ثقافة السرد

الجزء 25 من رواية المأساة الفلسطينية (حرمتان ومحرم)

للروائي صبحي فحماوي

 هياج النحل !

في صيف السنة السادسة، يعود ثلاثتهم إلى معسكرهم المكتظ، فيستقبلهم أهلهم بالترحاب، وينقضّون على هداياهم، فرحين بها.
يلاحظون أن طعم العيشة في المعسكر صار أكثر مرارة، والناس أكثر جراحاً، ولكنهم أكثر استشراساً وتحدياً، خاصة بعد أن سادت الدبابات المتقدمة داخل المعسكر الصغير، ومادت الجرافات والسيارات العسكرية المصفحة، وحرثت الزرع، وجففت الضرع، وكأنها تخوض حرب هيروشيما التصفوية لكأس العالم بين رومل ومونتوغمري في ساحات بغداد الدامية لدرجة الصوملة.. صار المعسكر مفرغاً من عماراته وبيوته الشاحبة، إذ افتتحت في وسطه ساحات مؤهلة لتدرج فيها الطائرات المدنية نظراً لاتساع عرضها، فيقول المدججون بالحديد والنار إن هدفهم هو تهوية المنطقة وتعريضها للشمس لأن دخول الشمس إلى المعسكر عمل صحي، يطرد الرطوبة والأرواح الشريرة والأشباح وإن أشعة الشمس تُزوِّد المهجّرين بفيتاميني ألف ودال الضروريين للأجسام. لا يفهم أحد فلسفة هؤلاء المحتلين في تجريف البيوت على رؤوس النائمين، فلم يسبق لاحتلال في التاريخ أن قام بهذا التجريف المدني للبيوت، صحيح إن الحروب العالمية كانت تنسف المواقع العسكرية، وقد تُهدّمُ فيها بيوت للمسالمين، ولكن الهدف هو تحطيم مواقع عسكرية، وأما هذا الاحتلال فإن مواقعه العسكرية المطلوب تحطيمها هي عمارات وبيوت ومزارع الفلسطينيين قبل أرواح أصحابها، وهم يتقدمون بصمت أهل القبور، وبهدوء التماسيح الصامتة المتأنية، وبأعصاب باردة متعودة، وبشكل متواصل ومدروس، فتراهم يهدمون بيوت الناس غير الآمنين على حيواتهم وممتلكاتهم بينما موسيقى أغاني الريف الغربية الرائقة المسخسخة و(الروك أند رول) تطلع رقراقة صاخبة كالنباتات من فتحات الدبابات المتقدمة، وموسيقى القِرَب الاسكتلندية المزركشة النغمات تكلل بالغار المصفحات العسكرية المندفعة نحوهم نحونا نحوهنّ نحوهما نحوك نحوه نحوها نحوي نحو طفلة رضيعة تنفجر بكاءً وهي مقذوفة على قارعة الطريق لأن رصاصة ثكلت أمها وهي تركض مجنونة تبحث عن طعام!
وبعكس النقمة التي تظهر على أبناء المعسكر، فإن النعمة تظهر جلية على أبو مهيوب القادم من هناك، تحت مفهوم (الذي يُحرِّك السّم، يذوقه)، فهو الآن يتحرك في “حي الجبارين”، بملابس جديدة، ووجاهة أكثر من ذي قبل، بعد أن تحركت النقود في جيبه، وبسرعة يقوم بإصلاح بيته الذي تسكنه ابنته خديجة، ويبني حوله سوراً من الطوب المقصور، وفي مقدمته باب حديدي، يحميهم من العاديات، ويوصل شبكة المياه العامّة إلى البيت، ويقدّم طلب اشتراك، فيوصلون لـه التيار الكهربائي، ويدفع بالتي هي أحسن، فيوصلون لـه هاتفاً أرضياً، ويبني شقة صغيرة على سطح البيت، ويقول: ستكون هذه العِلِّية سكني الدائم بعد عودتي من الواحة، ومن سطح هذا البيت سأطل على كل المعسكر. يقول هذا وهو ينقل إليها حاجاته الشخصية، فيشعر بخصوصية تخلّصه من فوضى أطفال ابنته، الذين يملؤون البيت تحته حيوية وحركة، وحباً ونكداً، وجهاز مسجل يصيح بأعلى صوته: “بحبك بحبك ببطني بحبك، بظهري بحبك، بقلبي بحبك، بروحي بحبك، بعيني بحبك!” وصوت التلفاز يصل مدوِّياً إلى أبعد مدى:( ويشوتها أبو رجيلة ضربة مسددة للهدف! للهدف! للهدف! وجووووووووووووووول. جول جول. يا سلام سلِّم. مش معقول. هنيئاً هنيئاً! معجزة كبرى حصلت يتعادل الفريقان الأهلي والزمالك. فرحة كبرى لم نحلم بها من قبل. مبروك يا ابو حنفي مبروك يا أهلي ويا ربعي ويا جيراني. مبروك! نحن الآن نتقدم بضراوة وشراسة نحو الكأس الجماهير ترقص في الإستاد الجموع. بائعو اللّب والترمس يوزعون الدُّراية مجاناً على عشاق البوظة والآيس كريم..) وهذه مسيرة للقوى الفلسطينية، تمر من أمام باب البيت، يحمل أفرادها لافتات لافتات لافتات لافتات لافتات لافتات مختلفة ألوانها وشعاراتها واتجاهاتها، فيقرأ أبو مهيوب من عباراتها:
“وإنها لثورة حتى النصر”. “هويتي بندقيتي”.
“أوسلوا أوسلو بقرش يا أوسلو”.
“واي ريفر هو الحل”. “الطريق إلى خارطة الطريق “.
“فلسطين من النهر إلى البحر”.
“نطالب بتنفيذ قرار 194 لعودة اللاجئين إلى ديارهم”.
“سلام الشجعان”.
“مؤتمر مدريد أقوى من الحديد!”
“الإسلام هو الحل”
“المقاومة هي الحل”
“نحن نتعفّر بالدماء وهم يتعفّرون بالنفط”.
“القدس قدسنا”..”القدس عروس عروبتنا”.
“سنهدم جدار الفصل العنصري”.
“حيفا ويافا عربية”.
“نرفض التهجير”.
و”بدنا وحدة عربية”! وكلام كثير متداخل مع بعضه البعض لم يفهم منه أبو مهيوب شيئاً.
وفي جلسة لعب ورق شدّة مع أبو غازي يسحب أبو مهيوب ورقة فيطلع له (شايب) وهو يقول:
” هؤلاء يتغنون بخارطة الطريق، والطريق يضيق، وإذا سألت عن رأيي، أقول لك، ورزقي على الله: إما أن نعود إلى يافا، وإلا فلا!” فيسحب أبو غازي ورقة فتطلع (بستوني) وهو يقول:
“أي إذا كانت “الطريق” مش عارفين نندل عليها، بدك اياهم يرجعونا ليافا؟”
” الوطن المغتصب يؤخذ ولا يعطى، وكما قال عبد الناصر: (ما أخذ بالقوة، لا يسترد بغير القوة!)” ينظم أبو غازي أوراقه متضايقاً لكونها لا تسمح له بالنزول، وهو يقول:
“يا عمي راجع لي من بلاد النفط، ومعك قرشين، وشبعان ونائم ومرتاح، وجاي تعمل لي عبد الناصر ومش عبد الناصر؟ أي جيب لنا عبد الناصر جديد مستفيد من عثرات عبد الناصر، ونحن نطالب لك برأس الناقورة! لكن خلينا في الممكن. خلينا سائرين في الطريق!”
ينزل أبو مهيوب تجمعات أوراقه الثلاثية على صندوق الخضار المجلل بغطاء بلاستيكي وهو يقول:
“يا أبو غازي كل بيت في المعسكر خرج منه شهيد، وأنا راح من بين يديّ مهيوب شهيداً، وتقول لي معي قرشين! أنا لم أذهب إلى بلاد إخواننا العرب للنزهة، بل لأساعد هالبنتين في كسب مادّي يسدد نفقات عِدّة أسر في هذا المعسكر، ولأشم نَفَسي هناك، والعمل هو الجهاد الأكبر، وهذا لا يعني أني تخلّيت عن حقوقي في يافا، لا يا عمي، الحق سيرجع إلى أصحابه، ولو بعد حين! لقد آمنا بالسلام، وذهبنا إلى كل مؤتمرات السلام في العالم للتفاوض المتفاوض بالمفاوضات، وكانت النتيجة تجريف باقي بيوتنا، وبناء الجدار على كيفهم، ويقولون إنه لا يوجد شريك “استيراتيجي” للتفاوض، وإذا استمر التفاوض على ما هو عليه، فلن يبقى (استيراتيجي، ولا تيجي-نيجي)، وإذا استمروا يبيعوننا سلامهم القاتل، فسيكون الجدار مفرغاً من أهله، وسيُعدم الفلسطينيون المتشبثون بتراب أرضهم، ويلاحق من لم يُقتل من العرب إلى آخر الدنيا، مثلما تمت ملاحقة الهنود الحمر فيبكي الباقون على سلالاتهم المنقرضة عند “جدار البراق” الذي حوّلوه بقدرة قادر إلى “جدار المبكى”، والآن صار اسمه “الجدار الغربي”، تيمناً بأن يكون الجدار الغربي لهيكلهم المزعوم! يا عمّي طار البراق من على الحائط، ولم يعد لـه مكان للعودة!” يسحب أبو غازي ورقة ثم يرمي ورقة ويقول:
” تعني أنك ترفض توقيعنا على سلام عادل ؟” فيضحك أبو مهيوب بمرارة، ويسحب ورقة وهو يقول:
“هم يريدوننا أن نوقع على سلام استسلام! سلام على الدنيا السلام! سلام الشجعان! سلام الجدعان! سلام مربع! والسلام ختام! و(يا سلام سلِّم، الحيطة بتتكلِّم!) الآن يا أبو غازي الحائط الكبير الذي يُغلِّف الوطن هو الذي يتكلم، وإذا لم يقف المسلمون والعرب اليوم مع قضية مسجدهم وكنائسهم الآيلة للانقراض… لقد شاهدت حواراً على قناة البي. بي. سي. الفضائية البريطانية مع قسيس فلسطيني، ذكر فيه أن عدد المسيحيين في القدس عام 1967 كان 28000 نسمة، والآن عددهم يقل عن 8000 نسمة..والسبب هو الاحتلال المحاصر لمواقعهم الكنسية الراسخة، وفكفكتها تدريجياً بخطة مدروسة هادئة! صدقني يا ابو غازي حتى إذا تخاذلنا وتنازلنا ووقّعنا، فسيأتي بعدنا جيل يقلب طاولة المفاوضات الكاذبة، ويعيد الحق إلى نصابه. ولذلك لا داعي للتوقيع اليوم، فالتوقيع يعني الوقوع!”
ينزل أبو مهيوب كل أوراقه على الطاولة قائلاً:
“خلصت اللعبة!”
تخرج أم غازي بصينية الشاي لزوجها وضيفه، وتسمع حوارهما الأخير فتقول:
“صحيح أننا نزداد فقراً، ونعاني شظف عيش، ونقدم مزيداً من الشهداء، ولكننا نزداد ثباتاً وصلابة ومقاومة! وغداً يحلها ربنا !”
* * * *
وأثناء الإجازة الصيفية، ينتبه بعض الشبان الراغبين في الزواج إلى أن الأستاذتين ماجدة وتغريد غير مخطوبتين كما كانتا في السابق، وحيث أنهما جميلتان ومحترمتان وفتيتان، وتكسبان دخلاً مدهشاً، والشباب تحت الحصار بأمسِّ الحاجة للقرش الواحد، وبحاجة لفرص العمل خارج البلاد، ينهمر طلب الزواج من البنتين، ويكثر العرسان، ويزداد عليهنّ الطلب. ولكن ذوي المعلمتين يشعرون بحاجة متزايدة للنقد، وأن العمل في بلاد الله الواسعة يسدد نفقات عدّة أسر معدومة هنا في المعسكر، فإذا تزوجت ماجدة أو تغريد، فمن أين سيأكل أهلها وإخوانها وأخواتها الأطفال؟
وبعد وفاة أبو جهاد، وتفجير محددة العودة، واستشهاد ابنها جهاد الذي لحق بأخيه الصغير جعفر، تبقى أم جهاد مُلزَمة بتسديد ديونهم المتراكمة، فتبيع أساورها وقلادتها الليرات الذهبية العصملية، ولا يبقى من حيلتها سوى إيراد ماجدة، وأما راتب تغريد فهو الذي يدعم دكان أبيها الخاسر، فيخلق نوعاً من التوازن في عمله، ولذلك لا يوافق أي منهما على تزويج ابنته لأي طالب زواج. حياة خانقة لا تصدق!
وبعد اجتماع تشاوري، يتفهم أولو الأمر أن لهم مصلحة مشتركة في عودة البنتين للعمل في ولاية الرمال العربية من دون زواج، خاصة وأن الرجل ابن الأصول يقوم برعايتهن، والأمور سائرة على خير ما يرام. وهكذا يتم الاتفاق بينهم من دون بحث التفاصيل.
يزداد سخط الخُطّاب المتكاثرين حول البنتين لشعورهم بأنهم مرفوضون، وفي هذا وحده إهانة لا تغتفر، والسبب الآخر هو قتل فرصتي عمل أمام شابين محصورين داخل مَرجل يغلي في الداخل!
وعلى الجهة المقابلة يجتمع أولو الأمر، فيمجدون المعلمتين، وأبو مهيوب يختم للجميع بأن العمل شرف، وأن رزق العيال مطلوب، وأن العمل للرجل والمرأة، وليس محصوراً بالرجل وحده.
تتفهم المعلمتان واقع أهلهن المرّ، وأن ضغط القرش مؤلم، وإن كانتا في قرارة نفسيهما ترفضان ذلك، ولهذا تعودان وفي قلب كل منهما حسرة! فالزواج سُنّة، ولكل منهما طموحها، ورغبتها بالتمتع بحياة أسرية كريمة، والدخول في لعبة متعة ومحنة إنجاب أطفال هم أمل المستقبل، وهم الذين يرفدون نهر الانتفاضة العظيم! تعودان كالنحل الذي يعصرون من أقراصه العسل، فيهيج ويثور، ولكنه لا يملك إلا أن يعود إلى أقراص شمعه المُدمّرة، فيصلحها ويبدأ من جديد. تشعران أن لا مفر أمامهما، سوى العودة للتدريس، وجلب النقود من جديد.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق