ثقافة السرد

مربعات

آسيا علي موسى *

صبري أصبح عاجزا كما هي. لم أعد أملك شيئا أقاوم به. تقابلني، فرحة مبتورة، حلما معاقا، أملا ينخر حقيقة مريرة. أذرع قاعة الانتظار ولا اعلم ماذا أنتظر فعلا، هل انتظر المعجزة التي لن تحدث أبدا، أم الكذبة التي تبدد سخرية القدر وتموه على الواقع . يدخلون و يخرجون، يتحدثون، يتناقشون، يضحكون أيضا وهم يشخصون حالة مستعصية. أنا أقف برهة، أحدق بعمق في البلاط، مربعاته المتناوبة الألوان، لون فاتح ولون غامق، يوم أبيض ويوم اسود، لكن كيف كانت البداية هل هي أبيض أم أسود، أبحث عن بداية الرواق، أمشي متلصصا بفكرة غريبة، أين البداية يا ترى؟

أصل نهاية الرواق، كم مربعا مشيت، إذا عددتها مثنى وجدتها مائة، لكن المائة تخلط اللونين، علي أن أفصل، يا هذا يا ذاك، لعبة مسلية فعلا، كم عدد المربعات، عن أي مربعات أتحدث، مربعات الرواق أم مربعات حياتي؟ مربعات حياتي لا يمكنني عدها، كثيرة فيها كانت سوداء وكثيرة أيضا كانت بيضاء ..

الأتعس أنها كلها مربعات  حصرت فرحة أو شجن

لا شيء يخترق أضلع المربعات المتساوية الخيبات.

كل مرة اخترقت فيها حياتي نظام المضلع المنتظم بدقة، دفعت ثمنا ما، جنحة كان علي أن أسدد فاتورتها قهرا.. لا تتخطى الحواجز الممنوعة مهما كان الحلم ملحا مهما كان الإغراء جميلا

لكنني فعلت وها أنا أعود أقفز، لا، ادفع إلى داخل المربع الذي تخطيت بكل عنف ..

أجلس الآن على كرسي الانتظار، عجوز بجواري ترفع يديها إلى السماء، تتشبث هي بأضلع المربع طائعة، أحدجها بنظرة، أحسدها على ولائها وإذعانها، رجل آخر يقابلني على كرسي آخر، يضع رأسه بين يديه ويحرك رجليه بلا توقف، تتقدم الممرضة نحوه مبتسمة..

ـ مبروك سيدي ، البنت… والزوجة بخير .

هب الرجل هبة واحدة بقوة ..

ـ يبشرك بالخير، هل يمكنني رؤيتها ؟

وارتسمت على سحنته آمال كبيرة، نقلته بقفزة قدرية من.. مربع الحيرة والانتظار الأسود إلى مربع الرجاء الأبيض .

أنا.. مازلت على حافة تفصل مربعين، لا اعلم أين مصيري القادم.. رجل مرعوبة بهاجس السقوط و رجل عاجزة على ولوج عالم الرجاء .رغم ذلك، احتمي بالانتظار، أحيانا تكون ساعات الانتظار أرحم من النهايات  المجهزة على منطق الأمل.

انتظرنا عشرين سنة ليحدث الحمل..

أن يلد الآخرون كما تتوالد الأرانب، كان نعمة نحسدهم عليها، رؤية الأطفال في شقاوتهم وجبروتهم، في قبحهم أحيانا، كان منحة ننتظرها بشوق أحمق .

كثيرا ما كنا نسخط على الإعلانات التي تقابلنا، في المرافق الصحية، تلك الموائد التي تجمع أشكالا من المخلوقات، تبرمج لانقراض الجنس البشري في مخططات تسميها تحسيسية، لتحديد النسل أو.. مسخه.

وبقينا نترنح بين مربع أبيض وآخر اسود .

سنة تجر سنة، لا وجه فيها إلا وجهينا ولا صوت فيها إلا وشوشتنا، هكذا كنا نتكلم، نعمة يقول جاري.

لا اسمع صوت الصراخ في بيتك، كثيرا ما أظن أنكم غادرتم، يا أخي أغبطك على الهدوء الذي تنعم فيه، لا تتذمر “عسى أن تكره شيئا  وهو خير لك”، أنا أتحاشى دخول البيت حتى ينام الأطفال ورغم ذلك أجد أمهم، مكشرة مشمرة، تنتظر محاسبتي وتتهمني بللا مسؤولية،

وبتعبها من الأطفال وغياب أبيهم، ما أنت فيه نعمة لا يحس بها إلا من يفقدها.

كان جاري يجرحني في العمق عن جهل ويحسدني على خير أراه شرا.

الوشوشة أم الصراخ ؟

تمنيت صراخ طفل وإصراره على لعبة، على نزهة، على قطعة حلوى تمنيت أن أسمع شيئا يخرج من صلبي يناديني بابا.

لا يمكن لجاري أن يفهم أن الفراغ قاتل، قاتل حتى للصمت.

انتظرنا المعجزة التي جاءت… بعد سنين.

تطير بنا من مربع انتظار إلى مربع انتظار آخر، تنقلنا من ضفة إلى أخرى. تسعة أشهر كانت طويلة، أطول من سنيننا العشرين ..

– الحمل حساس جدا في هذه السن والمخاطر موجودة، لابد من متابعة دقيقة.

قال الطبيب.

ونفذنا تعاليمه حرفيا …

جاء اليوم الموعود ..

جاءت فرحة حذرة ..

ما زلت أعد البلاط وانتظر عودة الطبيب ليخبرني بنتيجة التحاليل، أريد أن أدخل غرفتها، احضنها، أمسك يدها الصغيرة بين أصابعي الخشنة، أطبع قبلة على جبينها الناعم ، أحملها  بين يدي، أحضنها إلى صدري، أريدها أن تبلل ملابسي ،أن أسرع إلى الحفاضات أغيرها،  أن أسمع بكاءها وهي ترضع إصبعها باحثة عن صدر أمها.. الغارقة في الذهول والحزن..

أريد أن أسمعها يوما ما تناغي، تتلعثم …

– با… با ..

تحبو، تتعلم المشي ،خطوة، خطوة.. وعندما يغلبها جسدها الصغير وتفقد توازنها، تمد يديها نحوي لأنتشلها ونحن نضحك، وأنا ألثمها برفق أواسيها كي تعيد الكرة حتى تتعلم المشي.

لكنها المربعات اللعينة ..

الطبيب يعود بأوراقه و وجه لا تعابير فيه، لا أستطيع الوقوف  يناديني ..

ـ اتبعني إلى المكتب.

دق قلبي بسرعة، وراحت قدماي تتخطيان البلاط بغير حساب.

ـ أجلس أرجوك.

ـ لا أفضل الوقوف، هات ما عندك.

ـ آسف سيدي، لكن كما توقعنا بالفحوصات، الصغيرة تعاني من إعاقة كلية ،مائة بالمائة ، خلل في الدماغ، خلقي، لا يمكن شفاءه، لكن يمكن، مع ما توصلت إليه البحوث الطبية، أن تتابع في مراكز مختصة …

لم اعد أتابع  ما يقول، خرجت من الغرفة ..

و قد غرقت في دائرة تيه لا لون لها ..

كاتبة وقاصة جزائرية*

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق