ثقافة السرد

مشارفُ البُعْدِ*

** شريفة عرباوي

لو تدري حبيبي هذا الذي استوطن العمق وسكن كلّ دواخلي وزوايا الصدر، ونزل بعد رحيلك، مُقيما لا يرحل، في ثانيا القلب. ليذهب بالفرحة حيث مشارف البعد، ويطرد الزهو إلى ما وراء التخوم في فضاء النفس. هذا الذي تغلغل في الجزء والكلّ من الجسد والروح، عند رحيلك دون ما كلمة وداعا تطفي حريقي وتبلّل لوعتي. هذا الذي أحالني، بحلوله في مسكن الروح، على الزّهد والتزهّد في كلّ ما ترفل به الحياة، من زخرف الدنيا ومباهج العيش، وسمّرني مشلولة الحلم، على رصيف الانتظار، أرقب الساعة التي ستحملني على ظهر الغيب حيث أنت.
لو تدري حبيبي…كم بحّ صوتي متوسّلة أناديك لتعود حتى أغمرك بقُبل الوداع قبل الرحيل. لو تدري كم ناديتُ، لهزّك ندائي وعدت إليّ، من خلف الدّيار التي سكنت، ومن وراء ذلك الغيب الذي نزلت به. في البُعد السّحيق في الوحشة المُقيتة في اللاّ فراش ولا غطاء ولا موضة حسّ من الأحياء.
لو تدري حبيبي لهزّك ندائي وعدت إليّ، لأبثّك ما يختلج به صدري من الشوق إليك، من الحنين إلى حديثك المُستطاب في ليالي الزّهو، كلّما التئم الجمع في بيتك الرّحب المرح بوجودك، وكلّما جمعتنا حولك دروب البُعد والتشتّت ومسارب الحياة العدّة التي فرّقتنا. حنين إلى نكاتك الطريفة التي كان يرتفع لها المكان بالضّحك، وتهتزّ لها الجوارح والقلوب. إلى طلعتك وأنت جالس على كرسيّك أمام عرينك، عند استرخاء النّسيم بعد القيلولة، وفي سمر اللّيالي الصيفيّة الزاهية، ومن حولك من الأبناء والأحفاد، ومن الإخوة والأخوات الذي يرون فيك الأب العطوف والأخ المحبّ، حنين إلى عطف الأبوّة الذي فقدتُ ولم أتخطّ الطفولةَ من سنين العُمر، فكنتَ معوّضي وإخوتي هذا العطف والحنوّ وكلّ ما يُعطيه الأب. وسنّك لم تنضج بعدُ، وعُودك مازال نحو الليونة يميلُ. لكن كبر فيك العقل ونضج عندك طبع البذل وجبلّة العطاء.
لو تدري حبيبي لهزّك ندائي وعدتّ إليّ، لأقول لك بالحرارة المعهودة في لحظة الوداع كلّما طلبني السّفر، وناداني الرحيل إلى البعيد: وداعا حبيبي، وأقبّلك وأتأمّلك وأردّدها ألف مرّة على مسمعك: وداعا حبيبي، فأنا لم أقلها لك في المرّة الأخيرة وظننت أنّني عائدة إليك. لو تدري كلّ هذا حبيبي لعدت إليّ.
* هذا النصّ مُهدى إلى أخي الذي ركب قطار اللاّ عودة ولم تُتح لي فرصة توديعه…فخلّف في القلب لوعةً وأسى…

** كاتبة تونسية مُقيمة بباريس.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق