قراءات ودراسات

قراءة في قصيدة القدس لخلود خوري رزق

أيمن دراوشة*

تجمع هذه القصيدة أفكاراً قلقة ومعلومات متفرقة حول موضوع معقد مضطرب، هو شدة التعلق بالأرض والمكان، وما الصورة إلا دلالة واضحة على حب القدس وعشقها لدى الشاعرة، فهي تحمل همومها، وتحتل الحيز الأكبر لديها، فأحزان القدس أحزانها، وجروح القدس جروحها، فالقدس الأمل والحياة والقدر، هي كل شيء بالنسبة للشاعرة. فجرت الشاعرة لدينا عواطف وهواجس من خلال تأثير جرسها الموسيقي بانتقائها الألفاظ الحماسية والعاطفية التي تصيبنا في مقتل، فللألفاظ قدرة على التحريض والدفع والإثارة بطاقة مخزونة بقوة الشحنات الوجدانية العاصفة والافكار المتفجرة المنطلقة ، فكانت القصيدة هي الجسر السهل والقريب، الخطير والفعال في الوقت نفسه، ويبقى الوطن شحنة متوقرة في أحضان الإنسان والتي تجري في عروق الشعب كدم: أخاف أن تبقى الوحدة والصحراء صديقاي حتى النهاية .. لا أريد أن

جئت بموقعك إلى قلب حدثك

لأحطم الباقي من جزعي

لأرسل ادعاءاتي إلى الأمم

ولأرفعك فوق أكتافي

لأحمل همك إلى الممات

أين موقعك في قلبي   ؟

تحتلين الهم الأكبر في نظري

إن هذه المحاولة الشعرية لدى خلود رزق تضرب في أعماق الأعمال الأدبية ومعرضة لمخاطر كثيرة ومجازفات أكبر من الخطأ التفسيري الذي لا يؤدي إلى نتيجة تترجم موقفا حيادياً وعادلاً ، وفكرة البراءة هذه يؤيدها الرأي القائل إن ( كل نص يطرح من خلال طريقة كتابته المنهج الذي يمكن أن يعالج به ) مجلة فصول ص207 ، العدد الثاني .  ولهذا فالمعاناة واضحة من خلال قراءة هذا النص للشاعرة خلود رزق :

أحزانك أحزاني

جروحك جروحي

حتى لو كنت لا ترين

حتى لولا تتأملين

ستبقين فوق ظهري

فوق أعتاب السجين

تحملين وتتحملين

وفوق آمالي تعبثين

لن أمَلُّ من أحمالي

فربما هذا قدري في هذا الزمان

حملتك لكي لا أنسى حزني

وسأراكِ أمامي في كل حين

أتعذب ببهائك المحتل السكين

ارحمي عالماً عشقك فإلى أين المصير

القدس هي العنوان الذي يختصر كل المسافات ، ويجمع كل التفاصيل والجزئيات ، هو روح القصيدة وبناؤها ، شكلها ومضمونها ، بدايتها ونهايتها ، خيطها الدرامي الذي يربطها كيفاً كيفما انحنت أو استدارت.

القدس ، هي العذاب والمعاناة ، الحزن والبكاء ، المنفى والضياع ، الحيرة والاضطراب ، المأساة والموت ، السؤال بدون جواب ، الرحيل بلا رجعة ، السفر في التيه كل لحظة.

هذا هو العنوان الذي نبدأ الإبحار منه في محيطات عالم القصيدة .

لغة القصيدة واقعية وهذا في حد ذاته محمل بالإثارة والثورة والحنين والتفجير ، لغة مثالية ممزوجة بالفصحى المنتقاة بعناية ، وهذا ما جعل قراءتها سهلة قريبة من الذوق العام ، وتنفذ للأعماق فتؤدي فعلها ببلاغة محكمة.

لقد نقلت لنا الشاعرة كلمات مباشرة ورمز بعيد وطاقة شعرية وصورة مصغرة تنطق بكل المعاني والدلالات التي جمعها العنوان المؤثر ” القدس”.

لم يكن الرمز غامضا لدى شاعرتنا ولا لغزاً مبهماً ، فهو قنديل نستضيء به في عالمنا المظلم وهو غشاء رقيق ومسحة جمالية تغطي كوناً شعرياص رائعاً.

عنصر الحركة تعبر عن حركة الانتقال من حالة إلى حالة ، وحركة التحول الذي لا يعرف الاستقرار ، فهو عنصر اضطراب وتوتر ، والقصيدة تجربة مريرة ، ومعاناة واغتراب في الزمن اللامحدود ، ومن هذا التناقض يكون التمزق ، والقصيدة بما فيها من ألم ومعاناة وبكاء وحزن ترتكز على إيقاع واحد هو القدس الحزينة ذات الوجه الشاحب.

وكان استخدام الفعل الماضي قليلاً جدا مقارنة بالفعل المضارع ، فجاء ببداية القصيدة ( جئتُ ) لغرض التداعي الذي هو ذاكرة الشاعرة المحكوم عليها بالبعد والاغتراب ، وفي التداعي تبرز التفاصيل والجزئيات لترسم لنا مسار التحولات في القصيدة ، كما انها ترمز لوقائع الأحداث.

المأساة إذن تركيب فجائعي بين الرؤيا والواقع ، وقد كان بالإمكان تجاوز هذا الواقع إلا ان تركيبه الدرامي مع الرؤيا جعله جداراً صعب التجاوز والتخطي . وتبقى الشاعرة خلود رزق الشاعرة التي تحمل بعمق كل معاني الحنين والتمسك بالأرض والثبات.






*ناقد من الأردن

 

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق