ثقافة السرد

عصور ما قبل التاريخ

قصة الكاتب الإسباني أزورين ترجمة عبدالناجي آيت الحاج

 
– صباح الخير، معلمي العزيز. كيف حالك؟ كيف حال حضرتك؟
– كما ترى؛ دائمًا في ورشتي ، منهمك في عملي العظيم.
– هل تتحدث عن هذا العمل الممتاز و الرائع الذي ننتظره جميعًا: عصور ما قبل التاريخ؟
– بالفعل؛ به أنا مشغول في هذه الأوقات. لم يبق سوى وقت قصير حتى أنهيه تماما.
– وصلت سيدي ربما إلى حدود العصر الحديث والتاريخي؟
– نعم سيدي ، لقد انتهيت للتو من وضع اللمسات الأخيرة على وصفي لفترة الكهرباء.
– هل ستكون مثيرة للاهتمام فترة الكهرباء هاته؟
– إنها المرحلة الأخيرة من تطور الإنسان البدائي؛ من هنا يبدأ التحول العميق الذي يدركه المؤرخون، أي أن عصر الإنسان المتحضر الحقيقي يبدأ.
– تمامًا، معلمي العزيز. وهل حصلت على الكثير من الأخبار عن هذه الفترة المظلمة والغامضة؟
– لقد تمكنت ، قبل كل شيء، من تحديد كيفية عيش هذه الكائنات الغريبة التي سبقتنا في حق الانتفاع بالكوكب. أعرف، على سبيل المثال، بطريقة إيجابية أن هذه الكائنات كانت تعيش معًا، متجمعة، محشورة في تجمعات من المساكن التي، على ما يبدو، تم تسميتها باسم المدن.
– إنه حقا أمر غريب، غير عادي ما تحكيه لي. وكيف تمكنت هذه الكائنات أن تعيش في تجمعات المساكن تلك؟ كيف كانوا يستطيعون التنفس، والتحرك، والاستحمام في الشمس، والتمتع بالصمت، والشعور الرائع بالوحدة؟ وكيف كانت تلك المساكن؟ هل كانت كلها ​​متشابهة؟ أم جعلوها متنوعة، كل واحد على هواه؟
– لا؛ لم تكن هذه البيوت متشابهة. كانت مختلفة. بعضها كبيرة، أخرى أصغر و أخريات مزعجة ضيقة.
– هل قلت، معلمي العزيز، أن بعضها ضيق مزعج؟ فلتقل لي كيف أمكن حدوث هذا؟ كيف أمكن وجود كائنات يسعدها العيش في مساكن مزعجة وضيقة وغير صحية؟
– هم لم تكن لديهم هذه النزوة ؛ لكن اضطرتهم للعيش بهذه الطريقة ظروف البيئة الاجتماعية التي يعيشون فيها.
– لا أفهم أي شيء مما تريد أن تخبرني به.
– أعني أنه في الأوقات البدائية كانت هناك كائنات لديها كل وسائل العيش، وأخريات، على العكس، لم يكن لديهن من هذه الوسائل شيئا.
– إن ما تقوله أمر مثير للاهتمام و غريب . ما أسباب عدم امتلاك هؤلاء لوسائل العيش؟
– هاته الكائنات هم الذين كانوا يسمون بالفقراء آنذاك.
– فقير! يا لها من كلمة غريبة! وماذا يفعل هؤلاء الفقراء؟
– أولئك الفقراء كانوا يعملون.
– أولئك الفقراء كانوا يعملون؟ وإذا كان أولئك الفقراء يعملون، فكيف لم يكن لديهم وسائل العيش؟ كيف كانوا هم من يعيشون في المساكن الصغيرة؟
– أولئك الفقراء. كانوا يعملون لكن ليس لحسابهم الخاص.
– كيف، معلمي العزيز، يمكن العمل إذا لم يكن لحسابهم الخاص؟ أنا لا أفهمك اشرح لي هذا
– أعني أن هذه الكائنات التي لم يكن لديها وسائل العيش، من أجل الحصول على معيشتها اليومية كانوا ينضمون للعمل في المباني التي، كما اكتشفت ، تحمل إسم المصانع.
– وماذا كانوا يكسبون من انضمامهم لتلك المصانع؟
– هناك يعطونهم أجرًا يوميًا.
– هل تقول أجرا؟ هل كانت هاته إحدى ألفاظ تلك الفترة!
– أجر هي في الواقع كلمة لا نفهم معناها اليوم: كان الأجر عبارة عن عدد معين من العملات المعدنية التي كان يتم منحها يوميًا مقابل العمل.
– لحظة يا معلمي العزيز. إسمح لي مرة أخرى. سمعت أنك قلت عملات معدنية. ما هي هذه العملات المعدنية؟
– العملات المعدنية كانت قطع مستديرة من المعدن.
– لماذا كانت هذه القطع المعدنية المستديرة؟
– هذه القطع تسلم لمالك شي و هذا المالك يسلم الشيء.
– وهذا المالك، لن يسلم الأشياء إذا لم يحصل على هذه القطع المعدنية؟
– يبدو أنه، في الواقع، لا يسلمها.
– هؤلاء الملاك كانوا كائنات غريبة! ولماذا كانوا يريدون هذه القطع المعدنية؟
– يبدو أيضًا أنه كلما كان لديك المزيد من القطع، كان ذلك أفضل.
– كان أفضل؟ لماذا؟ ألا يمكن أن تكون هذه القطع في ملك كل من يريدها؟
– لا ، لم يكن بإمكان الجميع الحصول عليها.
– و ما أسباب ذلك؟
– لأن الشخص الذي كان يأخذها دون أن تكون له كان يحبس في شيء يسمى السجن.
– سجن! ماذا يعني السجن؟
– السجن كان عبارة عن مبنى يضعون فيه الكائنات التي كانت تفعل ما لا يريده الآخرون.
– ولماذا كانوا يسمحون لأنفسهم بالدخول إلى هناك؟
– لم يكن لديهم خيار آخر: كانت هناك كائنات أخرى ببنادق تجبرهم على القيام بذلك.
– هل سمعت خطأ؟ هل البنادق ما قلته للتو؟
– قلت، نعم سيدي، بنادق.
– ما هذه البنادق؟
– البنادق أسلحة كان يتم تزويد بعض الكائنات بها.
– ولأي غرض كانوا يحملون البنادق؟
– لقتل رجال آخرين في الحروب.
– لقتل رجال آخرين! هذا شيء ضخم وهائل ،معلمي العزيز. هل كان الرجال يقتلون بعضهم البعض؟
– كان الرجال يقتلون بعضهم البعض.
– هل أصدق هذا؟ أهذا صحيح؟
– هذا صحيح؛ أعطيك كلمة الشرف.
– أنت تجعلني مندهشا مرة أخرى، متعجبا، معلمي العزيز. أنا لا أعرف ما تحاول أن تعطيني بكلماتك الأخيرة.
– تحدثت عن الشرف؟
– لقد تحدثت عن الشرف.
– عفوا؛ هذا هو هاجسي الحالي. هذه هي نقطة ضعف كتابي. هذه خيبة أملي العميقة. لقد كررت غريزيًا كلمة رأيتها مشتتة بغزارة في وثائق الزمن ولم أتوصل إلى معاناها. شرحت لك ما هي المدن والفقراء والمصانع والأجور والعملات المعدنية والسجن والبنادق. لكن لا يمكنني أن أشرح لك ما هو الشرف.
– ربما كان هذا هو الشيء الذي جعل الرجال يرتكبون الأشياء الأكثر حماقة وغباء.
– ممكن…

المؤلف : خوسيه أوغوستو ترينيداد مارتينيز رويز ، المعروف باسمه المستعار أزورين وللد بمونوفار بمقاطعة أليكانتي ففي 8 يونيو 1873 و توفي بمدريد في2 مارس 1967. كان روائيًا وكاتبًا إسبانيًا مشهورًا ، كما كان أحد أهم النقاد الأدبيين الأسبان في عصره.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق