ثقافة السرد

البولمان

ريم حبيب*

“الحقيقة عند الرجل ليست نفسَها عند المرأة. فالحقيقة عندها تندرج في سياق الأحداث والوقائع، وما يصحّ اليوم قد لا يصحّ غدًا.”

كنتُ واثقةً بأنّ ما قلتُه لن يمرّ من دون تعليقٍ أو تندُّر. لذلك لم أستغربْ حين وصف أحدُ الطلّاب المرأةَ بـ”المجنونة.” أجبتُه وسط ضحك زملائه: “كلُّنا نحمل جينَ الجنون، مثلما نحمل جينَ السرطان أو جينَ العبقريّة. وتتفاوت أعراضُ ظهور هذه الجينات من شخصٍ إلى آخر.”

تبادل طلّابي النظراتِ والتعليقاتِ المضحكة. وقبل أن يتحلّقوا من حولي فأتأخّرَ عن مرضاي في العيادة، لملمتُ كتبي وتناولتُ حقيبتي. وإذ بإحدى طالباتي تفاجئني بعلبة شوكولا صغيرة تدفعها نحوي قائلةً: “كلّ عام وأنت بخيرٍ يا دكتورة!”

لم أتفوّهْ بكلمة، بل شددتُ حقيبتي إلى صدري، وأسرعتُ إلى مغادرة القاعة.

ألتفتُّ ورائي وكأنّني أتحقّق من أنّ سنوات عمري لن تلحقَ بي. حين كانت تظهرُ لي، كنتُ أقفزُ عنها؛ فقد زرعتُ في داخلي وزرًا ثقيلًا في رتابة السنوات والأيّام التي فقدتْ طعمَها ولونَها. وإذ رحتُ أبحث عبثًا عن ذاتي، ألفيتُني في قفرٍ يباب، لا أثرَ لرجلٍ فيه. شعرتُ بانزياحٍ مفاجئ، كأنّ الأرضَ اهتزّت من تحت قدميّ هزّةً خفيفة. وفي لحظة وحيٍ مفاجئة، وجدتُ نفسي أدخل مكتبَ الدكتور غريب.

كان يقف أمامي بأناقته اللافتة دومًا، وأنا أشبهُ بعصفورٍ ينتظر عند النهر ليشربَ سوادَ عينيه. هببتُ كالريح وجذبتُه جانبًا: “اليوم عيدُ ميلادي. أفكّر جدّيًّا في أن نحتفل به معًا.” ابتسمَ مستغربًا، ثمّ سألني عن عمري. ضحكتُ وأجبتُه: “خمسون.” ردّ باستفزاز: “فقط! وماذا سنفعل؟” وقبل أن أجيبَه على وقاحته، اعتذرَ عن تلبية الدعوة لانشغاله بمناسبةٍ خاصّة.

أغادرُ المكتب وأنا أسترجعُ ما حدث بيننا. أنفاسي تتسارع. أعودُ إليه وأدخل بلا استئذان. أطلبُ إليه أن ينسى دعوتي؛ فلا يمكن أن يكونَ هو الشخصَ الذي أرغبُ في أن أقضيَ عيدَ ميلادي برفقته. أبتسمُ بسخريةٍ (لقد نلتُ منه!)، وأبرِِّرُ عودتي إليه بأنّني أرغب فقط في أن أعرف إنْ كان مدعوًّا إلى مؤتمر رابطة الأطبّاء النفسيّين في دمشق غدًا. وعندما قال إنّه لم يتلقَّ دعوةً، قلتُ إنّهم لا يدْعون إلّا الأطبّاءَ الأشهرَ في كلّ محافظة (ها قد نلتُ منه ثانيةً!). فردَّ بابتسامةٍ باردة.

أصعدُ إلى السيّارة وأتوجّه إلى عيادتي. أهزُّ رأسي كنرجسة، متناسيةً ما حدث. وسرعان ما تصلني رسالةٌ على هاتفي النقّال. الدكتور غريب يعتذر: “أوه! كنتُ وقحًا معكِ. متأسّف جدًّا. كوني بخير.”

يبلّلني عرقٌ باردٌ بعد هبَّةٍ ساخنةٍ اجتاحت جسدي بأكمله.

***

تعثّرتُ بعلاقاتي كثيرًا. كنتُ باردةً دائمًا مع الرجال؛ فهياجي كان موجَّهًا إلى النجاح وتحقيقِ الذات.

تلك البرودة حطّمتْ كلَّ شيء. حتّى زواجي من الدكتور رضوان لم يستمرّ أكثرَ من ثلاثة أشهر. افترقنا بهدوءٍ كما يليق بزوجيْن حضاريّيْن. وحين سألتْني أمّي عن سبب الطلاق، أخبرتُها أنّ طباعَنا مختلفة، في حين كان السببُ الحقيقيّ جنسيًّا.

بعد طلاقنا، قدّمَ رضوان بحثًا أهداني نسخةً عنه. كان بحثًا عن المرأة التي تمارس ضربًا مُخِّيًّا من السلوك الذكَريّ. كان يقصدني بالتأكيد. لكنّ رضوان لم يُعِرْ جسدي أذُنًا، ولم يُثْلجْ رغبتي بكلمة، ولم يعرف كيف يضمُّني إليه، وكيف ينتشلني من غربتي.

لقد قضينا أيّامنا في العويل والصراخ. لذا اجتثثتُه من أعماقي، وولّى.

***

وجهي مثلُ بحيْرةٍ يصفعها المطر. أحدِّق في أرجاء العيادة التي تغصُّ بالمرضى. أطلبُ من الممرِّضة أن تُحْضرَ لي إضبارةَ أوّلِ مريض، وأن تصنعَ لي كوبَ قهوة. أجلس. يرنّ هاتفي مجدَّدًا: إنّه الدكتور غريب مجدَّدًا. أستشيطُ غضبًا وأتناول هاتفي لألقّنَه درسًا. وفي اللحظة التي يفتح فيها الخطّ، تدخلُ الممرِّضة، فأُنهي المكالمة من دون أن أقولَ شيئًا.

أمرُّ على أضابير المرضى. أبتسمُ لكلّ امرأةٍ أحرقتْ بنيرانها جدرانَ غرفتها الباردة، لكلّ امرأةٍ فتحتْ بابَ الرغبة عنوةً وفعلتْ كلَّ ما يُفعَلُ ليتلظّى الصقيع.

لقد تعلّمتُ أن أعطيَ مريضاتي شتّى المبرِّرات، مُوقِنةً أنّ بعضَهنَّ ممّن أتين من بيئاتٍ منغلقةٍ سيُقْتلنَ إنْ لم أمنحْهُنّ طوقَ النجاة.

في السابق جاءتني فتاةٌ في التاسعة عشرة. كانت طالبةً في كلّيّة الاقتصاد. أخبرتني أنّها “حاملٌ من عفريتٍ” كان يتربّص بها في التواليت. حدّقتُ في جرحها الداخليّ، وفي دمها النازف. ما جدوى الطبّ في دوّامة النارهذه؟ كلُّ حيادٍ قتلٌ آخر.انحزتُ إليها، بينما انطبعتْ في ذاكرتي – كوشمٍ من الجمر – نظرةُ شقيقها الذي كان يرافقها. بعد أيّام سألتُ عنها في الجامعة، فعلمتُ أنّها قُتلتْ.

تضاعفتْ صدمتي حين تكرّرتْ تلك الحالات: نسوةٌ يفتقدن الحبَّ والجنسَ، فيتماهيْن مع التفكير الذي يسود بيئاتهنّ؛ فمرّةً يحبلن من “الكرسيّ،” ومرّةً من “الدرّاجة الهوائيّة،” ومرّةً من…

أطلبُ من الممرِّضة أن تعطي المرضى مواعيدَ أخرى؛ فلديّ مؤتمرٌ طبّيّ، ويجب أن أتهيَّأ للسفر.

أحملُ حقيبتي وأخرج، وصوتُ الدكتور غريب يصفر في أذني.

***

أصِلُ البيتَ. أدخلُ الحمّام. أتعرّى. أدخلُ في حلمٍ يشبه الدوارَ. تتسلّل عينايَ إلى هضبتيَّ. أزيحُ بينهما. أمرُّ عليهما. رعدةٌ خفيفةٌ كدتُ أنساها. جسدي دافئ. أتلمّسُه بيدٍ منسرحة. أفتح الدوشَ حتى امتلأ المكانُ بالبخار.أتجرّأ وأقبضُ على مفتاحي. أرى الدكتور غريب أمامي عاريًا إلّا من شبقه. صوتُه يهمس لي: “لا تنظري إلى الوراء. الموج مناسب، وما تبقى هراء.”

صوتُ القرع على باب الحمّام يُخْرجني من خيالي: إنّها أمّي تخبرني أنّ الممرِّضة اتّصلتْ وقد حجزتْ لي في الثالثة فجرًا. هكذا أصل إلى العاصمة في الموعد المحدَّد للمؤتمر. أتأمّل جسدي للمرّة الأخيرة قبل أن أضعَ عليّ منشفةً، وأسألُ كلَّ ما فيَّ: أمازال في إمكان النهر أن يرتفعَ ليأتيَ بالفيض؟!

***

أركبُ سيّارةَ تكسي، وأطلب من السائق أن يأخذَني إلى محطّة البولمان، فيجيبُني: “بأمرك دكتورة!” أبتسم له وأسألُه: “هل تعرفني؟” فينفي معرفتَه بي قائلًا: “مِن شكلك مبيّن دكتورة.” تتّسع ابتسامتي. أتأمّلُ نفسي:

أضعُ نظّارةً طبّيّةً. تسريحتي ربطةُ ذيل حصان. أرتدي طقمًا كحليًّا وقميصًا أبيض. أردافي سمينة.

أستعيدُ ما قاله الدكتورغريب من أنّي أبدو أكبرَ من عمري.

ينتابني شعورٌ بالضآلة. أصعد البولمان. أتنبّه إلى العدد القليل فيه. هناك سيّدةٌ برفقة ابنها يجلسان خلف السائق، وشابٌّ عسكريّ يجلس خلفهما. أُبرزُ بطاقتي للسائق، فيخبرُني أنّه يمكنني أن أجلسَ في أيّ مقعد.

أذهبُ إلى آخر مقعد وأجلس مسترخيةً. ساعاتٌ قليلة وينبلجُ النهار، فأدخلُ في عامٍ جديد.

نزّت من عيني دمعةٌ، فتركتُها تسيل على خدّي.

فتحتُ عيني على صوت رجلٍ يسألني: “آنسة، ممكن أقعد بجنبك؟” وقبل أن أجيبَه قال لي إنّ لديه ذعرًا من السفر. كان في الأربعين، يرتدي الجينز، شعرُه طويل يربطه مثلي إلى الخلف. سحبتُ حقيبتي لأفسحَ له مجالًا كي يجلس. شكرني فلم أجب. وفجأةً التفتُّ إليه وسألتُه: “لماذا افترضتَ أنّي آنسة؟” أجاب: “لأنّكِ تبدين صغيرةً.”

ضحكتُ وأجبتُه بغضب: “لستُ آنسةً ولست صغيرةً.” فردّ بهدوء: “من قال لكِ ذلك؟ مَن يمكن أن يدَّعي أنّه يعرف المرأةَ ويعرف عمرَها؟”

وأضاف أنّه يدرس الكارما في جامعةٍ في الهند، وأنّه كان في زيارةٍ بدعوةٍ من مركز يوغا لصديقه، وقد أنهى زيارتَه إلى سوريا، وهو عائدٌ اليوم إلى الهند.

طلب مني أن أعطيَه يدي ليخبرَني أين مكامنُ الطاقة لديّ. كانت يداه كقنواتٍ من زبدٍ مُقْمر، تنحدر نحو أوديةٍ من رماد. رأيتُهما تتسلّلان إلى داخل كهوفي القديمة. كان لجسده رائحةُ صنوبر. وكانت بحّةُ صوته تمطر نشوةً وتخيّلاتٍ.

في تلك اللحظة توقّف البولمان عند استراحةٍ قرب حمص. كانت الساعة الخامسة. العتمة ما تزال تجرّ ذيولَها ببطء. نزلت السيّدةُ وابنُها والعسكريّ. لم يبقَ سوانا. لقد استلّ مفتاحي على حين غرّة ودخل أدغالي. لم يكن لصًّا بل مبشِّر. وكنتُ أبتعد معه وأهتزُّ تحت الريح.

غفوتُ بعد ذلك المسّ الكهربائيّ. لا، لم يكن مسًّا! كان خدرًا لذيذًا رماني في قارب، وكان الموجُ مناسبًا. وكانت روحي وسط البحر تنتظر أن تهتديَ بجزيرةٍ صغيرةٍ مشمسةٍ بعد مطرٍ ناعم، فيها تفّاحُ الرغبة. وكان جسدي مثلَ سنجابٍ بنّيّ، مذهولٍ بالفيء، مذهولٍ بالشمس، وبكلِّ ما أنبتته الأرض.

حين استعدتُ وعيي، كان البولمان قد بلغ محطّتَه الأخيرة. نظرتُ بجانبي، فلم أجدْه.

***

بعد مدةٍ من تلك الحادثة، لازمني الخمولُ طوال الوقت. تساءلتُ: ماذا لوكنتُ…؟

أخذتُ موعدًا من صديقتي الطبيبة النسائيّة. بعد الفحص، أخبرتني أنّني قد أكون حاملًا، وأنّ الحملَ قد يكون في أسبوعه الأوّل. طلبتُ منها أن تحجزَ لي موعدًا لعمليّة إجهاض. وحين سألتْني ممّن أنا حامل، لم يبقَ في ذهني سوى صوتِ الريح، فيما وجوهُ مريضاتي تلتفّ حولي. أجبتُها:

“من البولمان.”

سوريا

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق