قراءات ودراسات

البناء المتوازى وتماسك النص فى رواية السائرون نياما لسعد مكاوى

د.محمد عبدالحليم غنيم

لا جدال “أن ترتيب الحدث فى الرواية قضية أساسية تفرضها طبيعة الحدث والشخصيات والزمان والمكان ، وكلما أجاد الروائى ترتيب حدث روايته ، كان أكثر قدرة على إبلاغ المتلقى رسالته الفنية فالترتيب الجيد يضفى على النص قوة ويكسبه ميزة خاصة به “(1) على أنه ثمة محزور تفرضة طبيعة المادة الروائية فى الرواية التى توظف التاريخ ، ألا وهى مزج الأحداث التاريخية بالأحداث الواقعية ، وقد رأينا أن الحدث التاريخى يفقد طبيعته ، ويتحول بفعل رؤية الكاتب وطبيعة السرد الروائى إلى مادة روائية تدخل فى نسيج العمل الروائى المشكل ، لذلك سندرس الرواية التاريخية عند سعد مكاوى واضعين فى اعتبارنا أنها لا تختلف عن الرواية المعاصرة من حيث البناء .
وإذا تأملنا الحدث جيداً ، نجده مجموعة وقائع منتظمة أو متناثرة فى الزمان وتكتسب تلك الوقائع خصوصيتها وتميزها من خلال تواليها فى الزمان على نحو معين ، وإزاء هذا نجد أن الزمان حقيقة مطلقة تكتسب صفتها المحسوسة من خلال مرور تلك الوقائع ، لهذا فكل من الحدث والزمان لا يكتسب خصوصيه إلا من خلال تداخله مع الآخر، ويعرف الدكتور ، “زغلول سلام ” الحدث بأنه “اقتران فعل بزمن” (2)
أما الزمن فهو “ضابط الفعل ” ، وبه يتم وعلى نبضاته يسجل الحدث وقائعة ” (3) على أن هذا الفعل لابد أن يقع فى مكان ما ، وهكذا لا يمكن فصل المكان والزمان عن الحدث .
أما بناء الحدث فى الرواية فنقصد به ” الترتيب الذى يكون عليه الحدث ، أى صورة تواليه فى الزمان “(4) والمكان أيضاً. ولما كان البناء الروائى : بناء الأحداث وترتيبها يختلف عند سعد مكاوى من رواية إلى أخرى ، رأينا أن ندرس طبيعة هذا البناء فى كل رواية على حدة ، لما تتميز به كل رواية من رواياته الثلاث ، موضوع البحث ــــ ببناء خاص بها ، وقد كشف لنا التحليل أن بناء الأحداث عنده – أى سعد مكاوى – يتأرجح بين البناء التقليدى للأحداث وبين ما أطللقنا عليه البناء المتوازى للأحداث ، إذ تدخل رواية “السائرون نياماً” تحت الأخير وتدخل “لا تسقنى وحدى ” تحت البناءالتقليدى فى حين تجمع “الكرباج” بين البنائين معاً ؛ مما جعلها فى النهاية تخرج فى شكل بدا أقل بكثير من إمكانيات سعد مكاوى الفنية حتى لتعد – من وجهة نظرى – أضعف روايات الكاتب ، و نتناول فيما يلى بناء الأحداث فى روايات الكاتب ، مفهوم البناء وأبرز الخصائص الفنية للعمل الذى يندرج تحته .
– البناء المتوازي :
لقد اقترن تاريخ الرواية فى القرن العشرين بمحاولات تجديد فى أساليب السرد وطرائف البناء والاستخدام المتنوع للزمن ، مثل تيار الوعى عند فرجيينا وولف وجيمس حويس ، و كتاب الرواية الجديدة فى فرنسا ولعل سعد مكاوى الذى عاش فترة من الزمن فى فرنسا قد لمس بنفسه هذه المحاولات التجديدية فى لغتها الأصلية مما كان له تأثيره على بناء روايته ونقرر بدءاً أنه غير ميال إلى الانعطاف الحاد فى التجديد ، فكما سنرى فى الفصل الخاص بالسرد والحوار ميله إلى الاتجاه التقليدى فى السرد ، نجده أيضاً فى بناء رواياته يتأرجح بين البناء التقليدى وبين استخدام أبنية جديدة ، كما هو الحال فى اعتماده للبناء المتوازى فى رواية “السائرون نياماً” . وهو نمط من البناء ، اعتمد تقسيم أحداث الرواية على عدة محاور ، تتوازى فى زمن وقوعها ، ولكن أماكن وقوعها تكون متباعدة نسبياً ، وتظل لتلك المحاور شخصياتها الخاصة بها ، تنمو وتتطور إلى أن تلتقى فى خاتمة الرواية ، أو قد تظل معلقة “(5) ولا يعنى تزامن الأحداث توقف جريان الزمن فى الرواية ،إذ هو المؤشر الذى نضبط عليه إيقاع الأحداث ، والواقع أن أية رواية مهما ادعت من فنون التجديد لا يمكن بحال من الأحول أن تستغنى عن أثر البناء التقليدى ، أى تتابع الأحداث فى الزمن ، وإلا توقف القص ، وانتفى الشكل الحكائى كلية ” ، وفى هذه الحالة لا يمكنا أن نطلق على العمل صفة الروائية أو القص ، ونحن عندما نضع رواية “السائرون نياماً” تحت مصطلح البناء المتوازى ، لا يعنى افتقارها إلى البناء التقليدى ، إذ هو كائن فى كل محور من محاور أحداث الرواية الثلاثة ، كما سنرى فيما بعد ، بيد أننا نعتمد الصفة المسيطرة على البناء ، وهى هنا فى “السائرون نياماً” التوازى .
تدور الأحداث فى الرواية على مدى ثلاثين عاماً ، حددها الكاتب بقوله ” الفترة التاريخية التى تدور فيها أحداث هذه القصة لا تكاد تتجاوز ثلاثين سنة ( 1468 – 1499 ) من عمر سلطنة المماليك “(6) . وهى فترة طويلة نسبياً زاخرة بالأحداث الكثيرة المتشعبة مما يجعل مهمة الكاتب شاقة فى تنظيمها وبناءها بناءاً محكماً ، ولم يكن أمام سعد مكاوى للوصول إلى هذا البناء المحكم إلا أن يسقط فترة زمنية من السرد التاريخى وصلت إلى ما يقرب من تسعة وعشرين عاماً دون الاخلال بالسرد القصصى فإسقاط فترة من الزمن الواقعى ، لا يعنى اختزال الأحداث والشخصيات على إمتداد الرواية ، لذلك كان لجوء الكاتب
إلى البناء المتوازي فى تركيب الأحداث خير وسيله للوصول إلى بناء فنى محكم قادر على توصيل رؤية الكاتب
​وفى الرواية تتوازى الأحداث فى ثلاث محاور أساسية تؤلف بإجمالها حدث الرواية ، وهى : المحور الأول ، الذى يربتط بالمماليك والسلاطين وما يدور فى فلكهم من شخصيات داخل القلعة وخارجها . والمحور الثانى ،الذى يرتبط بالشخصيات الشعبية وهو يختلف عن المحور السابق المرتبط مكانيا بالقاهرة فقط ، وبخاصة القلعة ، فى أنة يجمع بين مكانيين هما : القاهرة وميت جهيئة ، بمعنى آخر المدينة أو القرية ، مما يشي بدلالة وحدة الشعب وتماسك الشخصيات المؤلفة لهذا المحور ، يؤكد ذلك وقوف شخصيات أخرى من الصعيد بجوار أهل “ميت جهيئة” والقاهرة فى صراعهم مع آل حمزة .
​أما المحور الثالث ، فيرتبط بشخصية حمزة “الكبير وابنة” إدريس “وحفيده من بعدهما الذين يمثلون الطبقة البرجوازية ، بكل قيمتها ومثلها الاجتماعية والمادية ، فى مواجهة الشعب فى القرية .
​ويظهر بقوة تماسك البناء فى الرواية من خلال المحور الثاني الذى يمثل حلقة الوصل بين المحورين الأول والثالث ، ثم من خلال تفاعل شخصيات كل محور على حدة ، وحيث لكل متها بنيتها الخاصة المتماسكة فى حد ذاتها ، إذا تتصارع شخصيات كل محور مع بعضها البعض ، كما سنرى من خلال الأحداث .
​يقسم “سعد مكاوى” روايتة إلى ثلاثة أجزاء ، ويعطى لكل جزء اسما خاصة به : الطاووس – الطاعون – الطاحون ، وهى معادلة منطقية جداً فإذا انتشر الظلم والسلب والنهب ، وتمتعت فئة صغيرة وعاشت متخمة برفاهيتها فهى كا (الطاووس) . وإذا استشرى الفقر وعم وعاشت فيه الغالبية العظمى البائسة وتلظت على نيرانه فهى كا (الطاعون) ، وحتى إذا استمرت هذة الأوضاع لمدة ثلاثين عاما ، فلا بد أن تتقلب وتتغير الأحوال ، وحين يفيض الكيل بالمطحونين ينطلقون من (الطاحون) إلى الثورة “(7)
​ويتشكل البناء الرواية من خلال الصراع فى المحور الثانى / الشعب مع محورى الرواية الآخرين ، وذلك على مستويين رئيسيين، المستوى الأول : السلطان / الرعية ، والمستوى الثانى الصراع الطبقى بين الطبقى بين الطبقة العاملة (العمال فى القاهرة والفلاحين فى ميت حهيئة) وبين الطبقة البرجوازية التى تمثلها آل حمزة . وبذلك يتشعب الصراع مما يثرى العمل درامياً ، ويعطية حيوية متدفقة تجعل الرواية نابضة بالحياة و زاخرة بالقيم الإنسانية والروحية .
​1-تحت المستوى الأول : يدور الصراع بين الشعب والمماليك ، يمهد الكاتب لهذا الصراع منذ بداية الرواية من خلال تشوق “يوسف الجهينى ” لرؤية السلطان ، فبالكاد يفلح فى رؤية شاربة ، مما يشى بالانفصال واتساع الفجوة بين الشعب والحاكم ، ثم قتل ” بلباى ” للشيخ ” علاء الدين السجين وتسعة آخرين ، ويستمر الصراع حتى يبلغ ذروته القصوى فى اختطاف “عزة ” أخت ” خالد” من الحمام وهى عارية ، وقد جعل الكاتب عملية الخطف بمثابة رمز لاختطاط مصر كلها على يد عصابة المماليك ، فيقول على لسان زليخة ” . ” أينما تولى وجهك فسمى وجه عزة ، يداها فى البحر المالح وقدماها فى أرض الصعيد وملء البر أنفاسها الطاهرة “(8) على أن هذا الاختطاف يمثل أيضاً – نقطة تحول فى طبيعة الصراع ، إذ يبدأ من بعده الصراع المسلح والمواجهه الفعلية بين المماليك والشعب ، لتكون بمثابة بداية الثورة ، وفى الآن نفسه بداية لانتقال الصراع إلى المستوى الثانى .
2- وتحت المستوى الثانى :
يدور الصراع بين الشعب وبين الطبقة البرجوازية (آل حمزة فى ميت جهينة) ، ولا يعنى هذا انتهاء الصراع بين المماليك والشعب ، إذ هو كامن فى نفوسهم ، لذلك ينفجر مرة أخرى فى الجزء الثالث من الرواية ، وذلك من خلال حادثة الشيخ الدلاتونى فى القاهرة ، حيث ينزل المماليك داره مفرقين شمل تلاميذه ، قتلاً وتشريداً .
وفيه أيضا – أى المستوى الثانى – ينتقل الصراع إلى القرية ، ليبدأ فى الأول صراعاً تقليدياً له جذوره التاريخية بين ” آل حمزة الملتزم ” وبين أسرة “سليمان أبى طاسة ” ، حول الأرض والعرض والشرف إذ يستبيح الملتزم كل شئ فى القرية بما في ذلك النساء ، ويكاد هذا الصراع يستأثر بمعظم الأحداث فى الرواية ، ليتخذ فى هذه الحالة – خط الأحداث البناء التقليدى ، خاصة بعد هجرة أقارب “سليمان أبى طاسة ” وبقية أشخاص المحور الثانى إلى قرية “ميت جهينه” ، ليكونوا فى النهاية أداة فعالة لحسم الصراع ، الذى تنتهى به الرواية فى الأخير، ممثلاً فى قتل “حمزة بن ادريس ” أمام الطاحون ، ودخول الشعب إلى منزل “آل حمزة” لأول مرة ، فاتحين صوامع الغلال ، وقاتلين الملتزم الكبير نفسه ” إدريس” . كما سنرى فى هذا المقتطف من الرواية :
” – فتحناها فتحناها !
– صوامعنا !
– كله من فضلة خيركم .
– إرادة الله فيكم .
– أبشر يا ساكن الجميزة .
– يا محمد أين أنت ؟
عند مسقط السلم رفع إدريس صلعته التى سقطت عنها العمامة فى زحفه الأرضى المذعور فرأى على الدرجة الرخامية العليا ستة أقدام حافية مطينة تسد السبيل ، وشعر وعرق فى أربعة سيقان وفى أقصى اليمن كشكشة سروال امرأة …
راكع بارز البطن مثل صوامعه وهو يخطف نظرة عبر الأبدان الثلاثة إلى الوجوه .. بلطتان وفأس ، بائع الخروب ابن مصر والبنت والولد !!
عيون فيها هول ، البنت والولد ، بلطة وفأس !
وخرس لسانه عندما أراد أن يتكلم ، أن يقول لهما أن كل هذا ملك لهما وأنه أبوها ، لكن نظرة قلق فى عينى صاحبهما اللتين تكشفان الغرب جعلته يرهف سمعه ، فيسمع وقع سنابك الخيل المقبلة … ومن تحت ومن قاع البيت حيث جثة ابنة مسجاة وسط النساء ، تعالت فجأة زغرودة ..
ثم نبع سفلى من الزغاريد .. لقد جاء العسكر !
صرخة عاتية ، وبالبلطة المرفوعة فى يديها تقدمت نور وثبتت قدميها ونصبت طولها :
– لكن قبل أن يدهمونا تقبل يا أبتا التحية !!
وأخذت نفساً كبيراً فى شهقة عالية ، وضربت ضربتها ” (9) .
آثرنا أن ننقل هذا النص – رغم طوله – من الرواية ، لأنه يمثل مغزى الصراع الكلى والنهائى القائماً عليه الرواية ، حيث يتمثل فى تعاون السلطة الحاكمة والطبقة البرجوازية ضد الشعب .
وبالوقوف عند طبيعة الصراع داخل كل محور، نجد أن الصراع فى المحور الأول ، القائم على الكذب والخداع والتهالك على الظلم والوصول إلى مقعد الحكم ، بقطع النظر عن الوسيلة إلى ذلك ، يضعف السلطة ، ومن ثم يتحقق التوازن مع الطرف الآخر للصراع ، أى الشعب ، وقد جسد الكاتب هذا الضعف فى ضعف الحاكم وعجزة الجنسى أوالعقلى ، ومن ثم يتوالى الحكام ،حاكم إثر آخر ، ” كلما وقع عجل طلع لنا غيره ” حتى إنه فى خلال ليلة واحدة يجلس على أريكة الحكم ثلاثة سلاطين ، ولعل خير ما يجسد هذه الحقيقة التاريخية فرار السلطان قنصوة من القلعة فى زى النساء .
ويختلف الأمر تماماً فى الصراع داخل أحدث المحور الثانى / الشعب ، عمال وفلاحين ، إذ نجد أن هذه الطبقة تتصارع فيما بينها من أجل الوحدة والتمسك بالقيم الثورية فى وجه الاستبداد والظلم ، الواقع عليهم من قبل المماليك وآل حمزة ـ، فزليخة ورجالها ، أيوب وزين الدين وعمر يأتون بالشيخ عباس إلى حوش الدراويش مكتفاً اليدين والقدمين ، رغم أنفه وهنا يكون النهى عن المنكر والأمر بالمعروف باليد لا باللسان ، وفى الوقت نفسه يساعد الصراع مع المحورين الأول والثالث على وحدة شخصيات هذه الطبقة وقوتها ، فــــ “عيسى ” الهارب من حكم غيابى ضده بالسجن من قبل قاض ظالم (معاون للسلطة) ، وذلك بسبب رفضه الإذعان لرغبة امرأة من الحكام فى الاتصال الجنسى به ، مما يشى برفض الشعب للانخراط والتعاون مع المماليك ، ينضم إلى حزب المظلومين (الشعب ) ، ومن ثم يصبح عاملاً مساعداً فى قوة الشعب ، إلا أن ذلك يتطلب التطهير أولاً ، فيطلب منه عمر :
“أريد منك أن تقسم أمامنا الآن أنك لن تقع بعد اليوم فى غضب أمرأة تطاردك بنقمتها بعد إعراضك عنها ، وأنك ستتزوج فى حياتك الجديدة وتغض بصرك عن نساء الغير ” (10)
وبخطف ” عزة” وضياعها ، ينضم ” خالد” ويتوحد مع أهل ميت جهينة ، وكان قد سبقه إلى هناك “خليل” العريف ، إلى أن ينضم “يوسف” ، بعد نجاته من المماليك فى هجمتهم على منزل الشيخ الدلاتولى ، ثم يدافع المرؤة والقرابة ينضم أخوال “حسن” ابن عم “بركات” الذى خصاه الملتزم وعلقه فوق الشجرة فى ميت جهينة بعد أن تم ضبط زوجة ابنه معه فى وضع جنسى ، وسنلاحظ أن أخوال حسن أتون من الصعيد ، وهكذا يلتئم شمل الجميع مكونين بذلك قوة ضاربة ، تحسم الصراع لصالحها كما أشرنا من قبل .
وأخيراً نأتى إلى شخصيات المحور الثالث ، الملتزم وعائلته فى قرية “ميت جهينة” ، فنجد أنها تميزت بسمتين هما :الثبات ، وذلك بتركيزها فى عائلة واحدة هى “آل حمزة” ، أما السمة الثانية فهى :المهادنة ، إذ أنها كطبقة زئبقية تحاول أن ترضى جميع الأطراف فى سبيل مصلحتها الشخصية ، حتى وإن كات هذه المصلحة تتمثل فى المتعة الجنسية ، وإن كانت لا تتحقق فى الغالب إلا عن طريق الاغتصاب : اغتصاب حمزة الكبير (الجد) لـــــ “ست الكل” ، واغتصاب “إدريس” “لفاطمة” زوج ” غالب” و” محسنة” زوج “عيسى” فى حين تبوء كل محاولات “حمزة ” الحفيد فى الوصول إلى نور ابنه “عيسى” بالفشل الذريع مما يشى باتجاه الصراع الذى أخذ يميل لصالح الشعب ، وهكذا يصبح الفشل فى الاغتصاب معادلاً للفشل فى السيطرة على أهل “ميت جهينة”
وقد وفق الكاتب توفيقاً كبيرا عندما جعل هذه الطبقة تقضى على نفسها بنفسها ، وذلك عن طريق فسادها الأخلاقى المتمثل فى تهالك آل حمزة على الجنس ، رجالاً ونساء على السواء (تمارس زوجة إدريس الجنس مع بركات خادمها ) ، على أن هذا التهالك ، إلى جانب دلالته المادية – يأتى بنتيجة عكسية تماماً ، لا تكون أبداً فى صالح “آل حمزة ” فتطلق زوجة إدريس ويخصى بركات ، مما يترتب عليه الإساءة إلى آل حمزة وفى الوقت نفس مطالبة أهل بركات بالثأر لابنهم ، وقد حدث ، إذ قتل حمزة ، وسنلاحظ أنها حاثة القتل الوحيدة فى ميت جهينة . ومن ناحية أخرى يأتى اغتصاب ” فاطمة ” و ” محسنة” بإنجاب ” محمد” و ” نور” اللذين يقتلان بأيديهم ” إدريس” الملتزم والدهما الحقيقى ، وكأنى بالاغتصاب هنا بمثابة معادلاً موضوعياً لاغتصاب الملتزم للأرض ، فالأرض ملك لمن يزرعها ، ومن ثم يكون الانتماء الحقيقى ” لمحمد” و “نور” لأبيهما غالب وعيسى ، وبالتالى يكون لطبقتهما أيضاً .
ويبقى أن نؤكد فى النهاية أن هذا النوع من البناء – أى البناء المتوازى – مكن “سعد مكاوى ” من تنظيم مادته القصصية ، سواء أكانت وقائع تاريخية أم وقائع خيالية ، فى بناء هندسى محكم ، استطاع فيه أن يوازن بين المادة التاريخية والمادة الخيالية ، دون أن تجور إحداهما على الأخرى ، وفى الوقت نفسه أعطى كل شخصية حقها من التصوير مما جعلها تتجسد أمامنا حية، رغم كثرة الأحداث فى الرواية .

الهوامش :
1- عبد الله إبراهيم ، البناء الفنى لرواية الحب فى العراق ، دار الشئون الثقافية العامة ، بغداد 1988 ، ص51 ، 53 .
2- محمد زغلول سلام ، النقد الأدبى الحديث ، أصولة واتجاهات روادة ، منشأة المعارف – الاسكندرية 1981 ص 111.
3- المرجع نفسه ص113 .
4- عبد الله إبراهيم ، البناء الفنى لرواية الحرب فى العراق ، مرجع سابق ، ص27 .
5- عبدالله إبراهيم ، المرجع نفسه ، ص 54 .
6- سعد مكاوى ، السائرون نياماً ، الدار المصرية للتأليف والترجمة ، القاهرة 1965 ، ص2.
7- حسين عيد ، السائرون نياماً ، لوحة ساحرة للعصر المملوكى ، مجلة الثقافة الجديدة ، أغسطس 1990 ، ص22 .
8- سعد مكاوى ، السائرون نياماً ، مصدر سابق ، ص68 .
9- سعد مكاوى ، المصدر نفسه ، ص 282 ، 283 .
10-سعد مكاوى ، المصدر نفسه ، ص 39 .

1

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق