ثقافة السرد

كرامات الشيخ

ذ. نموس محسن

الجو حار، والشمس لم تصل بعد إلى كبد السماء ، النعاج ملأت بطونها تبنا، برسيما يابسا وبقايا السنبل المتساقط بعد مرور آلة الحصاد، استراحت تحت ظل أشجار الزيتون الوفير، تجتر ما في جوفها في حركة موسيقية رائعة، الخرفان الصغيرة تلعب جانبا بخفة وإتقان ،تناطح بعضها برشاقة.
يجتمع الأطفال في مجموعة لعب مكونة من اثنان إلى أربعة أفراد، يلعب فؤاد رفقة أصدقائه بأصداف الحلزون، لعبة تسمى ) بيبيشة( نسبة الى الببوش أو الحلزون، فما كلبه قاعد جانبه يلهث، يحرك ذيله يمينا وشمالا دلالة الفرح، ينتقل الأطفال إلى لعبة أخرى ، يحفرون حفرا صغيرة، يستعملون حبات الحمص من بقايا حصاد حقل مجاور، أو(البريو) : بَعْرُ النعاج اليابس المدور الذي اشتق منه اسم اللعبة )بريريوة( .
قبل اقتراب الظهيرة، يهش فؤاد أغنامه اتجاه الوادي، ما إن يتراءى لها الماء حتى تهرع لتروي ظمأها، في حن يُلقى الأطفال في المياه ، يسبحون ، يتلاطمون ويغرقون بعضهم بعضا. الحياة بسيطة هادئة وممتعة خلال الصيف ، المعلمون قد ارتاحوا من شغب المتعلمين، وارتاح الصغار بدورهم من التنقل كيلومترات إلى المدرسة في الدوار الآخر.
تتسابق النعاج في الوصول إلى الحظيرة، وفؤاد إلى البيت ، تكون الأم قد أتمت تحضير اللبن الطري ، يتناول فطوره المتأخر، بسرعة يشرب ويمسح شارب اللبن الأبيض المرسوم فوق شفته العليا بكف يده ، يحدق جانبا للتسلل خارج البيت، هروبا من سلطة الأب في قيلولة إجبارية تكاد تكون سجنا بحراسة مشددة.
أيام الصيف مشوقة وصاخبة كلياليها، لعب الكرة، السباحة في الوادي، البحث عن الأعشاش ، لقط الحلزون وبيعه في السوق الأسبوعي، سرقة البطيخ والتين من الضيعات المجاورة للنهر، وعندما يحل الظلام ، لعبة الغميضة في انتظارهم، أما إن صادف تك الليلة عرس في الدوار فالفرحة لا توصف ، فرق الغياطة والطبالة والهياتة تطرب الليل كله وتكون بمثابة جواز لقضاء الليلة خارج البيت .
يوم الاثنين، السوق الأسبوعي يرعى فؤاد الأغنام باكرا ، يذهب إلى السوق الذي يبعد ثلاثة كيلومترات مشيا على الأقدام ، يركب زورقا خشبيا، يجدف العم علال حتى يصل إلى الجهة المقابلة من الوادي، في الطريق قروي يحمل سلة بيض وثلاث دجاجات على كتفيه، صبية يسارعون الخطى ، ودواب مقيدة إلى أشجار الزيتون.
يدخل سوق الاثنين من الباب الجنوبي، يجد الأب داخل خيمة من الخيام المنصوبة عل شكل مقهى حيث رائحة الشواء وكؤوس الشاي بالنعناع ،يقبل يده ، فيما يضع الأب في يده دريهمات. يتجول فؤاد في السوق من مكان بيع الخضر إلى مكان بيع الحلويات جوار بائعي الكفتة والكباب ، الشارع الرئيسي في السوق يمتد من الباب الجنوبي حتى المستوصف ، قبل ذالك رقعة تجمع المجوهراتيون ، هناك حيث بائعي الأشرطة الموسيقية- الكاسيت- يقف مستمعا ويحرك رأسه دلالة الاستمتاع، إيقاعات الشعبي لنجاة اعتابو أو سعيد ولد الحوات تملأ الفضاء وتجدب الأطفال ، فرقة ناس الغيوان والمشاهب وجيل جيلالة تمنح للمكان قدسية ، لم يكن الوسط قد دنس بعد، إما أن تكون فنانا أو لا تكون، لازالت الآلات التقليدية تحتفظ بهيبتها، نغمات أطلسية، الوتار الطروب المجلجل لمحمد رويشة يشفي الغليل، الكمان الشعبي لمجموعة أولاد بنعكيدة ، الحنجرة الذهبية لفاطنة بنت الحسين، رواد العيطة يستحوذون على الأذن الموسيقية في البادية المغربية.
انتهى عصر الكاسيت وانقضى معه معنى الفن، حلت كائنات غريبة الشكل لا قبل لنا بها ولا بمن أوجدها. أخد القوام مكان الصوت ، وأزاحت المؤخرة السمينة الحنجرة الذهبية.
انهار الذوق العام ، واختلط الحابل بالنابل، فأضحى غريبا عود الدكالي و ناي نعمان ، حين صعد الخشبة فلانا من طرف فلان.
في الجانب الغربي من السوق حيث مكان) الغيارة أو السمايرية (- حرفيون يقومون بتبديل وتغيير حدوات البغال والحمير …. أسفل حوافرها، اجتمع حشد من الناس، حول شيخ بلحية بيضاء، اقترب فؤاد من الجلبة، فوجده يتوسط رجالا وصبيانا، يحملون قنينات ماء و قطع خبز عليها بقع دم .
قبل أيام وصلت إلى الدوار أخبار نقلها العطارة على ظهور دوابهم كما ينقلوا بضاعتهم.
داء الكلب تفشى في الدواوير والقرى المجاورة، وكل من أصيب ،يصبح نهما شرها لعض أي كان ، أصاب الرعب قلب الصبي كما أصاب أطفال القرية ، انتهت كثير من علاقة الود والسلام تجاه الكلاب، لكن مثل هذه الإخبار كان الأطفال قد تعودوا عليها ، فمثلا خلال الصيف الماضي رأى أحدهم تمساحا يسبح في الوادي، فلم يجرؤ فؤاد أن يسبح منفردا قط، وقبل ذالك خرافات عدة ، من قبيل الثعبان الذي يصل طوله الكيلومتر : رأسه في الوادي، وأخر ذيله في الثلة . لكن الأطفال سرعان ما ينسوا الأخبار المزعجة ، ويستمرون في لعبهم الكثيرة والمتنوعة ، السباحة والكرة والغميضة، لعبة الصندالة، طايبة ، البي، الطرومبية ، حابة إضافة إلى الأعراس التي لا تترك مجالا للفراغ تشغله الوساوس.
بعد أيام كثر الحديث عن الداء اللعين ،أخد الموضوع شيء من الجدية ، أغلب الأسر فكت الارتباط بكلابها وطردتها، أصر الأب على ضرورة التخلي عن الكلب ريكس ،لم يحتمل فواد الفراق وحزن كثير، راح يبحث عن طريقة تجنب صديقه الوفي ما لحق بالأخريين.
خلال ذالك العام نصبت محاكم التفتيش للكلاب ، وأصدر الأطفال حكما جماعيا بإعدامها جميعا شنقا أو رميا بالحجارة .
في وسط الدوار، على مقربة من الطريق، تقف شجرة تين، ذات جدع قوي وأغصان قليلة ومتفرقة، لا يعرف لها تاريخ ، من زرعها ومتى، إلى حين، كانت مركز تجمع لاعبي القمار، من الشباب، أما الآن فيلعب حولها الأطفال لعبة البي لأن أرضها مستوية وجافة.
أي نحس أو تعويذة سحرية أصابت ألعابنا الجماعية وحكمت عليها بالانقراض، لم تكن أعمدة الكهرباء قد وصلت إلى قريتنا، لا شبكة الماء الشروب ، ولا طريق معبد ، لم تحل لعنة التكنولوجية بعد . أما بالنسبة للأطفال فجل وقتهم لعب: لعب خلال رعي الأغنام، عند الظهيرة، خلال الليل وفي كل الأوقات.
تجمع الأطفال عند التينة ، وانطلقوا بحتا عن الكلاب، هرب بعضها ووقعت المريضة والمنهكة، لف زعيم المجموعة سلك حول رقبة الضحية الأولى ،تعاونوا على جرها إلى التينة ، علقوها وانهالت عليها الحجارة من كل جانب، عوت مرة، اثنين، ثلاثة، وسلمت الروح إلى صاحبها ، كان الأطفال بالعشرات وحجم الحجارة كبير. سال دم كثير ولطخ جدع الشجرة، فكوا وثاقها بعد أن ماتت ، قام بعضهم بجرها إلى مكان غير بعيد وانطلقوا مرة أخرى للبحث عن ضحية أخرى.
خلال أيام تعفنت جثت الكلاب وغرق الدوار في رائحتها الكريهة ، استمر الخوف والهلع لأيام، بعد فترة لم تظهر علامات لمرض أو ما شابه ، توقف الأطفال تلقائيا عن قتلها، كان ريكس لازال مختبئا في المكان الذي اختاره فؤاد .
السوق الأسبوعي، صيحات الباعة تملأ المكان ضجيجا صاخبا، أذيع إعلان عبر مكبرات الصوت بقرب مرور دورية لقنص الكلاب جميعها، المرض عم قرى عديدة، والضحايا كثر. أحس فؤاد برصاصة باردة تقترب من كلبه، تخرج كبده فيما يقوم بلحسها،هذا المشهد المقزز ، سبق وأن عاينه سنوات خلت، ثم داعبت مخيلته حجارة الأطفال تنهال على كلبه والدماء تسيل من فمه، عينيه وأذنيه. استبد الخوف بقلبه وجفا النوم عينيه، عاودته كوابيس الأيام الماضية، ريكس على شفى حفرة من المقصلة.
أحب كلبه أكثر من أي شيء آخر، فأخذ يفكر في طريقة لتخليصه من حبل المشنقة، موته المحتوم سواء برصاصة الدورية أو بحجارة الأطفال يمكن تفاديه لو خبأه لأيام، فكر في مكان قريب من المنزل عند كومة التبن، لكن لن تخطئه أعين المخبرين من الصبيان. فكر في الحفرة البعيدة جانب البيدر، ثم وقع اختياره أخيرا على البئر الجاف.
عند حلول الظلام، اقتاد فؤاد رفقة أخيه الأكبر حميد الذي لم يدخر جهدا في مساعدته، اقتادا ريكس حيث البئر، نزل حميد البئر الحجري ، ثبت رجليه على طرفيه ، ناوله فؤاد الكلب والدموع تنهمر على خديه، لم يقل شيئا، الكلمات لا معنى لها في الأوقات الحزينة ، سلم صديقه للقدر، وأجهش في البكاء، الدموع الصادقة وحدها دليل المحبة والوفاء، أرقى تعبيرا عن المشاعر الجياشة والأحاسيس النابعة من القلب، تنهمر دون انقطاع ، تبلل وجهه حتى نهاية عنقه.
صعد حميد من البئر بعد أن ترك خبزا مبللا بالحليب وقربة ماء، ربت على كتف أخيه وقبل رأسه، ووعده بأن كلبه سيكون في أمان.
بعد أيام عاد الأطفال إلى ألعابهم ، انهمك الرجال في العناية بحقولهم، أما عائلة بن محمد أعدت اللمسات الأخيرة لتحضير زفاف ابنها البكر . وضع العلمان الأبيض والأحمر فوق سطح المنزل الطيني المتعدد البيوت ، وسمع دوي زغاريد النسوة والصلاة والتسليم على النبي ، حل الظلام وعم السكون الدوار.
بعد عودة فؤاد من رعي الغنم كعادته كل يوم، وجد أباه ينتظره في الحظيرة رفقة رجل قصير القامة، مكتنز البدن ،جالسا على الأرض وقد أفرش أمامه مقصات مختلفة الأحجام والأشكال. كانت المناسبة قص صوف الأغنام، مناسبة بهيجة، لطالما استغل البدويون أتفه الأسباب لإعلان الأفراح والمسرات، استدعي لها بعض أفراد العائلة ، أعدت الأم الكسكس بالحليب كوجبة رئيسية.
كان البدين الذي يسكن دوارا بعيدا عن دوارنا، وهو يقص صوف الأغنام ، يحدث الرجال عن شيخ سبقته سمعته والكرامات التي وهبه الله إياها ، مقدرته عن شفاء عديد الأمراض منها داء الكلب ، وأنه ربما سيصل قريتنا عما قريب.
ذات صباح قبل صلاة الظهر بساعة ونصف، حين عاد الصبيان من رعي قطعان الغنم، وصل الشيخ إلى قريتنا، رجل نحيف في أرذل العمر، تجاعيد وجهه المتموجة توحي أنه ، تجاوز السبعين من عمره، بلحية وشارب بيضاويين ، يركب بغلا هزيلا ذو عينين دامعتين، منهكا كأنه قضى ليلته ماشيا ، يلتقط أي شيء ويلتهمه،علامات الجوع وضنك الحيات مرسومة على جبهته الطويلة.
يلبس العجوز جلبابا خفيفا وقصيرا، لا يغطي تماما الترهلات المقيمة في زوايا جسده، ويضع جلبابا أخر على كتفه، لم يكن يتمتع بصحة جيدة وعلامات الوهن بادية عليه، رجلاه طويلتان ورقيقتان كعيدان شجرة التين، . لكنه يتمتع بوقار أو على الأقل يدعيه.
جلس على مقربة من المسجد ،ربط حصانه عند الكرمة ، لا يدري البغل المسكين أنه مقيد في مكان خصص لإعدام الكلاب ، تراءى إلى مخيلتي الأحجار المتطايرة، تنهك جسده العليل وتقعده أرضا، استراح العجوز في جلسته وأطلق العنان لصوت خافت ، اعتقدت لوهلة أنه سيختنق في مكانه، بسرعة البرق أحضر القرويون شايا ،لبنا ،خبزا، زيتا وزيتونا، أكال ما أكل وترك الباقي جانبا، شمر عن ساعديه الشبيهتين بملاعق الخشب وصاح :
يا أهل القرية ها قد أتاكم الشيخ ، صاحب البركة ، داء الكلب يتربص بكم ؟
أسرعوا، هاتوا قرب الماء وقطع الخبز لأباركها، وقتي ضيق ومستعد للرحيل عند المساء.
اجتمع حوله الأطفال وأحدثوا جلبة، بعد مدة وجيزة عاد كل منهم إلى بيته ، أحضروا قنينات الماء، وقطع الخبز ، كان الشيخ يملأ فمه بالماء ، يتمضمض ثم يرشنا بحركة من فمه كما يفعل المجاذبة بالماء الساخن ، يضع يده فوق رؤوسنا ، يتمتم ، يردد بعض الآيات تم يستمر في رشنا، يأخذ شفرة حلاقة ، يجرح يده حتى تسيل قطرات الدم ،يمسحه على قطع الخبز، ويطلب من الأطفال حمله إلى منازلهم وتقاسمه مع أفراد الأسرة.
ذات يوم ، سمع دوي طلقات نارية، كان القناصة يصطادون الكلاب الواحد تلوى الأخر، انقبض قلب فواد حين تذكر ريكس ، طمأنته أمه الجالسة بجانبه أنه بخير، وعليه أن يشفى لكي يعتني به.
غادر القناصة بعد أن قضوا على جميع الكلاب وحملوها في شاحنة لحرقها بعيدا
بعد فترة، أشيع في قريتنا ، انتشار مرض رئوي معد وقاتل، اختلف الناس عمن سببه وأجمعوا في النهاية أن مصدره الشيخ صاحب الكرامات، أصاب فؤاد ولزم الفراش أسبوعا، أخذه الأب إلى المدينة، لكان المرض كان قد استفحل، السعال يفتك بصدره الصغير ودرجة حرارته جد مرتفعة وقطرات دم تبلل فمه الجاف،بعد غروب الشمس تعالت أصوات نسوة وهي تجهش بالبكاء في أماكن متفرقة من القرية، فارق فؤاد الحياة إضافة إلى عثمان علي وهاجر، خلال الصباح كانت جثث الأطفال في طريقها إلى المقبرة، لتوارى الثرى، جنبا إلى جنب. خلال يومان أحضر حميد الكلب ريكس إلى المنزل، نبح نباحا متقطعا، بحث عن صديقه أياما وأسابيع، كل صباح، يهرع إلى حظيرة النعاج كما اعتاد ، بحث كثيرا عن صديقه فلم يجده، بعد أن فقد الأمل انزوى جانبا وطأطأ رأسه، لم يعد مهتما باللبن ولا بنزهة الصباح.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق