ثقافة المقال

سيمياء عالم مختلف

بقلم: سمير عباس

 
نتعلم من السيميائيات بوصفها علما للعلامات يدرس حياتها في صلب الحياة الاجتماعية، نتعلم أن العلامة دال يحيل على مدلول وفق ثلاثة طرق، أولاها وتدعى العلامة فيه أيقونة تكون العلاقة فيه بين الدال والمدلول علاقة مشابهة، كما تدل الصورة الفوتوغرافية على صاحبها، وثانيها و تسمى بالقرينة يكون الدال فيها نتيجة عن علة هي المدلول وفق علاقة علية،كما يشير الدخان إلى وجود نار، أما ثالثها و العلامة فيه رمز فإن الدال يرتبط بالمدلول فقط لتواضع أفراد المجتمع و اتفاقهم على ارتباطهما أحدهما بالآخر و هي حالة كلمات اللغة على سبيل المثال، فدلالة كلمة شجرة على الشجرة ليس له سند منطقي، و يبدو أن السيميائيات تعلمنا أكثر من هذا.
​في الأشهر الثلاثة الأخيرة عرف عالمنا محنة قاسية بسبب وباء كورونا أي كوفيد 19، وتسببت هذه المحنة في تغيير مظاهر حياتنا بشكل كبير جدا، فانتشار هذا الفيروس من مدينة ووهان الصينية إلى كل أقطار المعمورة في ظرف زمني قياسي، كان سببا في تسارع وتيرة هذا التغيير بشكل كبير أيضا، و سارعت الشعوب والحكومات للتصدي لهذا الوباء الفتاك بشجاعة تضمنت كثيرا من التضحيات الجسيمة، حتى أضحى عالمنا في عز هذه المحنة مصداقا لقول المتنبي: وقفت و ما في الموت شك لواقف​كأنك في جفن الردى و هو نائم
و توالت تقارير منظمة الصحة العالمية عن خطورة هذا الوباء الذي ما فتئ أن صار جائحة، كما تعددت إجراءات الوقاية الصحية للحد من انتشاره، فتوقفت حركة الطيران و الموانئ و حتى حركة النقل البري إلى حد أقصى، و صاحب هذا التوقف تجميد شبه كلي لحركة الأشخاص، و صار الحجر الصحي قاعدة لا استثناء، فلزم الناس بيوتهم تحت وطأة شعور جمعي بالهلع و الخوف من الموت أو فقدان الأحبة، و كلما اضطر الأفراد للخروج من منازلهم توجب عليهم ارتداء أقنعة الوقاية من التقاط العدوى، كما توجب عليهم التزام قانون التباعد الاجتماعي الذي يفرض تجنب التلامس بالأيدي و الوجوه واحترام مسافة أمان بين الأشخاص، و هنا صدق فينا قول ابن زيدون:
أضحى التنائي بديلا عن تدانينا​​و ناب عن طيب لقيانا تجافينا .
​يمكن فهم مظاهر الاختلاف التي نعيشها على المستوى الفردي أو الجمعي في ظل وباء كورونا كعلامات، و هذه العلامات بطبيعة الحال ناتجة عن علة واحدة هي الفيروس الفتاك، و لهذا السبب نصنفها كعلامات قرينية، فسيري في الشارع مرتديا قناعا واقيا صار الآن قرينة تحيل على وجود الفيروس، وتجنبي لمصافحة أصدقائي قرينة أخرى تحيل عليه، و الأمر ذاته ينطبق على توقف حركة وسائل النقل و انهيار اقتصادات كثيرة في العالم، كما ينطبق على ظهور خطابات لا تحصى في وسائط التواصل الاجتماعي على الانترنت تتكلم عن معاناة الخوف و الحزن و الضيق و الضجر للسبب ذاته، لدرجة أننا صرنا نعيش في عالم مختلف عن العالم الذي كنا نعيش ضمنه قبل ظهور الجائحة، هذا العالم المختلف هو قرينة كبرى تنضوي تحت لوائها كل القرائن الأصغر فالأصغر و التي تحيل كلها على مدلول واحد هو كوفيد 19، و ربما لهذا السبب يمكن اعتبار سيميائية هذا العالم سيميائية للعلة و المعلول، للسبب و النتيجة، ضعفنا على المستوى العلمي قد يكون علة لقوة الفيروس الرهيبة، لا مبالاتنا تجاه وقوع الآخرين ضحايا للفيروس قد يكون علة لوقوعنا ضحايا آخرين له، و في نهاية المطاف كان قيام عشرات من مراكز البحث العلمية الدولية للعمل بشكل مكثف من أجل إيجاد لقاح مضاد يمثل قرينة أخرى.
​يمثل نجاح البشرية في تجاوز هذه المحنة استيعابا أمثل لسيميائية عالمنا الراهن المختلف، لا سيما على المستوى الأخلاقي في ظل الحديث عن مؤامرة عالمية، و حينها لن يكون هناك سوى ذكريات مسجلة في الذاكرة و الأرشيف، لكن في الحالة العكسية فإن هذه العلامات ستبقى جاثمة على صدورنا وفكرنا مثل العلامات المرضية أعراضا لقصورنا عن التطور و التقدم حضاريا، و ظهورها مجددا في المستقبل سيجعلها أيقونات تذكرنا بهذه المرحلة الصعبة من تاريخنا، و نتيجة لكل هذا فإن البشرية ستكون علامة رمزية للتقهقر الحضاري لاتفاقنا و تواضعنا على عدم الخروج من بوتقة أمراضنا المستعصية على المستوى الفكري بالأساس، و سنكون في هذه الحالة نسخة طبق الأصل للإنسان البدائي الذي يفتقد للقدرة على رد الفعل مستسلما لخوفه و هلعه لدى كل اضطراب ينتاب حياته.
​يفيد الحديث في الختام عن السيميائيات في إدراك مدى قدرتها على فهم حياتنا الراهنة على المستوى الفردي و الجماعي أيضا، و على فهم إمكاناتها الواسعة في وصف و تحليل واقعنا بشكل دقيق، و هذا في سبيل معالجة الأوضاع المعيشية التي نجد أنفسنا ضمنها بما يناسب قناعاتنا وحاجتنا لحياة أفضل، دون المغامرة بإنجازاتنا الحضارية على مر التاريخ، فجدير بمظاهر حياة العنصر البشري أن تكون قرائن دالة على القوة والازدهار عوض أن تبقى حبيسة المرض والعجز.

طالب دكتوراه علوم في الأدب العربي الحديث جامعة عنابة الجزائر –

عضو دولي في مختبر بنغازي للسيميائيات وتحليل الخطاب ليبيا

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق