبقايا حديد أسود في بؤرة جورة في الأرض! أسلحة الدمار الشامل نثرت التراب المحروق على كل مكان. جثث الحداد جهاد ومن معه صارت بقايا نُتف. صبغت المحددة بألوان سوداوية مطرطشة باللون الأحمر. يتجمّع أهل المعسكر حول جورة الانفجار وداخلها.
تشاهد تغريد وماجدة وأبو مهيوب دماراً لم يسبق لـه مثيل، يندفع الشباب فيجمعون قطع اللحم ونتف العظم. يلفون ما جمعوه في علم فلسطيني كبير إذ لا يستطيعون تمييز بقايا الشهداء بعضها من بعض، فيجمعون أشلاءهم كلها في علم واحد، ثم يضعونها في تابوت مخصص لهذه المناسبات، ويحملونها في زفة عرس كبير إلى مقبرة الشهداء، حيث يسير في جنازتهم خلق كثير، يهتفون باسم الله والوطن والشهيد، ويحلفون بالله العلي القدير أن ينتقموا لهم خير انتقام !

أنوثة ساحرة !
السنة التدريسية الخامسة مأساة في عيون المعلمتين، إذ يغوص أبو مهيوب في عمل الحدائق، ويتخلى عن تعاونه مع مدير الزراعة الذي كان يفرض عليه أتاوة شهرية ثقيلة. صارت فرص العمل تتأتى لـه من جيران ومعارف أصحاب الحدائق التي يشتغل فيها، (ويا بنت قولي لأختك) فالمرأة تقول لأختها أو لصديقتها أو لجارتها، والرجل يبلغ صديقه قائلاً: عندنا بستاني شامي يتقن عمله، وهو محترم، وموثوق به، فيحصل أبو مهيوب على عمل إضافي جديد؛ فيعمل عند هذا ثلاث ساعات، وعند تلك ست ساعات، وهكذا يبرمج وقته، ويتنقل بسيارته التي غيّرها، واشترى بدلاً منها ناقلة يابانية صغيرة ذات صفين محترمين من المقاعد.
بدأت النعمة تظهر على أبو مهيوب، وأما النقود فلا تستقر في جيبه، بل تسيل باتجاه البنك. تشعر البنتان أنه لم يعد يُقتِّر في المصروف، بل صار يسترعي اهتمامهما إلى مفاهيم جديدة مثل جمالية الشقة التي انتقلوا إليها، فتقول لـه ماجدة مداعبة:” أيوه يا أبو مهيوب، الأشياء صارت معدن! ” فيدرأ الرجل عنه الحسد قائلاً : “هذه من نعم الله. وتقديراً لحمده، سيكون سكنكما في الشقة على حسابي، ولن آخذ منكما بعد اليوم حصة من أجور أعمالكما، فأموالكما حِلٌّ لكما، وأنتما الآن محرمتان في عنقي، وأنا أترك لكما الإنفاق على مصاريفكما الشخصية والطعام والشراب، وما عدا ذلك فهي على حسابي الشخصي.”
تدهش الصبيتان من قراره هذا، وتتخيلان أنه قد وجد كنزاً، والحقيقة أنه لم يجد غير مردود الجدِّ والتعب والمتابعة، فصار إيراده محترماً . شعر الرجل أن أقدام البنتين هي التي جرّته إلى هذه النعمة التي لم يحلم بها مالياً، فشكر ربه بأن ردّ لهما الجميل، ولأهلهما المحتاجين لكل قرش تحصلان عليه، وأشعر هذا السلوك البنتين بدفء أبو مهيوب وحنانه وشهامته. صارتا تشعران أنهما فعلاً تابعتان لـه، بعد أن كان هو التابع لهما، وصارتا تتعاطفان معه أكثر من ذي قبل، وتسعيان لمزيد من الاقتراب منه، وتهابانه أكثر من ذي قبل.
أثناء عودته متأخراً في الليل، يفتح أبو مهيوب باب الحمام المشقوق بعض الشيء، فيفاجأ بوقوف تغريد داخله، تمشط شعرها بعد الاستحمام، وهي تلف جسدها الأشقر المتناسق بمنشفة الحمام المربوطة فوق نهديها المكتنزين، وتتدلى لتغطي الجزء الموصل ما بين فخذيها الشمعيين فقط! يشاهد المنظر الزهري الرخامي المصقول، فيرتبك ويعتذر لدخوله المفاجىء، ولكن تغريد تقول لـه بهدوء وخجل: ” أنا آسفة لأنني تركت الباب مفتوحاً، وعلى أي حال، دعه فأنا خارجة إلى غرفة نومي!” يتراجع الرجل، بينما تخرج الفتاة من الحمّام شبه عارية بتجاهل تام لرجل في المنزل، وما يزال أبو مهيوب ينظر إليها مستغرباً خروجها هكذا وبطريقة لم تسبق لها أن عملتها!
*****
في سهرة خلوية، تسألها ماجدة بلؤم: ” ما رأيك بأبو مهيوب؟ ألا تشعرين أنه رجل وسيم؟ “فتجيب تغريد بكبرياء: ” وسيم لنفسه ولمن يتعامل معهن!” فتقول ماجدة باسمة:” ولكننا نحن نتعامل معه أيضاً!” وكي تظهر تغريد براءتها من لؤم النساء تقول: “لا شك أنه رجل محترم ووسيم، ومهيوب وأبو مهيوب أيضاً!” تنظر ماجدة إلى سقف الغرفة المهترىء وتقول: “في الحقيقة شخصيته تعجبني!” ولا تعارضها تغريد إذ تضيف: “رجل منظم، وصاحب أصول.” فتتشجع ماجدة وتقول: “والله إنه حلو!” فتنفجر تغريد قائلة:” لم يبق إلا أن تتغزلي به علناً!” تضحك الصبيتان وينتهي المشهد.
صارت الفتاتان تذهبان برفقته مساء كل خميس إلى السوق، فيتفرجون على الناس المنتشرين في الأسواق المسقوفة، والمواد التجارية المعروضة، وفي سوق البقالة يشترون حاجياتهم المنزلية من مأكولات ومشروبات، فيضعونها في سيارتهم، ثم يتجولون في شوارع المدينة، فيعرفهما الرجل على معالم لم تشاهداها من قبل :” هذه وزارة التربية والتعليم، وهذه حديقة الأمل، وهذا الملعب البلدي الكبير الذي تقام عليه مباريات الدوري للولاية، وهذا أكبر فندق خمسة نجوم في الواحة.” فتقول تغريد مندهشة وهي ترنو إليه من داخل زجاجها: ” ناطحة سحاب، ما شاء الله !” وتسأل ماجدة ساخرة:” ما رأيكما أن نرحل من بيتنا، ونسكن في هذا الفندق؟” فيجيبها المحرم: “الرحيل عملية بسيطة، ولكن راتبك الشهري كله لا يسدد نفقات نوم ليلة واحدة هنا! “يضحكون جميعاً، ويعودون إلى البيت فرحين متناسين هموم العمل والمعاناة والعذاب النفسي الذي يتلقونه لمجرد كونهم فلسطينيين.
نسيت سرد أنهما وأثناء تجوالهما برفقته في سوق المخمس التجاري، تفاجآن بلقاء الشابين اللذين كانا قد ردا لهما كرة القدم. يلتقون وجهاً لوجه، فيتبادلون التحية، ويتعارفون من جديد، ولكن هذه المرّة عن كثب.
– أنا عباس الأخضر، وأعمل في البنك العربي، في حي الشيح.
– وأنا نواف الخياط، أعمل في شركة الاتصالات، في حي المشعل.
– وأنا ماجدة الأسمر، أعمل معلمة في مدرسة منيرة بنت المهدي، إلى جوار مسجد الإمام.
– وأنا تغريد شلهوب، أعمل معلمة في نفس مدرسة صديقتي ماجدة.
– تشرفنا.. تشرفنا.. تشرفنا.. تشرفنا.. يقول كل منهم. ولكن الشابين اللئيمين في تعارفهما، يستشيران الصبيتين حول بعض الأثواب التي يريدان شراءها لوالدتيهما وأخواتهما، فيسيران معهما داخل محل الأثواب المجاور، ويسديان لهما النصيحة، ويعرّفانهما على نوعية القماش الناعم غير اللماع، الثقيل، الأصلي. يقتنع الشابان بالنصيحة. وهكذا يمر الوقت على عجل، فيتنحنح أبو مهيوب، ويستأذن من الشابين، ويسحب البنتين بقوله:
“يا الله!” فتمشيان معه من دون اعتراض.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق