ثقافة السرد

طائرة ورقية

عائشة المؤدب*

بين رائحة القلق وشعاع لامبالاة عنيدة كانت “ذات الخواطر البريّة” تنام كلّ ليلة على بساط من حلم، تكتب في حلمها سؤالا يبدأ دائما بطائرة ورقيّة تستلقي على طفولتها الشاسعة ترشق السّماء بألوان فضفاضة ثم تشطبها برحابة ردائها المعشوشب، تعوّدت أن ترافق الشمس إلى مخدعها تسوّي تناثر الأشعّة على جبينها، ثمّ تعود على متن المساء المرتجف، يتلقّف الطريق إيقاع خطواتها وتبتسم حجارة البيت راقصة عودتها لتكنس بثوبها الواسع عراء المكان تعوّدت أن تقفز على خواطرها البريّة وهي تستعيد، بِوابل من طيور ثرثارة، فكرة أدهشت براءتها فانطلقت كالريح تبعثر لعبها ورديّة الظلال…

البارحة كان الحلم أكبر من طفولتها، حتّى أنّها لم تجد فيها متّسعا لسؤالها الذي يبدأ دائما بطائرة ورقيّة، لم تقدر ، وهي تغالب هلع المقام، أن تعُدّ النجوم الجديدة الصاهلة نحو القمر الحالك ، لم تقدر أن تقتفي شهبا كانت تحصيها وهي تدخل الليل والباب الموصد خلفها لا يترك ممرّا للفراشة

البارحة كان الألم أصغر من طفولتها والليل المباغت يخلع عنها جسدها البالي يعطّر به دمها المتبخّر

البارحة تناثرت على الجدران أنفاسها واختلط ريقها، بدمها، بدموعها، بموتها

البارحة تفتتت منامتها وحلّقت مع عضات الموت الغادرة تحقق حلمها في الطيران على جناح طائرة ورقية، كان الهلع أوسع من وعييها حتى أنها لم تحتضن لعبتها القطنية بينما تمطرها الغارات بوابل من طيور كاسرة

حين ابتسمت بلاهة شمس لامبالية بالفجيعة، رأيناها جميعا ، تلبس فستانا على مقاسها تماما وتضحك وهي تذكر أشياءها لكنّنها على غير عادتها بلّلت ضحكتها بشهقة واخزة رشقتها في الأرض ثمّ ابتلعها الفراغ…

كأعشاب طفيليّة خرج الصباح متعثرا بسبابتها المنتصبة على السقف الممدّد

واستمرّت تقاسيم الهواء تلوك رائحة دمها المكوّر في حلق الوقت

زاد صوت الشجر المهسهس المشهدَ موتا لمّا تشبّثت أوراقه بلون عينيها المندلق على جدران لم ينقذها الصمود، تسدّ مسامّ الطريق وتغرق اللحظة في ذهول الفاجعة

رغم العمى،كان يجب أن نبتلع اتّساع الضياع الّذي سكن فينا بغتة ونملأ من وجع التراب رذاذ صورتها المتلبّسة بالمكان

رغم العمى، كان لابدّ أن نلملم جسدها المهدور، كان لابدّ أن نلمّها ليفرح القبر بجثة كاملة، لم تنزعج كثيرا ونحن نضع بدل القلب بابا، ونزرع في مكان الضفيرة سحبا مذهولة، ولمّا لم نعثر على عينها اليسرى استعرنا شبّاك البيت الذي كان يطلّ على شرفة مازالت تحتفظ بلونها الزهريّ وشغف رشقات حصى العشق الحييّ، لم تنزعج أأيضا لمّا رتقنا شفتها السفلى بخيط سجاد غرفتها، ستؤنسها حتما بقع أصوات إخوتها عليه وهي تصفّفهم لتنال منهم واحدا بعد الآخر نصيبها من تحيّة الوداع

حين انتهينا من تعداد موتانا وتفرّغنا للحزن المبارك نسفحه على مهل، رأينا جميعا جنازة واحدة تشيّعها طائرة ورقيّة…

*كاتبة تونسية

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق