ثقافة المقال

استحقاقات وجدل

سامي البدري*

في الحياة إستحقاقات منظورة وجدل كثير، وبهذا تواترت الرواية وقامت عليه وحققت (نضوجها) كفعل خلق وإستشراف. وإذا ما إستعرنا من بودلير مقولته (الطفولة هي الوطن) سنجد أن فعل التأسيس في الرواية (طفولتها) قد أرسى إستحقاقات (وطنية) أجبرت الطقوس على التراجع أمام المزيد من مساحات الجدل الذي آزر فعل الفلسفة. لسنا هنا بصدد المقارنة بين دور الطقوس والجدل، فالطقوس ترف والجدل حاجة، إنما نحن بصدد إزالة اللبس والفهم معا عن دور الجدل وترسيمه كمهيمن وموجه لإنتاج الفعل الروائي، بلغة الروائيين، والعثرات بلغة الدارسين الأكاديميين… وهم غير النقاد طبعا.

ورغم أن جهدا كبيرا بذله روائيي القرن التاسع عشر، على وجه الخصوص، لتكريس الطقوس، إلا إن إفتقار تلك الطقوس (لسلطة كنسية) تفرضها، حال دون ذلك، بسبب نزوع عموم الإبداع الأدبي إلى الحرية والحركة المستمرة في كل الإتجهات، و (لفطرة) الرواية على شهوة الإستشراف ونزوع حائكيها لتجريب المزيد والمزيد من الخيوط، وألوان أصباغ الخيوط.. ولعل سلطة الإستشراف كانت البديل العنيد لتراجع الفلسفة عن دورها (في جعل الإنسان، الذي مزقته الحضارة الحديثة، متكاملا ثانية)، بحسب الروائي أرنستو ساباتو، وهو – الإستشراف – من أطلق العنان للجدل وجعله أول إستحقاقات فنية وجهد الرواية وتطلعاتها المنفلتة من عقال التدجين الأكاديمي (العثرات)!

وجه آخر لجدل الرواية هو أحقيتها في ماضيها أو جذورها التاريخية، الأساطير والملاحم والخرافة، وهو حق الرؤية وطرح التصورات والأفكار (الفتاكة!!) في البنى والمفاهيم؛ ومد لسان السخرية لها بجدل مولّد، مادام إيقاظ الذاهبين إلى المقصلة هو أحد مهام الرواية، كما يقال… وكلنا في النهاية نسير بإتجاه مقصلة القبور!

ووجه آخر، وهو الأهم ربما، يقوم على فكرة (موريس نادو) القائلة: إن الرواية التي لا تغيّر كاتبها ولا قراءها ليست ضرورية؛ وهذا هو المبدأ الذي يقوم عليه (جدل) الرواية، وهو أهم إستحقاقات ما تجادل به ومن أجله: تغيير العالم (الإنسان) في بناه الذوقية وطرق التفكير أولا، وفي بناه القيمية والسلوكية ثانيا، وفصد دمامل تعصبه وغروره ثالثا، ليكون غيره، كما صار كافكا بعد كتابته لـ (المحاكمة).. وهذا يخص الرواية (المشكلاتية)، بتعبير الروائي أرنستو سوباتو، وهو أهم إستحقاقات الرواية الحديثة وما تجادل به ومن أجله: إثارة المشاكل، أي الأسئلة.

ووجه آخر متولد تجادل به هذه الرواية (المشكلاتية) هو حالة الحزن (الروحي العميق) التي تعذب الإنسان، وربما حتى الحيوانات، وتجعله يضرب في الفراغ بلا هدف، بلا أمل وبلا متكأ… وأيضا بلا سقف… وهذه الحالة بالذات ما يسميها دارسي الأدب بالتشاؤم، الذي يعتبرونه ضد الحياة ولحظات فرحها.. هل هو ضد الحياة أم ضد ما يجب أن تكون عليه الحياة، فيما لو كانت بلا حزن عميق؟ هذا بإختصار ما تجادله الرواية وتحاول إلقاء الضوء عليه.. هل هي بهذا رواية مشكلاتية، لأنها لا تتحدث عن قصص حب دافئة، يتعانق أبطالها دائما تحت عرائش زاهية؟ حسنا ليكن! ببساطة لأن ثلاثة أرباع البشرية ولدت حزينة الأرواح ولم يقل لها أحد لم… والرواية المشكلاتية وحدها من يبحث عن سبب ذلك الحزن!

والآن أظن أنه يحق لنا أن نتساءل: هل لرواية لا تلقي حجرا في مستنقع حزننا الروحي العميق من أجل أن تغير، كاتبها قبل قارئها، يمكن أن تكون رواية مهمة؟ أنا شخصيا أجيب بكلا!

* روائي وناقد

 

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق