قراءات ودراسات

كتاب الباحث يحيى عمارة “مرجعيات الشعر العربي المعاصر بالمغرب” بين الإحالــة العلمية والسرقــة:

د. أحمد مرزاق*

• معطيات توثيقية:
الكتاب بعنوان: مرجعيات الشعر العربي المعاصر بالمغرب: دراسة تحليلية مقارنة، للباحث والأستاذ الجامعي والشاعر المغربي يحيى عمارة، وقد صدر عن مقاربات للنشر والصناعات الثقافية، بمدينة فاس، في طبعته الأولى عام 2018، 608ص.
والكتاب في أصله أطروحة دكتوراه كانت بعنوان “المرجعية القرآنية والتراثية في الشعر المغربي المعاصر”، وهي “أطروحة لنيل دكتوراه في الآداب” أعدها الطالب عمارة يحيى تحت إشراف الأستاذ الدكتور محمد علي الرباوي، في السنة الجامعية: 1424-1425ﻫ/2003-2004م، بجامعة محمد الأول، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، وجدة، بشعبة اللغة العربية وآدابها، وحدة التكوين والبحث: التراث الأدبي الأندلسي المغربي.
• على سبيل التقديم:
نستهل هذا الدراسة بكلام مصطفى صادق الرافعي؛ إذ يقول هذا الأديب في مقامٍ شبيهٍ بمقامنا هذا، مع الإشارة إلى أن التسويد في النص المستشهد به من وضعنا:
“ولم نعرضْ ولا نريدُ أن نعْرضَ إلى فساد معانيه، فنقول: هذا ضعيفٌ وهذا ركيكٌ، ولو قال: كذا لكان أحسن إلخ إلخ.
(…)، ولكنك حين تقول: سَرَقْتَ، ومَسَخْتَ، وغَلَطْتَ، وأخْطَأْتَ تراه قد ابتلعَ لسانه واسْتَخْذى وانكسر، إذ ما عسى أن يقول، ولا محلَّ هنا لذوقٍ يُختلف فيه، ولا لقديمٍ أو جديدٍ يهرب بأحدهما من أحدهما”.
لقد أوقفنا البحث والدراسة على أشياء كثيرة مخلة بالبحث العلمي، نذكر منها في هذا المقام بعض الأشياء ونترك التفاصيل إلى دراسة مفصلة نحن بصدد إنجازها:
– لم يذكر الباحث يحيى عمارة تسعةً وستين (69) مرجعاً ومصدراً في لائحة المصادر والمراجع الموجودة في آخر الكتاب رغم أن الباحث ذكرها في متن الدراسة، والكتاب ليس تأليفاً حتى يتخفف صاحبه من التوثيق، بل هو عمل أكاديمي ناقشته لجنة علمية، إذ الكتاب في أصله أطروحة دكتوراه مرِّ على مناقشتها أربعة عشر عاماً (من 2004 إلى 2018).
– الخلط بين المفاهيم (وأوضحه مفهوم المرجعيات الذي أقام عليه الباحث الدراسة)، والأحكام غير المستندة إلى استدلال، وسرقة نصوص وأطر عامة (وأقلها: سرقة نص رولان بارت من الترجمة العربية وادعاء العودة إلى الأصل الفرنسي مع الخطأ في الصفحة وفي متن النص، وسرقة نص جوناثان كلر دون إحالة، ونص مصطفى السعدني)، و”قلة الفهم” (ومثاله ما نقله عن عبد الله العروي).
– أخطاء بالجملة منها ما يرتبط بالمعرفة، ومنها ما يرتبط برقن المادة، وقد أحصينا في مرحلة أولى ما يزيد على خمسين خطأ.
كل هذه الأمور قد تكون زعماً ومحضَ ادعاء، ونحن نقبل ذلك، ولهذا لن نناقشها هنا، بل سنكتفي بتحديد السرقة الواضحة أخذاً بنصيحة الرافعي التي افتتحنا بها هذه الدراسة.

1. يحيى عمارة والباحث المغربي أحمد بوحسن:
نشر أحمد بوحسن مقالة “المرجع بين النص والقارئ” أول مرة في مجلة المشروع المغربية، العدد 9، 1988، وأعاد نشرها ضمن كتابه: في المناهج النقدية المعاصرة، الرباط: دار الأمان، ط1، 1425ﻫ-2004م، (ص9-20)، ونحن نعتمد، في هذه الدراسة، على ما ورد في هذا الكتاب.
إن الباحث يحيى عمارة أحال إحالة علمية على هذه المقالة في (ص11)، لكنه لم يحل عليها مطلقاً في (ص12) بعدما أخذ منها خمسة أسطر تقريباً، ودونك جدول المقارنة:

الباحث يحيى عمارة
الباحث أحمد بوحسن:
* مباشرة بعد العنوان الفرعي “أ- المرجعية:”، يقول الباحث يحيى عمارة بالحرف:

إن مفهوم “المرجعية” من المفاهيم المحدثة في التصورات والكتابات النقدية الحديثة والمعاصرة، وقد تعرض له الفلاسفة والمناطقة واللسانيون، ثم النقاد الواقعيون والبنيويون والسيميائيون، وذلك في إطار بحث علاقة الذات بالموضوع؛ بمعنى البحث في عالم اللغة، والكلمة، والجملة، والخطاب، والنص من حيث ارتباطها بعالم الموجودات، وفي إطار معرفة مصادر الكتابة ومنابعها التي يستقي منها المبدع مقومات عالمه الإبداعي.

يراجع يحيى عمارة: مرجعيات الشعر العربي المعاصر بالمغرب، ص12.
* مباشرة بعد العنوان الفرعي “تقديم”، يقول الباحث أحمد بوحسن بالحرف:

يرمي هذا العرض إلى إلقاء بعض الأضواء على ما يتعلق بنظرية المرجع، التي تعرض لها الفلاسفة والمناطقة واللسانيون، ثم السميائيات الأدبية وفلسفة التأويل. وذلك في إطار البحث عن العلاقة بين الذات والموضوع: الكلمة والشيء، العلامة ومدلولها ومعناها. وبعبارة أخرى البحث في عالم اللغة: الكلمة، الجملة، الخطاب والنص، من حيث ارتباطها بعالم الموجودات، ومقدار إحالة عالم اللغة على الموضوع الذي يتحدث عنه ونوع العلاقة الموجودة بينهما.

يراجع أحمد بوحسن: في المناهج النقدية المعاصرة، ص10.

– الباحث يحيى عمارة لا يُحيل إطلاقاً على أي مصدر أو مرجع لا بالعربية ولا بالفرنسية، وهذا يعني أن النص من إنشائه، ولكن جدول المقارنة يثبت العكس.
– التَّحْويرات التي أجراها يحيى عمارة عل نص أحمد بوحسن:
بعد السرقة ما هي التحويرات التي أجراها الباحث يحيى عمارة على نص أحمد بوحسن؟
– استعمل بوحسن مصطلح “المرجع” واستعمل عمارة “المرجعية”، والفرق واضح بينها.
– الحكم على مفهوم المرجعية بأنه “من المفاهيم المحدثة” ليس صحيحاً، فهو مفهوم موغل في القدم، ولكن يحيى عمارة لا يعرف عما يتحدث أحمد بوحسن؛ إن معجم تودوروف وديكرو الذي ينقل منه أحمد بوحسن يتحدَّث مباشرةً بعد تصور سوسير الذي ينتمي إلى بداية القرن العشرين، عن التماثل (Analogie) الحاصل بين تصور سوسير “المُحدث” وتصور (Pierre d’Espagne)(نحو1220-1277م) “القديم”، ثم ينتقل بعد ذلك إلى تصور المنطقي الألماني فريجه (G. Frege)، ويقول بالحرف (البنط الأسود في الأصل، أما التسطير فمن وضعنا):
Environ 600 ans plus tard [de Pierre d’Espagne à Frege], le logicien allemand G. Frege établira une distinction analogue entre le référent d’un signe (Bedeutung) et son sens (Sinn). [P. 319].

– في عبارة يحيى عمارة: “البحث في عالم اللغة، والكلمة، والجملة، والخطاب، والنص من حيث ارتباطها بعالم الموجودات”، عطف الباحث يحيى عمارة على اللغة الكلمةَ والجملة والخطاب والنص وليس هذا هو المقصود في نص بوحسن ولا صحيحاً، فالمقصود أن الكلمة والجملة والخطاب والنص مستويات اللغة، ولهذا وضع نقطتين أمام اللغة ولم يعطفها، وكان من الممكن أن يضمر بوحسن هذه المستويات ويقول: “اللغة (…) من حيث ارتباطها بعالم الموجودات”.
– بوحسن خصص فقرات لهذه الفئات (المناطقة والفلاسفة وغيرهما) التي ذكرها وعرض بعضَ رؤاها حول المرجع عرضاً عاماًّ، لكن يحيى عمارة لا يشير أدنى إشارة إلى فئة الفلاسفة والمناطقة واللسانيين والسميائيين.

2. يحيى عمارة وكتاب مصطفى السعدني:
مصطفى السعدني أستاذ النقد والبلاغة المساعد كلية الآداب ببنها، له مجموعة من الكتب، منها: البنيات الأسلوبية في لغة الشعر العربي الحديث، مصر: منشورات منشأة المعارف بالإسكندرية، 1987، وهو الذي أحال عليه الباحث يحيى عمارة في متن الكتاب (ص304)، وأثبته في “المراجع المكتوبة باللغة العربية” (ص594)، ولكنه سَطَا عليه في موطنٍ آخر (ص525) ولم يحل عليه مطلقاً، فسلخ منه سطراً ونيفاً تقريباً، ودونك جدول المقارنة:

الباحث يحيى عمارة
مصطفى السعدني:
– يقول الباحث بالحرف:

ويقوم التكرار – فضلاً عن كونه خصيصة أساسية في بنية النص الشعري- بدور دلالي على مستوى الصيغة والتركيب.

يراجع يحيى عمارة: مرجعيات الشعر العربي المعاصر بالمغرب، ص525.
– يقول الباحث بالحرف:

– يلعب التكرار – فضلاً عن كونه خصيصة أساسية في بنية النص الشعري- دوراً دلالياًّ على مستوى الصيغة والتركيب.

لم نستطع الحصول على كتاب مصطفى السعدني فنقلنا المقطع المقصود بواسطة.
يراجع عبد الوهّاب الشّتيوي: «لذّة الكتابة وكتابة اللّذّة في نماذج منْ أشعار منصف الوهايبي»، مقالة إلكترونية، جامعة منّوبة/ تونس، ص82.

– ما وضعنا تحته خطًّا فهو نقلٌ بالحرف، وما تركناه (ويقوم (…) بدور دلالي) في مقابل (يلعب (…) دوراً دلالياًّ) فهو تصرُّف طفيفٌ.

3. يحيى عمارة وكتاب جوناثان كلر (Jonathan Culler) المترجم:

يُحيل الباحث يحيى عمارة في الهامش الرابع الصفحة 528 أول مرة على كتاب جوناثان كلر في ترجمته العربية إحالة غير تامة (سقطت منه الصفحة)، ثم يستند إليه في كتابة هامش الصفحة الموالية (الهامش الأول، ص529، ثلاثة أسطر ونصف)، لكنه دون أن يذكره مطلقاً وبأي شكل من أشكال الإحالة المعروفة.
ولتحليل هذا المقطع نحتاج إلى وقفة متأنية تثبت أوَّلًا “الخبط” في اللغة والفكرة، وتمهِّد لإبراز السرقة الواضحة التي قام بها الباحث يحيى عمارة:

يحيى عمارة:
جوناثان كلــر:
وطرحت إشكالية المصطلح في النقد الأدبي الغربي بشكل مسهب، ليس من الممكن في هذا المبحث مناقشة كل الكتب التي عالجتها، وسنكتفي بالإشارة إلى بعض منها.
………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………..

هذا الاستهلال الذي يفتتح به الباحث فقرته يجعل القارئ يستعدُّ ليسمع إشكالية مصطلح الأسطورة في “النقد الأدبي الغربي”، لكن متابعة قراءة الفقرة تجعله أمام مجال أو تخصص آخر هو الأنثروبولوجيا والأنثروبولوجيا البنيوية ومع رائدها الفرنسي كلود لفي ستراوس خاصة، وليس مع “النقد الأدبي الغربي”، فكلود لفي ستراوس الذي سيأتي ذكره ليس ناقدًا أدبيًّا، وقد يكون سبب هذا الفهم ما قام به بعض مؤلفي “كتب النقد الأدبي العربي”؛ إذ تحوَّل هؤلاء المؤلفون، في المرحلة البنيوية خاصة، وبين عشية وضحاها، إلى لسانيين وأنثروبولجيين، فاختلط الأمر على القارئ العربي، فصار دي سوسير ولفي ستراوس من “كبار نقاد الأدب” عندنا.

– يتابع الباحث في الفقرة نفسها:
فهناك من عد البحث في عوالمها جزءا من مشروع طويل المدى ينهض على استخدام المادة العلمية الباحثة في خصائص الشعوب(3)، من أجل دراسة العمليات الأساسية للعقل البشري(4)،
– يكتب الباحث في الهامش:
3- المقصود هنا علم العراقة. (Ethnographie)
4- انظر كتاب جوناثان كلر، الشعرية البنيوية، ترجمة: السيد إمام، الطبعة الأولى 2000م، دار شرقيات للنشر والتوزيع، القاهرة.

– جاء في الفقرة الثانية من العنوان الفرعي: “المنطق الأسطوري”:
إن البحث في الأسطورة يعد جزءاً من مشروع طويل المدى ينهض على استخدام المادة الإثنوجرافية لدراسة العمليات الأساسية للعقل البشري.

– أوَّلُ ملاحظة نسجلها أن الباحث لم يذكر في الهامش رقم الصفحة، وهذا قد يكون سهوًا، وإن كانت الدراسات التوثيقية التي قمنا بها علمتنا أن سقوط شيء من التوثيق قد يدل على أن الباحث لم يعد إلى هذا المصدر أصلًا، وأنه قد يكون نقل النص من مصدر آخر و”سَطَا” على إحالته كما وردت، وهذه الظاهرة قد عثرنا عليها في بحث يحيى عمارة من قبل، المهم في هذا المقام أن رقم الصفحة الساقط هو 63.
– لم يضع الباحث النص بين مزدوجتين، مما يعني أنه تصرَّف فيه، والأمر مقبول كذلك في الدراسات العلمية مادام الباحث أحال عليه في الهامش، ولكن بالعودة إلى النص الأصلي نجد مقاطع منقولة بنصها فكان الأولى بالباحث أن يضع ما نقله بنصه بين مزدوجتين:
– فعبارة “فهناك من عد البحث في عوالمها” تحويل لعبارة “إن البحث في الأسطورة يعد” وهو تحويل مقبول إلى حدّ ما.
– لكن المقطع الآتي: “جزءا من مشروع طويل المدى ينهض على استخدام المادة العلمية الباحثة في خصائص الشعوب، من أجل دراسة العمليات الأساسية للعقل البشري” هو نفسه مع تعويض بسيط لمفردة “الإثنوجرافية” في النص الأصلي بعبارة شارحة في المتن نصها: “العلمية الباحثة في خصائص الشعوب” وكتابة هامش نصه: “3-المقصود هنا علم العراقة. (Ethnographie)”، كما عوَّض حرف الجر “لـ” بـ “من أجل”.
وهذا التعريف من أشهر التعريفات الذي عمل به علماء البحث في أصل الجنس البشري وتطوره وأعراقه وعاداته ومعتقداته(5)، ونقاد الأسطورة البنيوية،
…………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………….

– وهنا من حقِّ القارئ أن يسأل الباحثَ يحيى عمارة: هل هذا الكلام “هناك من عد البحث في عوالمها جزءا من مشروع طويل المدى ينهض على استخدام المادة العلمية الباحثة في خصائص الشعوب، من أجل دراسة العمليات الأساسية للعقل البشري” يعتبر أصلاً تعريفاً حسب أنواع التعريف المعروفة حتى يكون من “أشهر التعريفات التي عمل بها” الأنثروبولوجيون و”نقاد الأسطورة البنيوية”؟
– جعله الباحث اسم الموصول “الذي” يعود على التعريف، والصحيح أن يعود على التعريفات فيكون الصواب هو “التي”.
– يكتب الباحث في المتن هذه العبارة الطويلة العريضة الركيكة “علماء البحث في أصل الجنس البشري وتطوره وأعراقه وعاداته ومعتقداته” ويشرحها في الهامش بقوله: “5- المقصود هنا علم الإناسة Anthropologie”، وكأننا أمام بحثٍ لعامة الناس وليس أمام بحث أكاديميٍّ، فكان يكفيه أن يكتب “الإناسيون” أو “علماء الإناسة” أو “الأنثروبولوجيون” أو “علماء الأنثروبولوجيا” فقد صارت متداولة في الكتابات العربية منذ فترة.
– ثم هذا التركيب “نقاد الأسطورة البنيوية” يجعلك تسأل: أتوجد أسطورة بنيوية؟ أم أن باحث قسم اللغة العربية وآدابها خانته لغته فأراد أن يتحدَّث عن نقاد الأسطورة البنيويين، أو النقاد البنيويون للأسطورة، فجاء الوصف في غير محله؟
مفاده إن الأسطورة عقلانية تفوق العقل، مثلما يتضح في وظيفتها التي تكشف عن العلاقات البنيوية في المجتمع، فهي نظام بنيوي متكامل، استوعب نسقه، وكشف تنظيمه الكوني المحكم الذي يتحرك ضمنه،
…………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………….
– أترك القارئ مع لغة هذا المقطع وفكرته، لعله يفهم ما لم أفهمه، وأكتفي بالتساؤل: إذا كنتُ أفهم أن مشروع ستراوس قام على إثبات عقلانية الأسطورة التي نفتها بعض الدراسات السابقة والوضعية خاصة، فكيف لعقلانية الأسطورة أن تفوق العقل؟ وما الرابط بين هذه “الفكرة” ووظيفة (Fonction) الأسطورة؟
– قد أفهم كذلك أن الأسطورة “نظام” أو “نسق” (Système) أو “بنية” (Structure) حسب تصور ستراوس الذي استفاده من لسانيات سوسير خاصة، لكن ما لا أفهمه هو هذا التركيب “نظام بنيوي (…) استوعب نسقه”، وأتساءل فمن المستوعِب أي من الفاعل، أيعود الضمير في “نسقه” على المجتمع أم على النظام؟ وإذا جربنا هذا التركيب بعد تعويض الضمائر المستترة والمتصلة: “فالأسطورة نظام بنيوي متكامل، استوعب النظامُ نسقَ المجتمع، وكشف النظامُ تنظيمَ المجتمع الكوني المحكم الذي يتحرك المجتمعُ ضمن المجتمع”، أنحصِّل فكرة واضحة؟
وهي لغة قبل كل شيء، برزت في المجتمعات ذات التقاليد الشفوية، في زمن ما قبل الكتابة، وقبل تداول النقد، ووجود المدن والدولة.
وفحوى الفرضية الأولى من ثم هي أن الأساطير كلام Parole النظام الرمزي الذي يمكن اكتشاف وحداته وقواعده التركيبية.

– الباحث يحيى عمارة لم يحل، هنا أصلاً، على كتاب كلر، وقد أجرينا المقارنة بينهما حول مضمون العبارة فقط، وليس غرضنا إثبات السرقة، وإن كانت واردة لأننا لازلنا في أجواء كتاب كلر.

– عبارة “وهي [الأسطورة] لغة قبل كل شيء” يتنافى مع جاء في كتاب كلر الذي أحال عليه الباحث يحيى عمارة؛ إذ نجد فيه أن الأسطورة أو الأساطير كلام، وقد ترك المترجم العربي المقابل الفرنسي، وهذا المقابل ليس اعتباطيًّا، بل يستدعي ثلاثية اللساني سوسير المعروفة (Langage, Langue, Parole)، ومعلوم أن الأنثروبولوجيا والنقد الأدبي وبعض التخصصات الأخرى استفادت من هذا التمييز الثلاثي الذي أقامه سوسير، ولهذا نجد كلر يكتب “الأساطير كلام Parole النظام الرمزي”.
– أما عبارة “في زمن ما قبل الكتابة، وقبل تداول النقد، ووجود المدن والدولة” فلا أدري من أين استقى الباحث هذه الفكرة وأي مؤرخ أو أنثروبولوجي استند إليه، وعن أي “نقد” يتحدث.

وينطلق عالم الإناسة كلود ليفي شتراوس من هذه النظرية، للحديث عن البنيات الموحدة للأساطير (1)، بوصفها خطابا نصيا يحمل مكوناته الداخلية،
…………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………….
– سنترك الهامش الأول لما سيأتي، ونتابع التحليل:
– كانت الأسطورة عند الباحث يحيى عمارة في المقطع أعلاه “لغة” وصارت الآن “خطابًا”، بل “خطاباً نصيًّا”، فأي تسيب اصطلاحي ومفهومي هذا؟
– ثم يسمي “ترهاته” التي لا تستقيم لغةً ولا فكرةً “نظرية” وينسبها إلى كلود ليفي ستراوس.

كلُّ ما سلفَ من أشكال تعامل الباحث يحيى عمارة مع نص جوناثان كلر يمكن تجاوزه، ونقول بالمثل المغربي “هذا ما طحنت الرحى”، ولكن ماذا نقول بعد قراءة جدول المقارنة أسفله؟

يحيى عمارة:
جوناثان كلر:
يكتب الباحث يحيى عمارة في الهامش الأول، ص529:

1- يعد مؤلف ليفي شتراوس “ميثولوجيات Mythologiques” أشمل وأروع نموذج للتحليل البنيوي الأسطوري ظهر حتى الآن، وعظمة هذا المشروع تتمحور في معالجته جمعا ودراسة للأساطير الأمريكية عامة والشمالية والجنوبية خاصة، ثم محاولته إظهار العلاقات البنيوية والسياقية للأسطورة الموحدة لجزء من العقل البشري.
جاء في الفقرة الأولى من العنوان الفرعي: “المنطق الأسطوري”، ص63:

– “يعد مؤلف ليفي شتراوس “ميثولوجيات Mythologiques” الذي يقع في أربعة مجلدات، أشمل وأروع نموذج للتحليل البنيوي ظهر حتى الآن. إن عظمة هذا المشروع – وهو محاولة لجمع أساطير قارات أمريكا الشمالية والجنوبية، بغرض إظهار علاقاتها وإثبات قواها الموحدة للعقل البشري ووحدة منتاجته- يجعل منه عملاً يصعب تقويمه أو حتى وصفه على نطاق ضيق.

إضافة إلى “أم الفضائل” السرقــــة، نقول:
– إن إضافة مفردة “الأسطوري” إلى العبارة المسروقة “التحليل البنيوي [الأسطوري]”، على اعتبار أن “الأسطوري” نعتاً، لا يستقيم معنى؛ لأن التحليل البنيوي هو المنهج أو هو الأداة والأسطورة، هنا، هي الموضوع.
ورغم أن العبارة مسروقة فكان على الباحث أن يقول: “التحليل البنيوي للأسطورة”، أو “تحليل الأسطورة بنيويًّا”.

*المملكة المغربية

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق