قراءات ودراسات

الديوان الاسبرطي .. رواية احتلال الجزائر

ناهـض زقـوت

حينما تنتهي من قراءة رواية “الديوان الاسبرطي” تجد نفسك أمام رواية متكاملة الأركان الفنية والموضوعية، وخيوطها متماسكة، ولغتها بسيطة سهلة مطعمة ببعض المفردات من اللهجة الجزائرية، وبعض المصطلحات العثمانية، يشدك السرد بشكل طاغي على عدم تركها، اذا استخدم الكاتب بحرفية المجيد لفن الرواية تعدد الأصوات السردية، وتوزيع السرد بينها، بشكل يذهل القارئ على قدرة الكاتب على متابعة خيوط روايته وتفاصيل أحداثها، والترابط بين الأصوات الساردة.

حازت رواية الديوان الاسبرطي” على الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر) لعام 2020، وهي أول رواية جزائرية تفوز بالجائزة. كتبها الكاتب الجزائري عبد الوهاب عيساوي وصدرت عن دار ميم للنشر بالجزائر عام 2018. يقول الدكتور محسن جاسم الموسوي رئيس لجنة تحكيم الجائزة: “تتميز رواية الديوان الاسبرطي بجودة أسلوبية عالية وتعددية صوتية تتيح للقارئ أن يتمعن في تاريخ احتلال الجزائر روائيا، ومن خلاله تاريخ صراعات منطقة المتوسط كاملة. كل ذلك برؤى متقاطعة ومصالح متباينة تجسدها الشخصيات الروائية … إن الرواية دعوة القارئ إلى فهم ملابسات الاحتلال، وكيف تتشكل المقاومة بأشكال مختلفة ومتباينة لمواجهته”.

الكاتب الروائي عبد الوهاب عيساوي من مواليد مدينة حاسي بحبح في ولاية الجلفة عام 1985، حاصل على شهادة في الهندسة من جامعة زيان عاشور، ويعمل مهندس الكتروماكنيك وصيانة. كتب خمس روايات ومجموعتين قصصيتين. وحازت أعماله الروائية والقصصية على جوائز محلية وعربية، فقد حازت روايته (سينما جاكوب) على جائزة رئيس الجمهورية علي معاشي عام 2012، وحازت روايته (سبيرا دي مويرتي) على جائزة آسيا جبار للرواية عام 2015، كما حازت روايته (الدوائر والأبواب) على جائزة سعاد الصباح للرواية عام 2017، وحازت روايته (سفر أعمال المنسيين) على جائزة كتارا للرواية غير المنشورة عام 2017.

تتجاوز رواية “الديوان الاسبرطي” الرواية التقليدية الباحثة عن البطولة المطلقة، لتجعل كل الشخصيات تدور في فلك بطولة المكان المتمثل في المحروسة/ الجزائر، وهي مركز الأحداث والوقائع التي ترد على ألسنة الشخصيات الروائية التي اختارها الكاتب، فكل شخصية تعبر عن موقفها من المحروسة. ورغم ثمة أماكن أخرى (باريس، طولون، مرسيليا) ترد في السرد إلا أنها تأتي لتكمل مشهد المحروسة وتفاعلات احداثها، وما تواجهه من كوارث ومصائب ناتجة عن الغزو الفرنسي للجزائر/ المحروسة.

يقوم البناء السرد على تقنية تعدد الاصوات، فنجد ثمة خمس أصوات أربعة رجال وامرأة، اثنان منهم يمثلان فرنسا، وثلاثة يمثلون الجزائر، وقد قسم الكاتب روايته إلى خمسة أقسام، وكل قسم يتناوب على سرده خمس شخصيات، كأن الكاتب أراد أن يبرز أن لكل شخصية قسم من السرد، ولكن السرد توزع بينهم، فجاء القسم موزعا بين ديبون، وكافيار، وابن ميار، وحمه السلاوي، ودوجة، وهكذا في الخمسة أقسام. جميعهم يدورون في فضاء زماني للسنوات الثلاث الأولي من احتلال الجزائر 1830 إلى 1833، وهذا ما أظهره الكاتب في فصول الرواية حيث سجل تاريخ حديث الشخصية إلى جانبها في العنوان، ولكن ثمة فضاء زماني يشعر به القارئ في ثنايا السرد يعود إلى سنوات الاحتلال التركي ومن خلال تبدل الباشوات على حكم الجزائر. ويكشف الكاتب عن السياسة التي اعتمدها ونهجها الأتراك والفرنسيون في استعمارهم للجزائر، ومرارة العيش التي عاشها وقاساها الشعب الجزائري آنذاك.

ان الشخصيات السردية في الرواية تم رسمها بعناية، وتعبر عن مواقف سياسية واجتماعية وإنسانية، وتنوع الحوار ما بين السرد بضمير الانا، وضمير الغائب، والسرد الباطني أو مناجاة النفس. فنجد شخصية (ديبون) الصحفي الفرنسي المتعاطف مع الشعب الجزائري، وهو الذي يكتب تاريخ الحملة على الجزائر، يقف في تعارض كامل مع شخصية (كافيار) الذي يمثل الاحتلال الفرنسي والشخصية الحاقدة لكل ما هو عربي وتركي، تلك الشخصية التي تعاني الهزيمة فقد شارك في معركة واترلو إلى جانب نابليون الذي هزم على أيدي الانجليز، وكذلك تعرضه للاعتقال لدى الاتراك في الجزائر ومعاملته كالعبيد، فبقيت اثارها النفسية على شخصيته، ودلالاتها في سلوكه مع الأخرين، اما شخصية (ابن ميار) فتمثل الشخصية الجزائرية المدافعة عن القضية الجزائرية بالطرق السلمية، ويقف في وجه الاتراك، ثم في وجه الفرنسيين بالعرائض والمناشدات، لذلك يتعارض مع شخصية (السلاوي) الذي يسعى للدفاع عن الجزائر بالكفاح المسلح والعنف، ويلومه على قتل شخصية “المزوار” التي ترمز إلى الشخص المتعاون والمتقلب مع كل السلطات، واذا كانت السلطات الفرنسية نفت “ابن ميار” إلى اسطنبول، فقد التحق “السلاوي” بجيش الامير المدافع عن الجزائر، اما شخصية (دوجة) فتمثل شخصية المرأة الجزائرية التي انهكت كرامتها على أيدي الاتراك ثم الفرنسيين، حيث يقتل كافيار الفرنسي والدها، ويموت أخوها لأنه لم يجد العلاج، وهي مرتبطة بعلاقة حب مع “السلاوي”، فترفض الرحيل مع “ابن ميار” وزوجته “لالة سعدية”، وتبقى في الجزائر في بيت “لالة زهرة” في انتظار عودة “السلاوي” بعد التحاقه بجيش الامير.

ورغم توزع السرد بين خمس شخصيات أساسية، فثمة شخصيات ثانوية ساهمت في اكتمال دور هذه الشخصيات (المزوار، لالة سعدية، لالة زهرة، عائلة دوجة، الباشا العثماني، الحكام الفرنسيين). نحن أمام رواية لا تسكن في الماضي، إنما تستشرف المستقبل، عبر رؤى وأفكار تحمل الكثير من قيم الحرية والبحث عن العدالة، في الرسائل التي حاول الكاتب أن يوصلها من خلال شخصياته الروائية.

ان رواية “الديوان الاسبرطي” منتج تاريخي فكري روائي، تجاوزت الفكرة النمطية للتاريخ المتسم بالجفاف والجمود، لكي تكون رواية تنبض بالمشاعر الحيوية الخلاقة. تغوص في التاريخ مستندة إلى الاحداث والشواهد لتؤكد أن الاتراك طوال ثلاثة قرون (1518- 1830) من احتلال الجزائر كانوا قد طمسوا الحضارة العربية فيها، وتعاملون مع السكان الاصليين بكل جلافة وقسوة، رغم قوتهم البحرية التي أرعبت أوروبا ودفعتها لدفع الجزية عن سفنهم البحرية، لكن الواقع لدى الشعب الجزائري كان مأساويا ومنهكا في جميع الاصعدة السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية، فلم يستطع هذا الشعب الدفاع عن وطنه حين جاء الاستعمار الفرنسي غازيا، ويكشف عن خيانات الاتراك وتسليمهم المحروسة مقابل الحفاظ على أرواحهم، وعن دور اليهود في احتلال الجزائر. ومنذ اللحظات الأولى للاحتلال الفرنسي يكشف السطوة الاستعمارية على الجزائر من انتهاكات للبيوت إلى هدم المساجد أو تحويلها لثكنات عسكرية، إلى هدم البيوت لتوسع الشوارع، إلى القتل والخراب والدمار في كل مكان في الجزائر، وصولا إلى سرقة عظام الأموات من الجزائريين ونقلها بالسفن إلى فرنسا.

وتكشف الرواية عن الاسباب الحقيقية لاحتلال الجزائر، دون أن يستبعد السبب المدرج في التاريخ، أن ثمة خلافا وقع بين القنصل الفرنسي في الجزائر والباشا التركي، حول ديون الجزائر على فرنسا، ومع اشتداد الخلاف ضرب الباشا القنصل بالمروحة التي بين يديه، مما اعتبرته فرنسا اهانة، وجهزت جيشها لغزو الجزائر، ورغم اعتذار الباشا وتدخل أخرين للصلح، إلا أن فرنسا لم تتراجع عن موقفها. وهنا يأتي السبب الحقيقي أو الرؤية الاستعمارية لفرنسا، حيث يأتي على لسان “كافيار” أنه كان يعمل وفق رؤية نابليون الذي كان لديه النية في غزو الجزائر لولا هزيمته في واترلو، لذلك كان يرسل الجواسيس إلى الجزائر ومن بينهم كافيار لجمع المعلومات عن كل ما يتعلق بالجزائر من سكان وقبائل، ورسم خرائط لكل شوارع الجزائر واحيائها ومساراتها لكي يسهل عليهم التحرك فيها عند غزوها، وما كانت حادثة القنصل إلا سبب ظاهري للغزو. يقول ديبون: “أسال بعض العابرين عن الاتراك وعن أسباب الحملة عليهم، يرددون مثلما يردد السياسيون: قد أهين شرف الفرنسيين حينما ضرب القنصل بمروحة الباشا، ولن تسمح غيرة هذه الأمة باستعباد المسيحيين في أراضي المحمديين”. تلك هي الثقافة التي رسخوها في عقول شعوبهم، بأن المسيحيين عبيدا لدى الاتراك المسلمين، وقد كان كافيار في أحاديثه يركز دائما على قضية اضطهاد المسيحيين وتحويلهم الى عبيد عن الاتراك المحمديين، كأن الخلاف بين الاسلام والمسيحية، لذا جاء البابا مباركا غزو الجزائر استكمالا للحملات الصليبية على العالم العربي.

لقد كانت الجزائر هي الجحيم الذي أخاف أوربا لثلاثة قرون، كانوا يطلقون عليها مدينة القراصنة، وصوروها بصورة مخيفة، صورة من القصص الخرافية التي أذهلت “ديبون” حين رأها مخالفة لتلك القصص التي كان يزرعوها في عقول العامة من الاوروبيين، فقد رأها مدينة جميلة الشكل، يتناقض مع كل الصور التي رسموها في مخيلة الناس والجنود في أوربا.

يأتي السؤال ماذا يقصد الكاتب بالديوان الاسبرطي؟، ولماذا اختار هذا الاسم عنوانا لروايته؟. لقد جاء العنوان متساوقا مع السرد، ومعبرا عن دلالات الأحداث والوقائع. واستند الكاتب في اختيار عنوان روايته إلى التاريخ ليبرز عمق المأساة التي عاشتها الجزائر في ظل الاحتلال الفرنسي. اسبرطة هي دولة مدينة في اليونان القديمة تأسست حوالي عام 900 قبل الميلاد، غزاها الدوريون عام 650 قبل الميلاد، أصبحت النزعة العسكرية مهيمنة على السلطة في اليونان القديمة. وتعد من أقوي الدويلات إبان حكم الدورين الغزاة الذين نافسوا أثينا، وكان الأسبرطيون محاربين، بل اشتهرت اسبرطة بمجتمعها العسكري الذي ينشأ أبناءه بصفة أساسية على القتال.

كان الكاتب مدركا لهذه الاسئلة، فحاول أن يقدم للقارئ مقارنة بين اسبرطة القديمة والجزائر، ولكن من خلال رؤية “كافيار” الفرنسي الذي كان يصر دائما أمام “ديبون” أن يطلق على المحروسة اسم اسبرطة، ويعتبرهم برابرة همجيون.

أثناء اقامة “ديبون” و”كافيار” في غرفة سفينة واحدة من سفن الغزو، يقول ديبون: “استيقظت في آخر الاسبوع رأيته يتمطى غير بعيد عني، يطالع كتابا مختلفا، أقرأ عنوانه، وأصعد إلى السطح متناسيا ما قرأته، وظهر العنوان فجأة يحاصرني: الديوان الاسبرطي، ما الذي يحويه ذلك الكتاب؟ هل هو سيرة لمدينة اسبرطة؟ وربما ثقافة صديقي تتسع حتى تشمل التاريخ القديم؟ وما غرض رجل قضى جزءا من حياته في افريقية ان يطلع على تاريخ اليونان؟ هل يقارنهم بالإنجليز؟. بدت لي المقارنة بعيدة، ثم ترأى لي الامر جليا، نعم هو كذلك، الاسبرطيون كانوا اشبه بالعثمانيين في افريقية، أمة لا تقوم الا على قوة السلاح، والاتراك فقط من يمتلك كل شيء، أما العرب فلم يكونوا الا عمالا في مزارعهم. ربما كان الاتراك انفسهم اقرب الى الدواريين، بينما كان العرب مثل الايونيين، ولكن الحقيقة التي اتفق الجميع حولها، أن تلك المدينة البائدة لم تكن الا ثكنة كبيرة”.

لقد أحيا الفرنسيون المدينة البائدة وحولوا الجزائر إلى ثكنة عسكرية كبيرة، عاثوا فيها خرابا وتدميرا وقتلا لأكثر من قرن وثلاثين سنة (1830- 1962) حتى اشتهرت الجزائر ببلد المليون شهيد.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كاتب وباحث وناقد أدبي فلسطيني، مقيم في قطاع غزة

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

رأي واحد على “الديوان الاسبرطي .. رواية احتلال الجزائر”

  1. الرواية سياسية بامتياز تطعن في التاريخ العثماني المجيد خدمة للإماراتيين والسعوديين في عداوتهم لتركيا الحالية لهذا منحت الجائزة .. ثم وهو الأهم العرب ليسوا سكانا اصليين وإنما غزاة احتلوا الجزائر وشمال افريقيا وارتكبوا فيها إبادات رهيبة بحق الأمازيغ السكان الأصليين .. انهم مجرد مستعمرين باسم الدين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق