ثقافة المقال

الماء ثيمة حزن ونماء

هدى فهد المعجل*
في المشهد النهائي من مسرحية (فاوست) لكريستوفر مارلو؛ سرد فاوست أمنيته بقوله: «يا روحي, تحوّلي إلى قطرات ماء صغيرة, واسقطي في المحيط, وضيعي للأبد». فاوست يشكّل الشخصية الرئيسة في الحكاية الألمانية الشعبية عن الساحر والخيميائي الألماني الدكتور يوهان جورج فاوست الذي يُبرم عقداً مع الشيطان. ما يعنيني من نص المسرحية ليس فاوست، إنما أمنيته في تحّول روحه إلى قطرات ماء صغيرة يطلبها أن تسقط في المحيط، وبالتالي تضيع للأبد. فأتساءل لماذا اختار (الماء) كي تتحول روحه إليه؟! لماذا اختياره للماء من أجل انتهاء حياته سواء بتحول روحه إليه أو بسقوطها في المحيط ثم الضياع للأبد؟! لماذا تصوّر الشاعر الفرنسي بول إيلوار نفسه كـ(مركب) عندما قال في قصيدة له «كنت مثل مركب يغرق في الماء المغلق»، وهل الماء ثيمة سوداوية وحزن حينما اختار له الغرق في الماء غرقاً أشبه بغرق المركب أو السفينة؟!
بول إيلوار الاسم الأدبي لـ(يوجين إميل بول جريندل)، شاعر فرنسي، كان واحداً من مؤسسي الحركة السريالية. كان والده عاملاً وكانت والدته خياطة ثياب.
في كتاب لا يحضرني اسمه وقت كتابة مقالتي قرأت أن (الماء مادة القنوط). القنوط: اليَأْسِ، والإِحْبَاطِ. قول يخالف قولاً لأحد الفيزيائيين الغربيين حيث قال: «الماء هو السائل الأكثر كمالاً, ومنه تأخذ السوائل سيولتها». بالتالي ليس هو مادة قنوط، أو لأقل تحديداً ليس هو (فقط) مادة قنوط في حال صحت النظريات التي تفترض أن سطح الأرض كان في فترة ملتهباً، ثم صلباً لا توجد فيه التربة التي تنبت الزرع، ثم تعاون الماء والعوامل الجوية على تحويل الأرض إلى تربة لينة، ثم ظل الماء يشارك في إخصاب هذه التربة، وذلك بإسقاط (النتروجين- الأزوت) من الجو كلما أبرق فاستخلصت الشرارة الكهربائية التي تقع في الجو النتروجين الصالح للذوبان في الماء، ويسقط مع المطر؛ ليعيد الخصوبة إلى الأرض، وهو السماد الذي قلد الإنسان القوانين الكونية في صنعه الآن بنفس الطريقة! وهو المادة التي يخلو وجه الأرض من النبات لو نفدت من التربة. فهل نقول هي بركات (الأنوثة) ذلك لأن الماء في الفرنسية مؤنث والنار مذكر؟
كما أن الماء ثيمة قنوط وحزن وموت هو أيضاً ثيمة أمل وفرح وحياة بل وطقوس دينية؛ حيث ترتبـط احتفـالات يـوم عاشوراء بالمغـرب بالماء بعمليـة رش المـاء، وهي عادة وتقليد عميق في الثقافة المغربية، يرتبط بعمليـة الغمر والغطس في الصباح الباكر ليوم عاشوراء، يقوم به المغاربة لطرد النحـس والأرواح الشريرة، ويعتبرون أن عوم الصغار في صباح اليوم الباكر من عاشوراء ييسر نموهم بعيداً عن الأرواح الشريرة. بل إن الماء مرتبط بكل الثقافات والحضارات العريقة برمزية التطهير من الذنوب، وإعلان عن ولادة جديدة أحسن وأنبل من سابقتها. (إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ) (الأنفال: 11)، وعنه صلى الله عليه وسلم قوله: (اللهم اغسل خطاياي بماء الثلج والبرد)، فقد توصل العلم إلى إعجاز علمي تضمنه هذا الدعاء واختصاص الماء بالغسل وبالتنقية (يمكن لمن أراد الرجوع لموقع الإعجاز العلمي على الويب سايت) وبالتالي يعرف أن الماء والثلج والبرد هي حالات فيزيائية للماء لها قدرة كبيرة على التنظيف ولكل منها ميكانيكية خاصة في التنظيف.
القارئ للعهد القديم يجد أنه يبتدئ الكتاب المقدس من سفر الرؤيا بكلمة الماء (ماء الغمر)، وينهي بماء النهر الحي، وهي مياه الخلق، مياه الطوفان، مياه الغسل، مياه تطهير اليهود. كذلك الشيء نفسه في العهد الجديد، والثقافة الصابئة، والثقافة الكنعانية، المثيولوجيا الشركسية.
وبالنسبة للأحلام فنجد أن ابن سيرين ووفق الثقافة الإسلامية يربط الماء في الأحلام بالحياة الرغيدة للإنسان، فمنامة شرب الإنسان مياه صافية عذبة، تعني البشرى بالحياة الطيبة.
ولو تأملنا الأبراج وجدنا أن الفلكيين قسّموها إلى أربع مجموعات إحداها (مائية) وهي الحوت والسرطان والعقرب. الماء في شذوذه وهو (يتمدد بالبرودة ويتقلص بالحرارة) ومع شذوذه إلا أنه مادة ضعيفة التراكيب هشة البنيان، قابلة للتغير تحت أقل المؤثرات؛ فهو يتأثر بالصوت، والمغناطيسية، والحرارة، والبرودة، والضوء، والطاقة الحيوية، وخضع لتجارب كثيرة تبين منها أنه يحتفظ بالمعلومات المرسلة من قبل الأجسام البيولوجية. فهل بعد كل هذا أكتم عنكم استمتاعي أثناء قراءتي لكتاب: غاستون باشلار (الماء والأحلام: دراسة عن الخيال والمادة) الذي كتب متحدثاً عن الماء، وعلاقته بالماء، وسر اشتغاله على ثيمة الماء/ الحياة: «ولدت في بلد السواقي والأنهار, كانت سعادتي في مرافقة السواقي والمشي على طول الحواف, بالاتجاه الصحيح, اتجاه الماء الجاري، الماء الذي يقود الحياة إلى مكان آخر. بينما كنت أحلم قرب النهر نذرت خيالي للماء, للماء الأخضر الرقراق, للماء الذي يخضر المراعي، لا أستطيع أن أجلس قرب ساقية من دون أن أغوص في حلم يقظة عميق وأن أستعيد رؤية سعادتي. ليس من الضروري أن تكون الساقية والماء في منطقتنا, فالماء مجهولُ الاسم يعرف أسراري كلها والذكرى ذاتها تخرج من سائر الينابيع».

*كاتبة وقاصة سعودية

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق