ثقافة السرد

(اعترافات البومة القاتلة)

الحسين سليم حسن

الإنسان يتطور باستمرار ،تلك مسلمة ،على الأقل بالنسبة لي ،لذا وجب علي أن أتخلى فوراً عن ارتداء ثيابي الداخلية السوداء واستبدالها بالصفراء أو البرونزية اللماعة .

قد يتوتر بعض الذين يؤمنون بتخمين العمر العقلي من خلال ذوقك في اختيار الألوان المفضلة ،وقد يعارض أولئك الذين ينسحبون من البارات فجأة ذات ليلة مقدسة قاصدين إحدى النسوة المباركات والتي تملك قدرة خارقةً على إمطار السقف ليرات من ذهب وفضة .

لكن هذا أمر طبيعي بالنسبة لمن لم يصغي بعد للنغم الذي في القصة ،ولم يذق أبداً مرارة الخزي الذي يسببه ارتداء الثياب الداخلية السوداء باختيار حر وانتحاري .

ربما تتساءل يا قارئي العزيز والنخبوي حتماً ،من هذه ؟بماذا تهلوس ؟

ها أنا ذا أتخلى عن متعة الترميز من أجلك ،وإليك قصتي ..

في الواقع لقد قتلت من أحب لذا الآن أهلوس مثل ظفل أنهى للتو لعبة للدوران حول الذات يهلوس ثم يضحك ضحكة حقيقية .

وأنا أضحك مثله وأرمي بثيابي الداخلية السوداء الملوثة بعرق الوحدة والشعور بالذنب والهوس وكبرياء من يقف في منطقة الدفاع عن نفسه أمام العالم كله في أقرب قمامة .

أي حبيبي ،قتلتك وأنا أبكي فرحاً ،ولأنني لا أؤمن بالتقمص ،ولا أعد نفسي بلقاءات لي معك في ملكوت أو جنة ،فأنا مطمئنة بجحود ونذالة ،وقلبي تثلجه الطمأنينة ،وعروقي تنبض بنشوة وقحة .

قتلتك ،بالرغم من أنك كنت لطيفاً معي في تلك المرة الوحيدة ،عندما قررت أن تصنع لي وشم الميزان الذي لطالما تمنيته ،إلا أنك حتى في هذا كنت بخيلاً معي وتسبب لي الوشم بالتهاب فظيع ،مخلفاً وراءه ندبة على شكل بومة ،وبما ان كليهما يرمزان إلى العدل ،الوشم الذي صنعه خيالك ،والندبة التي سببتها واقعيتك الفظة ،قد منحاني الفكرة والدافع بأن أقتلك .

من أنت كي تحققي العدالة ؟ سيعارض الليبراليون المدللون عند الله ،والمؤيدين للقانون الذين يثقون بوزارات العدل ،وسيحسدنب المتدينون المتعصبون ويتحسروا على فرصة في القتل ضاعت منهم .

لابأس ،لنعذرهم ،فهم منشغلين حد العماوة في حيواتهم على الأرائك الوثيرة برفقة أجداد وأعمام وعمات مستمتعين بلعبة تصنيف البشر إلى جيدين وسيئين والتي تمثل زبدة الحياة في عيونهم .

لذا كان الناس ينتحرون أو يدمرون أنفسهم للهروب من شعور المرء بأنه حشرة وسط التشدقات المثالية وغثيان المقارنة بروعتك الأبدية التي لا مثيل لها .

أنت أيها الفنان القوي والثري ذو الوجه الفتان والمواقف البطولية التي تحظى بإعجاب الرجال والنساء ،المومسات واللواتي تتشقق كواحلهن جراء العمل المتواصل .

طبعاً فقط أولئك الذين يعيشون ضمن العالم الذي تباركه وليس أولئك النجسون أو الكلاب في نظرك الذي يحلل لك أن تدعس في بطونهم ،لتنال بعدها إحدى مكافآت السماء التي تطمأنك بأنك كامل ومفضل عند الله وبأن خصيتيك مباركتين ،وتهديك ضحكةً بلهاء وطويلة الأمد ،واعتذاراً ملحاً لأنها جمعتك ذات مرة بقريبك المسخ كما تناديه وجعلتك مضطراً لسماع صوته الحاد ورؤية أذنيه المشوهتين ،اللتين تشكلان خطراً على مرتبتك عند الله ،وعند أصدقائك وصديقاتك الأقوياء الرائعين ذوي الخلقة التامة والحيوات المشرقة الصامتة الراقية ،الرجال منهم مع فحولتهم وذكائهم وذوقهم الرائع في انتقاء الملابس ،وثقافتهم وصوتهم الكولونيالي الجبار ،والنساء منهم مع جمالهن الأخاذ وبياض بشرتهن وظلمة شعورهن وعظام وجناتهن البارزة وأنوفهن المقصوصة الحادة مثل سيوف ،وجديتهن اللافتة للنظر ،ونظرات احتقارهن المتعالية التي تجعلهن أكثر جاذبية بالنسبة لك ،إلى درجة تفوق جاذبية وشومهن التي صنعتها بنفسك فوق مؤخراتهن .

آه أيها الفحل العلماني الذي يصافح مساء من وصفهم بالنجاسة صباحاً لأنهم ليسوا من طائفته المباركة ،ويوقع معهم عقود البيع والشراء ،ويشرب معهم نخب الصداقة والنجاح المشترك .

مثلما فعلت ذات مرة مع صديقك تاجر الصديريات الذي ابتعت منه صديرياتي السوداء وأهديتها لي في عيد ميلادي عندما وبختني ولمتني عن عدم إقامة حفلة صاخبة في إحدى الملاهي الليلية التي يرتادها أصدقاؤك الأثرياء ،ذوي الشوارب العثمانية وزوجاتهن الكئيبة المحتشمات اللواتي يلتزمن الطاولات دون أي حراك بينما تعرض أنت مواهب خصرك النحيل وجركاتك الرشيقة وجسدك المشدود ذي العضلات المتناسقة والتي ماهي سوى ميزة أخرى خصك الله العظيم فيها ،والتي تمنحك الثقة مجدداً بخلقتك التامة وبأنك غير ملعون عند الله مثل أحمر أو مخنث ،وأنا لابد لي هنا أن أعلمك بأنني لم أتحمس يوماً لحماسك المبتذل في إظهار طائفتنا على أنها بارعة ومتفوقة في كل الأمور ،ولا لاهتمامك الزائد في إظهارنا بأجمل حلة ،وإصرارك على اللون الأسود للثياب السوداء التي أرتديها ،لأنها تبرز بياضي الفارسي الناصع كما كنت تنشد لي قبل كل مضاجعة وأنا لم أستغرب يوماً إصرارك على اللون ذاته ،لأنك كما كنت دوماً تعلم جيداً ماتريده ،إلى حد بائس ومقيت ومقزز ،على عكسي أنا القطة الجبانة التي تفر فزعاً من الجرذان .

أذكر كم كنت معجباً بوصف القذافي لثوار ليبيا بالجرذان ،وراق لك ذاك الوصف إلى درجة حسدت فيها القذافي عليه مع أن القذافي نفسه لم يرق لك يوماً .

فأنت وإن كنت تعلم جيداً ماتريده في جميع الأمور إلا أنك في السياسة تكاد تختنق عندما تفصح عن مواقفك السياسية المشرفة لأن حدتك ومحاولة هزيمة الطرف الآخر تجعلك تنسى أنه على المرء أن يحافظ على معدل شهيقه وزفيره حتى ولو كان في حلبة مصارعة .

نعم ياحبيبي ،أنت مصارع يربح دوماً ،لأنك وبكل ما أوتي لطاغية من طاقة وقبل أن يقوى خصمك على النهوض أمام ازدرائك الذي يشله في أرضه ،تمد يدك على نحو مباغت لتخنق صوته ،سابقاً في ذلك إلهك الأشد رأفة منك ،والذي من شأنه أن يمنح الفرص على نحو أفضل منك ربما .

(الفرص تعيق تحقيق العدالة ،يافاطمة ،كنت تقول لي .

أقترح عليك : ( ولكن الإنسان قد يصلحه النصح ،فلكل داء دواء )كنت ترمقني حينها بنظرة قرف وتصرخ في وجهي : (ما إن تخطر الفكرة لأحدنا تفسده وعلينا نحن أن نتدخل لنكبح جماح الفعل الذي ستقود إليه الفكرة حتماً ).

لذا فعليك هنا مسامحتي على قتلك ،لأنك معي تجاوزت الفكرة منذ زمن بعيد ،وكنت تقوم بفعل قتلي منذ زمن وعلى نحو بطيء ،فاعذرني ياحبيبي أنني قتلتك ،فإنك لما كنت تكبر ويتعاظمة شأنك بدأت أنا بالتلاشي ،وانتقلت إلي هواجسك على نحو رغبت فيه بأن أتخلص من ثيابي الداخلية السوداء وأقتلك لأبدأ رحلتي في تحقيق ذاتي .

فمنذ كنت قد ولدت ،قمت بسلب هذا الحق مني ،عندما صهرت بالضرورة ذاتي في ذاتك العظيمة ،كما كنت تفعل روتينياً مع كل من تستقبلهم هذه الحياة كما لو أنك هيرودوس الرؤوف الذي لايذبح ولايسلب الأطفال حقهم في الحياة ،إنما يجعلهم أحياء دون الحق في أن يعيشوا .

وأنا كسائر المولودين ،وجب علي أن أحبك بإخلاص تام ،مع أول شهيق ،وأن أصرخ صرختي الأولى بعفوية كمن يهتف ،أو يتلو صلاة ما .

ثم عندما حملتني والدتي بين ذراعيها وقربت فمي من ثديها الضخم ،الذي يفيض خيراً بفضلك ،كان علي أن أشكر الله على منحك قوتك المبجلة التي منحتني نعمة التمتع بمثل هذه اللحظات باستعمال لغة ما .

وما إن استقرت الحلمة في فمي ورحت أرشف منها ،تباركت بماءك الطاهر ،الذي تدفق في زمن سرمدي في أثداء الأمهات ،حاملاً معه سر العظمة وقوة الخجارة ،ونباهة الملوك القدامى .

وبعد زمنٍ قصير ،وعندما خطوت أولى خطواتي في الفسحة أمام منزل جدي ،ركضت نحوي وقد كنت حديث المشي ،لتنزع عن رأسي بكلة شعري ،لتمارس بذلك سلطتك علي للمرة الأولى ،جئت وخلفك تلهث والدتك الأنيقة المتشحة بالسواد دوماً والتي لم تبتسم لنا يوماً ،وسحبتك من يدك دون أن تلقي التحية على والدتي لتصحبك إلى منزلكما المقابل لمنزلنا ،لكن المختلف كلياً عنه ،فمنزلك الحجري الكبير المغلق النوافذ ،ذو اللون الواحد المضجر ،لم يكن ممتعاً للفرجة بالنسبة لرضيعة مثلي ،بالرغم من أن ظله كبير بما يسمح لنا بالجلوس في فيئه بعد ظهر كل يوم ،إلا أن بيت جدي كان بألوان وروده الصاخبة والضجيج المسلي الذي ينبعث منه ،كصوت جدتي وهي تغني لإديث بياف ، أو صوت خالي وهو يلقي قصائده البوهيمية كان اكثر ظرافة من منزلكم الصامت ،الذي يرتاده رجال أقوياء بملابس قبيحة وشيوخ مطأطئي الرؤوس على نحو كان يصعب علي كطفلة تمييز ألوان أعينهم .

وحتى والدك الضخم الجثة والذي لم أميز لون عينيه هو أيضاً لإخفاءهما بنظاراتى شمسية سوداء دوماً ، كان لايبدو بوداعة وظرافة والدي ذو الشعر المجعد والوجه المتعرق دوماً ،ورائحة شعر الصدر المميزة التي تشبه رائحة العشب الأخضر في الربيع .

وهنا لا بد لي أن أوضح لك قبل أن تلتمس في كلامي نزعةً بروليتارية تجعلك تطلق لخيالك الخصب العنان وتظن بأني أعاني من عقدة نقص ، لتمنحك تلك الفكرة فرصةً لنفش ريشك أمامي ثم التعاطف معي وكأنك قدمت تنازلاً حثتك على تقديمه أخلاقك العظيمة ،وحكمة الزاهد الهندي التي تتحلى بها .

إلا أننا وإن كنا لا نؤمن بحقيقة مطلقة ولا نثق بها ،فقد وجب علينا أن نحرر ماتمليه علينا دواخلنا ،وأن نقول أو نكتب ،بثقة أو بتردد مانتذكره من تصوراتنا الأولى النقية .

لذا ياحبيبي عليك أن تحمي نفسك من الصدمة عندما سأعلمك بأنني كنت أسمع تأوهات والدتك وعرير والدك أثناء مضاجعاتهما الفجائية التي لا تعرف لها وقتاً محدداً ،والتي تتبع إلى مزاجية والدك ونوباته الهيستيرية .

التي كنت أرقد في سريري أخمن النتائج المترتبة عنها وأخال حينها نافذة غرفتي تتحرك لتغدو في مركز السقف وينفتح فيها ستار ليبرز خلفه بطن والدتك المدور العاري والمتورم ،ثم يمتد كف والدك الضخم ليرسم بسبابته دائرة من مسحوق الفليفلة الحارة في سرتها ،ليختفي كل شيء ولتخرج أنت مثل ومضة في لاوعيي وحذاء والدك القبيح فوق رأسك مثل قبعة .

كنت عادة سرعان ما أغفو قبل أن يغلق الستار على الهلاوس الانتهاكية الغير طبيعية بالنسبة لطفلة مثلي ،وما إن أستيقظ في اليوم التالي وأخرج لأرى استمرارية حياتكم على نفس الوتيرة ،كنت أقلق وحتى أغضب .

مثلما كنت أغضب من دوام تردد أولئك الملتزمين بالمواعيد الكنسية إلى منزلكم عقب انتهاء التزاماتهم الكنسية .

وربما بقدر ماكانت تقززني هيئة المعلمات اللواتي وضعهن والدك في مناصبهن
الأنيقة مع مسحة من الشحوب المحير ،وكأنهن تعرضن للغسل المتكرر بكل مافيهن ،وكنت أتقزز من تقدم سيارتكم اليومي بوحشية وحماس مثل سيل عكر يستحوذ عليه شبق ورغبة عظيمة في لعق الطرقات والبشر والتي على الأغلب كبرت معك ودفعتك ليس فقط إلى لعقي لأجف مثل حجر ،إنما إلى تناولي مثل شطيرة لذيذة ،ثم تغليف فتاتي في صديرية سوداء أو خلف ستار من صور مميزة ملتقطة من أفلام إباحية باهرة ،قمت بتمريرها من وراء ظهر شيخك المفضل الذي تتباهى بأبوته مثل عربي جاهلي .

وهذا طقسٌ من الطقوس التي ورثتها عن والدك ،الذي كان يشرف بنفسه على الصعود الأنيق لقطيع الخراف والماعز فوق لوح خشبي مائل مسنود إلى شاحنة الشيخ كمكافأة له على تولُيه مهمة ترسيخ كرم وعظمة والدك في أذهان الجموع على نحو يجعل منهم يتقبلون رائحة زنخة الذبائح المقدسة برحابة صدر كما لو أنها عطر فرنسي ،معصور بأسلوب ميتافيزيقي رثٍ وهيستيري .

أيُ حوتٍ والدك ؟ومن هو ؟وماذا يعمل ؟

سيتساءل القراء ،ولهم كامل الحق في ذلك ،لكنني لن أتمكن من ان أسعفهم بالإجابة ،لأنني أنا نفسي لا أعرفها ،ولم تثر فضولي يوماً ،وكل ما كنت متأكدة منه كطفلة هو ان كل ما يتعلق بوالدك يثير في الفزع والقرف والرغبة في التغوط .

إلا أن هذا لم يكن ما أكنه لك ،بل على العكس ،كان التقرب منك أمراً لا يستحق العناء ،والذي لن أدعي بأن الدافع لذلك كان الشعور بالشفقة ،لأنني كنت أجدك إنساناً تعيساً رغم قوة وسلطة والدك ،وإنما دفعني لذلك رغبةٌ في إحلال العدل بيننا ،أنا وأنت ،وكل تلك المعضلة الوجودية التي جعلتنا نخلق هكذا متناقضين ومنقوصين وحكمت علينا خوض صراع طويل انتهى بتدمير كل منا للآخر في نهاية المطاف ،وجعلتني أستنزف جميع فرصي في أن أكون ودودة لأقتلك بعد حكاية ثقيلة الوزن .

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق