قراءات ودراسات

بنية المكان في رواية حارسة الظلال لواسيني الأعرج

سمير عباس

كانت هذه العبارة عنوانا لمذكرة تخرجي في مرحلة الليسانس بالاشتراك مع زميلي عبد الكريم حجاجي عام 2008 .
تشكلت المذكرة من مائة صفحة شملت مقدمة و مدخلا نظريا عن مفهوم المكان و علاقته بالرواية، تبع بفصل تطبيقي عن الفضاء النصي للرواية و آخر عن التنقلات الأساسية فيها، انتهاء بخاتمة و قائمة للمصادر و المراجع.
كان كتاب الرواية في القرن العشرين لجان إيف تادييه مترجما للعربية مفتاحا أساسيا لفهم بنية المكان بإشارة المؤلف إلى قيام رواية غربية على بنية مكانية بسبب تمحور أحداثها و تشكلها انطلاقا من لحظة دخول باخرة حربية مياها إقليمية أجنبية، و بنفس الشكل قامت البنية المكانية لرواية حارسة الظلال بقدوم بطل الرواية حفيد سرفانتس مؤلف رواية الدون كيشوت من إسبانيا إلى مدينة الجزائر العاصمة خلال فترة العشرية السوداء، و كان الهدف من قدومه زيارة معالم المدينة التي سجن فيها جده من قبل البحرية الجزائرية العثمانية بعد أسره خلال غارة بحرية على سفينته، ثم فراره من الأسر و اختفائه بمغارة بالمدينة لا تزال تحمل اسمه للآن.
يقوم الفضاء النصي للرواية على تعالق مع البنية السردية المعتمدة بشكل رئيسي على عنصر الاسترجاع الزمني، حيث يصور المشهد الأول من الرواية بطل الرواية الثاني حسيسن الذي يشتغل إطارا بوزارة الثقافة قام باستقبال حفيد سرفانتس و رافقه في مغامرته بالمدينة، يصور المشهد حسيسن يدق على الآلة الراقنة أحداث الرواية التي انتهت بتعرضه شخصيا لاعتداء إجرامي تمثل في قطع لسانه و بتر عضوه التناسلي ثمنا لجرأته في مرافقة سرفانتس بحثا عن التمثال الأثري النصفي لجده بعد اكتشافهما سرقته من متحف الآثار منتهيا لأيدي مافيا محلية تتاجر في كل شيء.
أظهرت التنقلات المكانية الستة الرئيسية لأحداث الرواية و التي تنوعت بين المشي و ركوب السيارة بعد التنقل الأول بالباخرة لحفيد سرفانتس الذي تمكن من النجاة و العودة سالما إلى بلاده، أظهرت هذه التنقلات مدينة الجزائر العاصمة مكانا مغلقا بامتياز.
و الآن في 2020 أتذكر من هذه الرواية عوالم حنة الضريرة جدة حسيسن التي لا تفتأ تذكر أمجاد أجدادها الموريسكيين في العاصمة و تميزهم بالحس المدني و الرفاهية عن بقية الأهالي البدو، ساهم أسلوب واسيني في تصوير ذكريات هذه الجدة في صورة عوالم حالمة جميلة انقضى عهدها كما انقضى عهدها الأندلسي من قبل، و من جهة ثانية كان البحارة الأتراك في هذه الرواية قراصنة متوحشين أكثر من كونهم أسيادا للمتوسط، و مجمل القول أن الرواية في تضامنها الإنساني مع تاريخ مبدع فن الرواية الذي ارتبط في جزء منه بالجزائر، هي لم تخف تحاملها على الوجود العثماني في هذه البلاد.
و مع صدور رواية الديوان الإسبرطي للروائي الشاب عبد الوهاب العيساوي التي لم أقرأها لحد الآن على الرغم من سماعي عن أنباء تفيد بتبنيها وجهة نظر متحاملة على الوجود العثماني في الجزائر أيضا، أتساءل عن طبيعة دوافع هذا الروائي الشاب، و أعتقد جازما أن انطلاقها من شخصية أخرى غير شخصية واسيني الموريسكي ستكون إضافة جديدة في سجل الإيديولوجيا المضادة للخلافة العثمانية.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق