ثقافة المقال

البوكر العربية.. أسئلة وملاحظات

سامي البدري*

لا خلاف على أن أي لبنة ثقافية هي مساهمة في صرح المشروع الثقافي العربي الذي نطمح إلى تأسيسه، والذي نعاني الجدب الفكري والثقافي بسبب غيابه. كما أن لا خلاف على أن الجوائز الإبداعية هي لبنة مهمة في هذا الإتجاه، الذي هو محط أنظار جميع المثقفين العرب.. ولكن السؤال قائم ـ في نفس وشعور أغلب المبدعين العرب ـ حول المعايير والأهداف المعتمدة في إنتقاء الأعمال التي ترشح ـ من حيث المبدأ ـ لمثل هذه الجوائز… وطبعا جائزة البوكر العربية من بين أولها، ليس تشكيكا من أجل التشكيك أو لشعور بعض المبدعين بالغبن من ترشيحاتها، وإنما لأن جائزة البوكر، على وجه الخصوص، ترشح نصوصها ـ ترشيحات القائمة الطويلة أقصد هنا ـ من قبل دور النشر التي تصدر تلك الأعمال.

ألفت نظر الجميع هنا إلى أن دور النشر العربية هي أهم حلقة تعاني من تغيباتها النصوص الروائية، وإنها السبب الأول في قمع الإبداع الروائي، بسبب طريقة تعامل تلك الدور التجارية (التي لا تتوخى الربح فقط وإنما تتوخى إستغلال الكاتب أبشع إستغلال) البحتة أولا، وثانيا لأن أغلب دور النشر العربية تخضع (لمزاجية أصحابها الأيديولوجية) والتي غالبا ما تكون نابعة أو تابعة لتوجهات بعض مموليها المؤدلجين سلفا، ثانيا، وهذا ما يعني إقصاء أو نبذ كم لا يستهان به من الأعمال الروائية، التي ربما يكون بينها كم من الأعمال المهمة ثقافيا وفكريا، على وجه الخصوص.. فهل دور النشر المتحكمة (ماديا وسلطويا) في عملية النشر هي مؤهلة فعلا لترشيح النصوص لجائزة بمثل حجم البوكر العربية؟
وفي المرحلة الأهم يأتي دور لجان التحكيم، وأنا هنا لا أشكك في قيمة أصحابها العلمية ـ تجوزا هنا ـ والمعرفية وإنما رأيتهم في بعض دورات هذه الجائزة، إنهم كانوا يخضعون لبعض التوجهات الايدلوجية التي لا تنسجم مع روح الرواية وأهدافها، على وجه الخصوص، وخاصة في مرحلة الترشيح لمرحلة قائمة الست نصوص التي يختار من بينها النص الفائز بالجائزة الأولى.
فوفق أية معايير ترشح النصوص للقائمة الطويلة؟ أهي معايير نقدية فعلا أم لعلاقات مادية وشخصية تربط الكاتب بناشره؟ ووفق أية معايير ترشح الروايات لقائمة الروايات الست؟ أهي ترشح وفق معايير إبداعية فعلا أم نقدية صرف؟
أنا كمبدع روائي (أو هكذا أعتبر نفسي لكوني روائي وأمارس النقد) أرى أن لجان التحكيم، وخاصة مع الرواية، يجب أن تكون إبداعية بالدرجة الأولى، بمعنى أن يكون الرأي فيها لمبدعين روائيين حقيقيين وليس لنقاد، وهم في الحقيقة ـ في أغلب بلاد العرب ـ ليسوا بنقاد حقيقيين وإنما هم دارسي أدب أكاديميين فقط……. وشتان ما بين الناقد المبدع والدارس الأكاديمي… وأنا شخصيا من المؤمنين بمقولة الروائي أرنستو سوباتو (أعجب لمن لم يجبر رجل قطة كيف يبدي رأيا في عملية جراحية)!
اذا.. هناك الكثير من الروايات التي تهملها دور النشر، بسبب إفلاس كتابها وعدم قدرتهم على طباعتها.. وهناك الكثير من دور النشر الكسلة التي لا ترشح ما تطبع.. والأهم هو عدم جدية ادارة جائزة البوكر في البحث عن النصوص الروائية الجديدة… ولأسباب، سأقول إني أجهلها، كي لا أقول ربما هي ايديلوجية… وإلا لم ترشح، وهذا على سبيل المثال، رواية (الحفيدة الأمريكية)، للروائية العراقية، أنعام كجه جي، قبل عامين، وترشح لها رواية (طشّاري) هذا العام؟ هل أجدب الروائيين العرب؟ ألم يظهر روائيين جدد على الساحة خلال العامين الأخيرين؟
متابعتي للإصدارات الروائية تقول هناك… والكثير… إذن أين الخلل؟

*روائي وناقد

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق