ثقافة السرد

سفر عبر الأوراق

ذ. نموس محسن

داخل عيادة الطب النفسي في الدور الرابع، المقابلة لسينما البهجة، تأخر الطبيب كثيرا واكتظت العيادة بالمرضى الزبناء، يبتدئ أول يوم عمل للمساعدة فاطمة ،الموظفة الشابة الجديدة قيد التدريب، طلبت منها رئيستها في العمل، إعادة ترتيب الملفات التي تجاوز عمرها خمس سنوات منذ أخر زيارة، ووضعها في قسم الأرشيف.
بحيوية فائقة بدأت فاطمة عملها، تنتقل من مكان إلى أخر، أفرغت الرفوف جميعها، نفضت الملفات من الغبار المتراكم منذ سنوات. في الجهة المقابلة أتى الطبيب، حياها بابتسامة ،دخل إلى مكتبه وأغلق الباب.
أخذت ترتب الملفات حسب تاريخ تقادمها ، من الأقدم إلى الأحدث.
الملف الأول حسن من مكناس، أعراض اكتئاب خفيفة ، أخر زيارة: قبل سبع سنوات؛
الملف الثاني هشام من تاونات ، تعاطي المخدرات ،نوبات صرع متكرر أخر زيارة : قبل ست سنوات وخمسة أشهر؛
الملف الثالث ، الرابع…………………….. حتى المائة؛
الملف مائة وواحد، م. بن . ي من مدينة فاس، طالب جامعي، سكيزوفرينيا، انفصام الشخصية، أحدات ووقائع متخيلة ، شخصيات من عالم أخر.
إلى جانب الملف ظرف من الحجم المتوسط ، كتب فوقه نفس الاسم المختصر مع عبارة ممنوع الاطلاع، نفس الاسم المختصر يعني لفاطمة الكثير، لكن حتما ليس هو ما تتمناه في قرارة نفسها.
تمر الأيام والأسابيع، تنقضي فترة التدريب، تُرسم فاطمة وتسند إليها مهمات أخرى داخل العيادة.
كل مرة تمر قرب رفوف الأرشيف، نظرة خاطفة دون إرادتها تجاه ملف م. بن ي ، تزداد الوساوس، تتسارع ضربات قلبها، وتتمنى ألا يكون هو، طال الفراق بينهما ،حدث بسرعة ، لم يتعاركا ويعودا كما هي عادات العشاق، افترقا في صمت ، روح شريرة فصلت بينهما، وألقت كل واحد في مكان مختلف. تتذكر هالة الصمت التي سيطرت على م . بن . ي خلال أخر أيام علاقتهما.
مع كل نظرة تجاه الرف المعلوم ، يرتفع منسوب الأدرينالين في الدم، ترتجف يدها وتتعرق، فَكرت في طلب إذن الطبيب للاطلاع على محتوى الظرف، خافت وتراجعت. ثم قررت الاطلاع سرا إرضاء لفضولها لا خيانة للطبيب.
أخذت معها الملف والظرف داخل حقيبتها اليدوية للمنزل، تسللت إلى غرفتها ، فتحته ، إطلالة خفيفة على المعطيات الشخصية للمريض ، وجدتها مطابقة تماما لحبيبها السابق، تتسارع ضربات قلبها مرة أخرى ، وضعت الملف جانبا ، فتحت المذكرة الموجودة داخل الظرف وبدأ صوت م. بن ي يتدفق سيلا جارفا دون توقف.
أنا الآن أعيش آخر أيام فترتي الجامعية، بعد أسبوع ستزول عني أو سأتخلى كرها عن صفتي التي حملتها ست سنوات ، لم أعد طالبا وعلي لملمة أوراقي باحثا عن ملجأ قد يأويني، لا أعرف وجهة محددة أو مكان بعينه، أ أتجه شمالا أم جنوبا ، الصحراء، البحر ، السهل، الجبل أم المنبسط، أي مكان كما أني لا أحمل زادا ، ولا صديقا ممن أعرفهم يغامر بجانبي ويشاركني الطريق.

وحيدا في مفترق الطرق، شغلي الشاغل أن أسير إلى الأمام ،ولا يحق لي النظر إلى الوراء ، مفروض علي التقدم ،سأسافر بعيدا وأترك كل شيء للقدر، للصدفة، فهي خير من ميعاد وألف منه ،.أضع يدي فوق جيبي متحسسا علبة سجائري ثم أنطلق.
تمرر يدها فوق الكلمات المكتوبة بالحبر الأزرق تشعر بها دافئة وتكلمها هي عن قصد ، تَعود بمخيلتها إلى الوراء، وتتنهد، كان جميلا لو أستمر……
على رصيف محطة القطار، أنتظر قدوم أول قطار، سأركبه ولا هم لي بوجهته، كل المغامرات الخالدة والسفريات الطريفة الممتعة لم يكن مخططا لها ، من عبروا الصحراء على ظهور الجمال ، أو ركبوا الأمواج العاتية عبر السفن الشراعية، حكوا فيما بعد، أن الصدفة فقط ولا شيء غيرها أعطى لسفرهم معنى ، أستحضر دوما تلك التجربة الرائعة لليوبولد فايس –محمد أسد- داك الترحال الرائع ذهابا وجيئة من غرب أوربا إلى الجزيرة العربية ، من ليبيا إلى أفغانستان ، كل تلك الأحداث والوقائع.
فجأة وصل القطار سمعت صوت السيدة الرقيقة، الصوت الشجي أو هكذا تخيلته على الأقل وهي تكرر تنبيهاتها المعتادة: القطار القادم من وإلى….سينطلق بضع لحظات، المرجو الابتعاد عن……
متثاقلا ابتعدت عن الرصيف، صعدت القطار، ما هي إلا لحظات حتى نفث دخانه وانطلق صوته المدوي، أشحت بنظري من النافذة فإذا بي أرى وجوها لا أعرفها، شكلها، ملابسها، الحلي التي تلبسها النساء، كل شيء مختلف تماما عما أذكره. يبدو أني فقدت عقلي تماما، حاولت تذكر شخصا ما أو آخر شيء فعلته قبل صعود القطار، عقلي يأبى ذالك، كان مشوشا كأني استفيق من عملية تخدير، أو دخنت تبغا شديد المفعول.
حزنت فاطمة، كيف يجرأ على نسياني !!، كل ذالك كان! …………..حاولت ترك المذكرة لكن رغبت مرة أخرى في التتمة إلى النهاية، واستدركت، ربما سيتذكرني في الصفحات المقبلة، لن ينساني، حتى إن رغب، لن يقدر،ألم يقل منيف ** الذاكرة ، لعنة الإنسان المشتهاة ولعبته الخطرة ، إذ بمقدار ما تتيح له دائماً سفراً نحو الحرية ، فإنها تصبح سجنه . وفى هذا السفر الدائم يعيد تشكيل العالم والرغبات والأوهام . وإذا كانت فى حياة كل إنسان لحظات ومواقف تأبى أن تغادر الذاكرة ، فليس لأنها الأهم ، أو لأنها أعطت لحياته مساراً ومعنى ، إذ ربما لم تقع بنفس الدقة أو بالتفاصيل التي يتخيلها أو يفترضها وإنما لفرط ما استعادها في ذاكرته بشكل معين ، ربما الذي يتمناه ، يوماً بعد آخر ، فقد أصبحت وحدها الحقيقة، أو وهم الحقيقة.**
نضرت إلى يدي باحتا عن إجابة، لعلي أمسك شيئا، لا شيء بيدي، إنها فقط ترتجف وعروقي تبدو زرقاء وبارزة، نظرت من حولي إلى بقية الركاب،لكن لا أحد ينظر إلي أو يعيرني أي اهتمام ، يتأملون جميعا من النافذة ما بخارج القطار.
تزحزحت قليلا لأترك مقعدي، متسللا عبر ممر المقصورة ، أشعلت سيجارة وأغمضت عيني، فتحتها مرة أخرى وأحسست أني بدأت أستعيد وعيي بعد فترة تذكرت شيئا.
ينبض قلب فاطمة وتبتسم فرحا، أخيرا سيتذكرني، قامت من مكانها، أغلقت الباب، تريد خصوصية أكثر، تمر إلى الصفحة الموالية وتستمر الكلمات في التدفق.
قبل عدة أسابيع واظبت على زيارة طبيبي النفسي مرة كل أسبوع حيت شخص حالتي بجمل قصيرة : أنت تعيش عالما غير عالمك :
تقرأ كثيرا، تشاهد أفلاما كثيرة وأحيانا تعيش ما تقرأ أو ما تشاهد.

في نفس اليوم وفي نفس الساعة، بين لحظة وأخرى أنزل المنبسط وامشي فيه بجوار نهر ، أصعد الهضبة وأرى ملء العين ، في الصحراء أجدني مرة أخرى ، ألاعب حبات الرمل بيدي ،أدعها تنفلت بين أصابعي، أغلق عيني على حبات الرمل، أفتحها على بقايا جليد في على معطفي، شيء من الجنون ، أو الجنون كله ، لكني أستطيع وضع رقبتي على المحك ،قيد المراهنة أني بكامل قواي العقلية.

جلست قبالة الطبيب لنبدأ الجلسة، صرنا مقربين أكثر، ولا حدود بيننا، يسأل وأنا أجيب دون تحفظ.
– هيا ما يشعل بالك الآن،؟
– أغمضت عيني لكي أجيب: يُخيل إلي أني عشت قصة عشق لم أعد أذكر تفاصيلها الدقيقة، حب من نوع مختلف،
تغلق فاطمة المذكرة، تنهمر الدموع على خدها ، تبكي كثيرا، تقف وتجلس، ينقبض نفسها، تفتح النافدة المطلة على الشارع الكبير ، تأخذ نفسا عميقا وتعود لتتم القراءة.
– ما نوعه ؟ مجوسي ، في المنفى أم في زمن الكوليرا يضيف باسما؟
– هل ارتكبت جريمة وأنا الآن أعاقب عليها، لكون محبوبتي نوميديا كانت عبرية ؟

بعض المرات، لا أنام ليالي بطولها وعندما يحالفني الحظ أقوم مفزوعا من كوابيس هل هي لعنة سنوات السجون والتعذيب داخل معتقلات المتوسط ؟
أسئلة كثيرة حول طبيعة اللحظة التي أعيشها، أما الأجوبة فهي متداخلة، مبعثرة، ذكريات وبقايا صور من النضال الجامعي رفقة رفيقي الطالياني عبد الناصر .
الإنسان كثلة من الغموض، من القهر، من الهدر ومن العشق كذالك، من الصوفية والتصوف ومن التيه أجاب الطبيب.
لا اذكر المصطلح الذي شخص به حالتي : انفصام الشخصية، سكيزوفرينيا ،وما الى ذالك من الحالات النفسية المعقدة.
عندما أمر أمام بركة ماء أو مرآة وأرى انعكاس وجهي، اشتمه وانعته بالسافل من أرض السفلة ، رجل بئيس نحيل يحمل أوراق ورسائل من تحت القبر أحدب نوتردام وسيم مقارنة بي .

يدون الطبيب في مذكرته بعض المعطيات عن حالتي النفسية، يخرس قليلا وكأنه أصم ،يعدل ربطة عنقه بيده اليسرى كأنه حارس في قصر الشوفان بينما القلم في يده اليمنى ،يسألني بضع أسئلة عن تاريخ ميلادي اسم وطني….. يحسبني أبله أو مجنون، أجيب بتأني أخدا وقتي كما يأخذ نقودي الذهبية، ما تركه عندي الخميائي، ميلادي فاتح ديسمبر من 1984 ،ولدت في الأندلس، هاجرت إلى الشمال بحتا عن حبيبتي نوميديا والآن أنا أشتغل بالبحر ، رفقة عجوز على قارب مهترئ نصطاد يوما ويخيب أملنا أيام.
ينفجر ضاحكا ويجيب ، ألست غجريا؟
أخذت معطفي ووليت ظهري مكتب الطبيب، كان بعض الحمقى يسرقون النظر ويستهزئون من معطفي البالي الرقيق ، كنت قد استأجرته أثناء وجودي في موسكو من أكاكي أكلكيفيتش باشماشكين، خرجت ومعي كل همومي ما تركت منها شيئا عنده عدا النذر القليل.
عدت إلى المحطة الأخيرة أين نزلت، لأصعد مجددا نحو أي مكان هاربا من ذكرياتي التي تأبى مفارقتي، أخدني القطار من الفراغ وألقى بي في عالم لا علم لي به عالم بلا خرائط.
– أين أنا؟
– ماذا أفعل هنا؟
أنا في قرية” ماكوندو ” نسكن لدى عائلة بويندا في عالم من العزلة ، عائلة معروفة تتوارث نفس اللقب من قرون، كرم الضيافة رغم بساطة الناس وفقرهم، أفيق أحيانا وأغفو أحيانا أخري، لبتُ عدة أيام ثم عاودت مواصلة الرحلة، أشتهي رؤية البحر و أمواجه العاتية رفقة الصياد العجوز أو مع واحد من أصدقاء مفيد الوحش الكثيرون.
لا طاقة لي ، جسمي عليل ،منهك وتفكيري مشوش، تركت أمواج البحر ودواره، أغمضت عيني فسرح خيالي إلى تلال الأندلس بخضرتها وأغنام سانتياغو ذات البطون الممتلئة، ألقيت عليه السلام،تحدتنا، تقاسمنا زاده البسيط أخد نايه واطرب مسمعي، فترة قليلة قضيناها هناك ثم باع أغنامه وقرر مواصلة المسير معي.
أقف متثاقلا ،تدور الأرض تحت قدمي، أعتقد أنني أقلعت عن الشراب من أشهر عدة، لكنني صرت سكرانا هائما من دون شراب، أرى نفسي واو الجماعة داخل جملة، سكون ميت أحيانا ،حي أحيانا أخرى ،همزة على السطر.
ماذا ألم بي؟
أين أنا؟
بعد أن نقطع المتوسط سنمر بطنجة في رحلة عبر الصحراء الكبرى إلى أهرامات مصر مجمع أولاد الحارة .
قبل أن ننطلق تسكعنا ثلاثتنا في شوارع طنجة، سنتياغو،انا، ومحمد شكري، كنا كضيوف غير مرغوب بهم عند مضيف معدم، يقضي يومه باحثا عما يأكل خلال سنوات الجوع الأسود، وإذا أكل، بحث عما يدخن ويشرب وأين يقضي وطره كل عاهرات طنجة جميلات رقيقات لكن تبقى ماريا أجملهن، حكا لنا قصصا مرعبة ومخيفة عن الجوع ،تجاربه الجنسية وكرهه الطفولي لأبيه.
الساعة الواحدة ليلا، تواصل فاطمة تقليب الصفحات ، مصرة على القراءة لأخر سطر.
في صباح يوم مشمش ركبنا جمالا ،كان الماء واللحم المجفف كل زادنا عبر الصحراء، تعرفنا خلالها على أناس، قبائل وقرى مختلفة ، عادات الأفراح والأحزان لسكان الصحراء، رجع سانتياجو إلى الأندلس ربما أخد معه فاطمة فاتنته ذات العيون السود، لم أعد أتذكر .
أحببت الصحراء، وقررت مواصلة المسير حتى صحراء الشرق الأوسط، ، حيت لازال المكان حابلا بأسرار ومعتقدات، ببساطة سكانه وتعلقهم بالماء والنخيل والجمال ،عملة الصحراء ورأسمالها الذي لا يفنى.
استقبلني متعب الهذال على ضفاف الوادي كواحد من أبنائه، ربما تعويضا عن الابن البكر الذي سافر مع قافلة صوب الشام، كان يحمل بندقية على كتفه وعابس الوجه. أذكر أنه دائما في جدال لا ينتهي مع سكان الوادي، كان يحثهم على الممانعة، كان يثير فيهم الشك والريبة تجاه الأمريكيين الذين سكنوا الوادي فجأة، من أجل التنقيب عن النفط.
الصحراء العربية متاهة لا حدود لها، عالم من الخرافة والأساطير والزعامات القبلية والمشاكسات والتصارع على الزعامة، خلال هذه الفترة شاهدت مدنا تخلق وتترعرع بسرعة البرق وأخرى تنسى وتهجر، طرق تعبد، آلات جديدة تصل وتشغل الناس من أسفل الهرم الاجتماعي إلى قمته، حتى الأمير يصير كطفل حصل على لعبة جديدة ومسلية.
ظهر النفط وتغيرت العادات وحج الناس من كل حدب وصوب، نسي الناس متعب الهذال، اختفى تماما وتناسلت القصص حوله، كل حادت ضد الأمريكيين أو المتعاونين معهم، علق على مشجب متعب حتى نُسي وتلاشى مع الزمن، الناس أخذتهم الحياة الجديدة والأخبار القادمة من موران ، صراع الأمراء على السلطة وتعدد زوجاتهم ، وجن جنون الناس بفعل النفط.
قررت الرحيل مرة أخرى وكان آخر يوم لي بالصحراء في موران، رأيت الدكتور المحملجي هزيلا مدلولا تخلت عنه زوجته نادية وأجبره الأمير الجديد عل الإقامة الجبرية.
لو كنت هنا قبل سنين قليلة لركبت جملا حتى أسافر، لكن هي ثورة النفط إذن ،وكما عُبدت الطرق ، بنيت سكك الحديد ، أنشئِت الموانئ والمطارات.
ركبت القطار تاركا للصدفة أن تلعب لعبتها المفضلة في إبعاد الناس عن أوطانهم ، وبين غفوة أخرى، تأرجح بين الحقيقة والوهم، بين الأنا الحالي والأنا الأخر ،ما كنته يوما ، لا أعلم المدة التي استغرقتها الرحلة ، فجأة أستفيق على أصوات خطى الركاب نزولا من القطار، أول ما صادفت خارج المحطة أسرة مشردة تتكون من أب ،علامات السكر بادية عليه وأم متعبة، طفلتان وولد واحد ضعيف البنية اسمه حنا، نحيل الجسم، استأذنت الأب في مرافقتهم إلى وجهتهم ، غضب وشتمني بأقدح الأوصاف، أدخلت يدي في جيبي وأخرجت سيجارة ومعها دراهم معدودة، ابتسم وسمح لي بالركوب، بينما نحن نسير مررنا بجانب مسيرة حاشدة، يصرخ الناس، سوريا حرة حرة، يسقط يسقط الفرنسوية، المظاهرات والاحتجاجات تجتاح العالم والاستعمار يزداد ولا بوادر لرحيله.

الثورة البلشفية على الأبواب، غدا أو بعد غد ، الشهر أو السنة المقبلة، الطلاب، الفلاحون و العمال الكل غاضب من القيصر، الجو كئيب في موسكو والساحة الحمراء لم تأخذ هذه الصفة بعد ، أنظر إليها من الشرفة، بيضاء يكسوها ثلج وآثار أقدام مختلفة تدل كلها على أقدام رجال عدا واحدة بينهم، بين البنت والمرأة ، كل يوم نفس الآثار، يخفيها الثلج نهارا وترسمها الأحذية ليلا.

حرارة جسمي أخذة في الارتفاع ، وشهيتي مفقودة من أسبوع، ما ذا حل بي، ؟ وما ذا أفعل خارج البيت في وقت متأخر من الليل؟ لا أعلم ما أعانيه ،بين الحقيقة والوهم ، أضع يدي في جيبي واستخرج حبة ريسبيردال ، أضعها في فمي وأغلق عيني.
يغلب النعاس فاطمة، تنكفئ على وجهها وتنام حتى تسمع طرقات أمها على الباب صباحا إذانا بدنو وقت العمل. تقوم من فراشها على مضض، تتصل بالعيادة تخبر رئيستها أنها مريضة ولن تتأتي اليوم، لم تكن بحال جيدة ونار الشوق تستعير بداخلها، فيض الذكريات ، تنهمر جميعا مطرا مدرارا، مبللة كل ركن ، كل زاوية في ذاكرتها، ظنت إلى وقت قريب أنها طمست، ومحاها النسيان، تعود إلى فراشها وتعاود القراءة.

أضع يدي في جيبي من شدة البرد القارس ، أفتح عيني مرة أخرى، سأقتفي أثر هؤلاء وسأركز على المرأة.
بعد منتصف الليل بقليل، خرجت من غرفتي في الدور السفلي، حتى وصلت منزلا مهترئا ، لا يهمني هل هو مراقب من طرف عناصر الكيجيبي أو من رجال القيصر. .
داخل غرفة متوسطة يجتمع أربعة شبان ،يحملون بين أيديهم أوراق، المرأة تقوم فقط بإطعامهم وتعود إلى غرفتها، طال الاجتماع، حاولت سرقة السمع، أتبين ملامح أحدهم، قلبي يخفق، ربما يرونني ويشكون بي، يعتبرونني جاسوسا، كان يتوسطهم شاب قوي سأعرف فيما بعد أسمه بول والأم أمه، سيعرفون الاعتقال ، السجون والتعذيب والنفي إلى سبيريا، هنا بالضبط تخونني قواي ، أتعرق وأتذكر مشاهد لا تفارق مخيلتي، أتذكر شرق المتوسط وحجم العذاب الذي تحمله رجب السباعي ورفاقه، لكنه كان شجاعا عكس الكثيرين، أما أنا فلا أجد خانة أضع فيها نفسي، لا تسعني أي رقعة، ولا أحتمل أي صفة، أجد نفسي كثلة من المتناقضات، الشيء وضده في نفس الوقت ، الشجاع و الجبان، الذكي والغبي وأحيانا المتذاكي والمتغابي، لكن هل أنا شجاع؟ لا أعتقد، ثم ما معنى هذه العبارة الفضفاضة؟ ألا تؤدي إلى التهلكة؟ ألا تعتبر تجربة مفيد الوحش مثالا على ذلك؟
تتابع فاطمة القراءة حتى النهاية، تتراقص الكلمات والجمل أمام مقلتيها ، تطوى الصفحات طيا…
مفيد الذي لم يخشى أحدا ،من سلطة الأب والأستاذ حين كان طفلا، إلى سجون بانياس واللاذقية حين صار شابا، المعلمين والبريفوتة حتى العجوز نفسه، الزلقوط والبطحيش ،كل شياطين وجيفة الميناء.
هل هذه هي الشجاعة؟
أن تتحدى الجميع ، تواجههم بنفس السلاح، هذا خطأ، صبيانية وولدنة ومرجلة فارغة، وعدم حساب للنتائج و تهور .
التغني بالشعارات البراقة يشعرني بالضحك والحزن في نفس الوقت ، بالشيء ونقيضه خصوصا أن أول من يخرق قدسية تلك الشعارات مرددها الأول، نابليون اللعين .
من منا لا يتذكر شعار الحيوانات في المزرعة حين قرروا طرد جونز : الخير في الأقدام الأربعة، والخير الأكثر في القدمين كل من مشي على أربعة أقدام فهو عدو وكل من يمشي على قدمين فهو صديق.
صداع شديد، وغثيان ، ملقى على الأرض، طيور تحلق فوقي، حلقي جاف، وشيء ما يجذبني من رجلي اليمنى.
أين أنا؟ أيـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــن أنا ؟ فليصفعني أحدا، رجاء اسكبوا ماء علي، حتى أستفيق.
أين أنا؟
من أنتم ؟ لماذا تلاحقونني؟ لست أنا من خلقكم، لست أنا من أوجدكم من العدم ، فلينصرف كل إلى قتل كاتبه عوض قتلي.
اتركوني.
فاطمة، أين أنتي، ف……..ا…….ط……..م…………….ة
،دعوا عنقي، د…………………..ع، دددددددددع عععععععععن…………

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق