قراءات ودراسات

عتبات النص في رواية (خُلق إنساناً) شيزوفرينيا

محمد الصورباهري

(خُلق إنساناً) شيزوفرينيا رواية للكاتبة والأديبة عنان محروس ، من الروايات الحديثة الصادرة عام 2019 ، تقع الرواية في مائتين وستين صفحة من القطع الصغير ، أهدت الكاتبة الرواية إلى أكثر من فرع ، أهدتها إلى من أصابه الزمان بعسر الحال فاختار كسرة الخبز ، ثم أهدتها إلى كل مؤسسة ترعى حقوق الطفولة وتحميها ، وأخيرا أهدتها إلى كل محسن كريم أماط الأذى عن روح مكروب .
فالإهداء يحمل في طياتها الكثير من الدلالات التي أرادتها الكاتبة ، فيه تُلمّح لقضية هامة من قضايا المجتمع الفقر والعوز ، ثم تعرج على الاهتمام بالطفولة فتقدم الشكر لكل مؤسسة ترعى الطفولة وتقوم على خدمتها ، ثم تهدي هذه الرواية لكل محسن كريم أماط الأذى عن روح مكروب .
فالإهداء يمهد لمجموعة من القضايا التي سوف تطرحها الكاتبة من خلال روايتها ، فهي تحاول جذب نظر المتلقي لمتابعة ما هو قادم .
ثم في صفحة منفردة وبعيد عن الإهداء يأتي الشكر ، الشكر لشريك حياة الكاتبة لوقوفه معها ومساندتها ، ويظل الشكر أعلى مرتبة من الإهداء .
قسمت الرواية إلى فصلين ، القصل الأول جاء تحت عنوان (آدم) والفصل الثاني تحت عنوان (مريم) وتحت الفصل الأول مجموعة من العناوين ، كل عنوان كان يوضح ما سوف تطرحه الكاتبة تحت هذه العنوان من أحداث ، وقد بلغت عدد العناوين الفرعية تحت هذا الفصل ثمانية عشر عنواناً ، منها على سبيل المثال لا الحصر : بداية النهاية ، الميلاد الأسرة ، التسول ، البلوغ …..، أما الفصل الثاني فلم يقع تحته إلا عنوان واحد فقط ( الحقيقة ) .
العتبات النصية في رواية خلق إنسانا :
تتكون عتبات النص الأدبي من مجموعة من العناصر التي تؤثر سلباً أو إيجاباً على العمل الادبي سواء من رواجه وانتشاره أو من كساده وعدم لفت الانتباه له .
وتنقسم عتبات النص إلى قسمين : قسم خارجي ظاهر للعيان وهو الأهم وقسم داخلي يكون في في بداية العمل الأدبي ونهايته .
أما عن عتبات النص الخارجي الظاهرة للعيان فهي غلاف العمل الأدبي وما عليه من الوان وعنوان ورسومات أو لوحات واسم الكاتب أو المؤلف ونوعية الغلاف وحجم الكتاب وسوف نتناول هذه العناصر بشيء من التوضيح .
أما فيما يتعلق بالقسم الداخلي ، فهو يتعلق بالإهداء والهوامش ونوعية الورق .
عتبات النص الخارجي :
الغلاف :
يكاد يكون غلاف العمل الأدبي من أهم عناصر العتبات النصية وذلك لأن أول ما تشاهده العين أو يقع عليه النظر هو الغلاف ، وقد يكون الغلاف احدى العلامات الهامة والدلالات التي تفسر ما بداخل العمل الأدبي ، فالغلاف المميز هو الغلاف الذي تربطه علاقة بمضمون العمل الأدبي ، والناظر إلى غلاف رواية خُلق إنسانا يرى أن هذا الغلاف قد حمل دلالات متعددة كان لها علاقة ذات أهمية في قراءة هذا العمل الأدبي ، فاللون الأسود الذي طغى على معظم أجزاء الغلاف يحمل دلالات متعددة ، فاللون الأسود لون الغموض ، وأيضاً هو لون الأناقة والرقي ، لون السيطرة والتحكم ، والخوف والقوة ، يقال في علم النفس –ونحن بين أيدينا رواية تتعلق يعلم النفس بل استفادت كثيراً من علم النفس – أن محب اللون الأسود هو شخص منطوٍ على نفسه ، ” لقد اتخذ اللون وظيفة تكنولوجية عندما حل محل اللغة ومحل الكتابة ولهذا وجب ربط اللون بنفسية المتحدث ونفسية المتلقي ثم بالوسط الاجتماعي والبيئة المحيطة بالفنان ، فتساهم دلالات اللون في نقل الدلالات الخفية والأبعاد المستترة في النفس البشرية ” ونلاحظ في وسط الغلاف لوحة للفنان إبراهيم عطيات كسرت حدة اللون الأسود الذي كاد أن يطغى على واجهة الغلاف ، وفي اللوحة يظهر شاب وفتاة تدل ملابسهما على انهما عروسان وقد راحا في نوبة رقص، بالإضافة للخطوط التي جاءت باللون الأبيض فأضفت جمالاً على الغلاف .
زيّن الغلاف لوحة للفنان إبراهيم عطيات وهي عبارة عن صورة لشاب وفتاة راحا في نوبة رقص ، ويظهر من لباسهما أنهما عروسان ، فقد ارتدى الشاب اللباس الأسود والقميص الأبيض ، وارتدت العروس بدلة وردية اللون ، وغاصت اللوحة في سواد غلاف الكتاب ،فاللوحة تجمل في طياتها دلالة الفرح رغم السواد المحيط بها من كل الجهات ،تناغم اللون الأبيض مع اللون الأسود ضمن ثنائية ضدية فبصيص الأمل موجود ، بالإضافة فاللوحة تحكي بعض محتوى المتن بأسلوب رمزي ، أو يمكن القول أن مثل هذه اللوحة فيها إضاءة للكشف عن أحداث تتفاعل داخل الرواية ، لها ارتباط بإحداث الرواية .
أما عن الغلاف الخلفي للرواية فقد حمل صورة الكاتبة ، وتحتها مجموعة أسطر تم اختيارها بعناية لتكون رسالة من الكاتبة للمتلقي ، وقد تكون أداة جذب للمتلقي ، فهي صورة من أسلوب الكاتب أو الكاتبة ، كما جاء أسم مصمم الغلاف ، وصاحب اللوحة الفنية ، واسم دار النشر .

العنوان: يقولون : (العنوان الجيد هو أحسن سمسار للكتاب )ربما هذه المقولة تلخص ما نحن بصدده فالعنوان من العناصر المهمة في رواح وانتشار العمل الأدبي ، والتأثير على المتلقي أو القارئ ، لذلك قد يبذل صاحب العمل الأدبي جهداً غير يسير في اختيار العنوان ، فالعنوان هو العتبة الأولى التي تتيح للقارئ أو المتلقي الدخول إلى عالم النص وفهم محتواه .
وقد اختارت الكاتب عنان المحروس عنواناً رئيسيا(خُلقَ إنساناً) وعنواناً أخر فرعياً أو ثانوياً(شيزوفرينيا) وكأنها باختيارها للعنوان الآخر تريد أن توصل للمتلقي رسالة بأن هذه الرواية أو هذا العمل الأدبي له علاقة وطيدة بما يسمى علم النفس ، وهذه من الإيحاءات التي يريد الكاتب أحيانا تمريرها من خلال العنوان .
العنوان الرئيسي جاء بخط أبيض كبير وجاء بصيغة الماضي المبني للمجهول وفي ذلك مجموعة من الدلالات ، فاللون الأبيض على الخلفية السوداء يتسم بالوضوح والجمال ، واللون الأبيض على الخلفية السوداء مريح للعين يقول أبو تمام :
نظرتُ فالتفتُ منها إلى أحلى سوادٍ رأيتُه في بياض
” فلم يكتف الشاعر بوصف جمال اللون الأبيض المغروس في السواد مجرداً ، إنما ابرز جماله في عينيها من نظرتها ، وفي هذا إضفاء للحياة على الصورة ؛ إذ لم يجعلها صورة لونية جامدة بل بث فيها قدرا كبيرا من الحياة “
ادراك الكاتبة عنان محروس لأهمية عتبة العنوان جعلها تتمهل كثيرا قبل اختيارها لهذا العنوان( خُلق إنساناً)، وذلك أن العنوان هو المفتاح الأول للولوج إلى داخل العمل الأدبي أو متن النص ، فالعنوان يحمل في طياته بؤرة التكثيف المعرفي ، بالإضافة إلى عناصر التشويق التي تحث المتلقي أو القارئ للتواصل مع النص .
لا شك أن عنوان رواية الكاتبة عنان محروس ( خُلق إنساناً ) ، يلمح فيه المتلقي نوعاً من استدرار العواطف ، فرغم ما يعانيه بطل الرواية من أمراض نفسية ، إلا أنه في النهاية يحتاج للعطف والرعاية ، يحتاج للمساعدة فقد خُلق إنساناً ، فنرى أن العنوان قد فتح أفاقاً رحبة للمتلقي وصوّر لنا شيئاً من متن العمل الأدبي قبل الإقدام عليه ، وهذا يصب في صالح العمل الأدبي .
ثم لجأت الكاتبة لعنوان آخر تحت العنوان الرئيسي ( شيزوفرينيا ) ، قد نستطيع أن نطلق عليه عنوان فرعي ، أو عنوان توضيحي ، وكأن الكاتبة تريد أن تريح المتلقي أو القارئ من التفكير فتقدم له المعلومة على طبق من ذهب ، ولا تكتفي بذلك بل ، تبذل جهدا لتضع للقارئ هوامش في نهاية الرواية توضح لهم معنى ( الشيزوفرينيا) وغيرها من المفردات .

بل تريد الكاتبة أن تلفت انتباه القارئ أو المتلقي بأن هذا العمل الأدبي له علاقة بعلم النفس وبالتحديد بأخطر أمراض علم النفس ؛ قصام الشخصية ، وهذا يُسهل على المتلقي سبر أغوار الرواية ، ويمكن أن يكون له جانباً سلبياً في ترك الحرية للمتلقي وحصره في اتجاهٍ واحد .
فالعنوان الرئيسي (خُلق إنساناً) أعم وأشمل وفيه الكثير من الدلالات .
الإهداء :
عتبة من عتبات النص التي قد تُرشد المتلقي لسبر أغوار العمل الأدبي ، وكشف بعض أسراره ، ولكنها تبقى عتبة من عتبات النص الداخلية التي تحمل في طياتها دلالات توضح شيئاً من محتوى العمل الأدبي ، فالإهداء يظل جزء لا يتجزأ من العمل الأدبي ككل ، وربما كان أحد المفاتيح للدخول للنص ومعرفة خفاياه ، ويظل الإهداء كنوع من التقدير ، وقد يأتي بشكل خاص ، بتحديد الشخص المهدى إليه ، وقد يأتي إهداء عام ، وهذا ما قامت به الروائية عنان المحروس في روايتها (خُلق إنساناً) فقد قامت بتقديم إهداء عام ” إلى كل من وصمه الزمان “بعسر الحال” فأختار كسرة خبز …..إلى كل مؤسسة ترعى حقوق الطفولة ، وتحميها ، شكراً…ولكن لا يكفي ….إلى كل مُحسن كريم ذي قلب رحيم ، أماط الأذى عن روح مكروب ، ولو لبرهة من الزمن “

فمن خلال هذا الإهداء العام نرى أن هذا الإهداء قد فتح لنا الكثير من مغاليق العمل الأدبي ، فهو يحمل دلالات واضحة تُنير الطريق أمام المتلقي أو القارئ ، فهناك علاقة وطيدة بين الإهداء وبين ما في طيات هذه الرواية من أحداث وعناوين ، فنرى أن الإهداء قد حقق مطلباً أرادته الكاتبة بإصرار ، وسهّل على المتلقي الدخول إلى متن العمل الأدبي، فهي تتحدث عن عسر الحال ، والفقر ، تذكر المؤسسات التي ترعى حقوق الطفولة ، وما لها من دور في ذلك ، وتقدم الشكر لهم ، ولو أن الشكر قد لا يكفي ، وتقدم الشكر لكل محسن كريم ، قام بمساعدة الآخرين ، فكل ما ورد في الإهداء يُمهد للمتلقي ما سوف يدور من أحداث في ثنايا هذا العمل الأدبي.
الشكر :
وفي صفحة مستقلة ، أرادت الكاتبة أن تُقدم الشكر لشريك حياتها ، والشكر أعلى مرتبة من الإهداء، ” ثمان وعشرون حرفاً ، لا تكفي امتناناً وثناءً ، لمن تجاوز معي محيطاً من العقبات ، لنصل معاً إلى رصيف الدهشة . إلى من يقبع الكون برجائه في اتساع صدره وصبره ….إلى شريك الحياة وما بعد الحياة …محمد …بوركت ”
نلمس من هذه الكلمات التي سطرتها الكاتبة من قلبها قبل مداد حبرها بأنها قد مرت بصعوبات كثيرة أثناء كتابة هذا العمل الأدبي ، إلا أن شريك حياتها لم يقف مكتوف اليدين ، بل قدّم وقدم فاستحق هذا الشكر .
الهوامش الداخلية :
أرادت الروائية عنان المحروس أن تُقدم للمتلقي كل ما يمكن أن يوضح له هذا العمل الأدبي ، فقامت بتقديم دراسة مختصرة عن مجموعة من المفردان التي تخص هذا العمل الأدبي ، فقدمت شرح بسيط عن الفصام ، وقالت أن الفصام سرطان الأمراض النفسية وأخطرها ، ثم قدمت لمحة عن متلازمة تململ الساقين ، وهي اضطراب في الجهاز العصبي المركزي ، حيث تتسم هذه المتلازمة بعدم الراحة في الساقين عند تحريكهما مع مرافقة الإحساس بالوخز تحت الجلد ، ثم قدمت لمحة عن أمة النسناس (أنصاف البشر ) ، ولم تغفل الكاتبة عن سرد المراجع التي تم الرجوع إليها لتوثيق هذه المعلومات .
فهذه الهوامش تساعد المتلقي في زيادة قاموسه الثقافي ومعرفة بعض التفاصيل التي قد تساعد كثيرا في قراءة هذا العمل الأدبي.
5

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق