ثقافة السرد

الجزء 26 من رواية المأساة الفلسطينية (حرمتان ومحرم)

للروائي صبحي فحماوي

 انفجار.. !

الروتين اليومي، واليأس من المستقبل المسدود أمام المعلمتين، يجعل ماجدة تنفجر ذات أمسية على سريرها الذي تراه هذه المرّة قبراً مفتوحاً داخل هذه الغرفة، فتقول لتغريد بالقلم العريض، ومن الباب للطاقة:
“إلى متى سنبقى هكذا، كل واحدة منا بقرة حلوب؟” فتستغرب تغريد سؤالها! “ماذا تقصدين؟ وماذا نستطيع أصلاً أن نفعل بمصيرنا؟” تجيبها تغريد مخنوقة مثلها! فتلطم ماجدة وجهها بمخدتها وهي تقول: “نحن نشتغل طوال السنة ونعود إلى أهلنا، فيأخذون نقودنا، ويصرفونها على أرواحهم، ثم يعيدوننا مع أبو مهيوب سنتين.. أربعة.. ثمانية وهم يرفضون زواجنا. كنا في بداية اللعبة؛ أنا مخطوبة لأخيك غازي، وأنت مخطوبة لأخي الشهيد جهاد، والآن صرنا نحن الاثنتين فاقدتين لرفيقي دربهما ولمركزيهما الاجتماعيين ولاستقرار مستقبليهما، وماذا بعد؟” فترمي تغريد باتجاه باب الغرفة مجلة كانت تقرأها وتقول:
– ما دامت كل واحدة منا بقرة حلوب، فلماذا يزوجوننا، ويقعدون بلا حليب؟ تعرفين؟ لو كنتُ مكانهم، لقمت بنفس الدور، ورفضت زواج ابنتي، لأنها بقرة حلوب لكل أفراد الأسرة!
– ولكنك لست أباً ولا أماً! أنت بنت، صارت على أبواب الثلاثين من عمرها، وليس هذا هو المهم، المهم أنه لا يوجد مستقبل! سنبقى هكذا كما تقول فيروز (رايحين جايين عطول الطريق..) سنبقى نتابع رحلة الصيف والصيف؛ وليست رحلة الشتاء والصيف. كل صيفين زيارة، والزيارة ليست لهدف سوى تسديد فواتير. نحن نسعى بين “الصفا والمروة”.. من معسكر الحصار، إلى واحة الرمال، ومن واحة الرمال إلى معسكر الحصار! والحياة هنا في الواحة ليست بأحسن منها في الحصار! على الأقل هناك مجتمع وناس وعالم تحس ببعضها، ناس تشاهد بعضها، وتتقابل، وتتحاور، وتتسلى وتستأنس، وتجتمع ضمن مجتمع، وتختلف وتتقاتل وتتصالح، وتحب وتكره بعضها بعضاً، وتتناقض مع الغزاة! فيشتغلون، ويُقتَلون ويَقتُلون، فيشعرون أنهم على الأقل يعيشون الحياة قبل أن يُستشهدوا، ولكننا هنا سنموت دون أن نشعر أننا عشنا الحياة، كما يقول المثل:
“مثل جبر، من (!) أمه للقبر” إنهم يعيشون هناك، وإذا لم يكن لديهم شغل، فعلى الأقل يتزوجون! ونحن هنا لا نرى أحداً، ولا نضحك مع أحد، ولا نتقاتل مع أحد! وأسوأ شيء أنه لا زواج بعد الآن! فمن سيتزوجك بعد الثلاثين، يا ست الحسن والجمال؟
تصرخ تغريد في وجهها وقد فلتت أعصابها :” من أين أدبر لك زوجاً يا ماجدة ؟ أأزوجك أبو مهيوب، وأخلص منك؟” فترد عليها ماجدة بضحكة هستيرية: “هذا هو بيت القصيد! اسمعي يا مجنونة، ما دمت مجنونة مجنونة، أريد أن أقترح زواجنا من أبو مهيوب. وماله أبو مهيوب؟ على الأقل رجل مهيوب ومحترم، وجيوبه مملوءة بالنقود، وطول عمره معنا، مؤدب وخلوق وخدوم، وعقله سليم، والجسم السليم في العقل السليم، معنى ذلك أن جسمه سليم للزواج! “
– ولك يا حمارة! “العقل السليم في الجسم السليم”، وليس “الجسم السليم في العقل السليم.”
– وهل أبقى أهلك وأهلي فينا عقلاً أو جسماً سليماً! لاحظي أن جسم كل واحدة منا قد تقادم، وصار مثل معلبات الطعام المنتهية صلاحيتها، لقد علت وجهينا بصمات آثار السنين.. الزمن يمضي يا تغريد، ونحن نفقد مواصفاتنا بسبب عدم الاستعمال! والمثل يقول:
“ظل رجل، ولا ظل حيطة.”
– يبدو أن الرجال هنا قد استظلوا بالحيطان، فلم يبق أمامنا رجال نستظل بهم!
– وإذا كان أهلنا يرفضون زواجنا من شباب بلادنا، وها نحن الآن في المنفى، فلماذا لا نقبل بسنّة الله ورسوله، ونتزوج أبو مهيوب؟
– كيف نتزوجه؟ ومن أين نأتي بأولي الأمر ليوافقوا؟ ومن سيصادق ويشهد على زواجنا؟ ومن سيحضر عرسنا؟ هذا إذا كان هناك عرس من أصله!
– العملية لا تحتاج أوراقاً، ولا محكمة، ولا شهوداً، ولا حتى عرساً، ولا ما يحزنون، فالكتاب مكتوب، بشهادة ولي أمر كل واحدة منا!
– أكيد إنك قد جننت يا ماجدة! أنت تبحثين الأمر جادّة!
– هذه الرحلات المكوكية بين دوار البحر وسراب الصحراء لن تنتهي، ونحن نعيش حياتنا مرة واحدة! وعندما يكون أبو مهيوب زوجنا على سنة الله ورسوله، فلن يستطيع أحد أن يفتح فمه بكلمة. ما رأيك؟
– والله معقول! لكنه غير معقول! فنحن نعامل أبو مهيوب كأب، وليس كزوج!
– ياستي مثل أبينا، ولكنه ليس أبانا، ولا تنسي إن كتابه مكتوب علينا، وإنه محسوب علينا عند الله زوجاً، وكل واحدة تقول لزوجها: “أنت حبيبي وزوجي وأخي وأبي وابني.”
– صحيح والله، فأنا لم أفهم معنى لتلك العبارات التي نسمعها ونشاهدها في المسلسلات!
– فلنقل لأبو مهيوب: أنت أبونا وأخونا وحبيبنا وزوجنا و.. وخليها على الله!
– والله معقولة يا ماجدة، لكن هذا كلام مجانين! صحيح كلامك منطقي..تصمت ثم تقول: ولكنه كلام فارغ! أنت تضعين النقاط على الحروف، ولكن هذه النقاط النارية أذابت الحروف الشمعية وقتلتها! أنت مفكِّرة، ولكنك مُخَرِّفة! أنا لا أكاد أصدق ما تقولين!
– دعك من الكلام الذي (لا يودِّي ولا يجيب ) هل أنت موافقة على الزواج، أم مُعارضة؟ أنا من جهتي موافقة! وأقبل أن تكوني ضُرتي، ولنتقاسم أبو مهيوب؛ ليلة عندك وليلة عندي، ونحن نعيش متكافلتين متضامنتين على السراء والضراء، فما رأيك؟
– أنا خائفة يا ماجدة، خائفة أن يقتلني أهلي!
– إذا صار لك زوج وأولاد وبنات، وكان أبوك ذات نفسه شاهداً على زواجك، فمن الذي سيقتلك؟!
– ولكن هل يستطيع أبو مهيوب الزواج من اثنتين في مثل هذا العمر؟
– يا تغريد الرجل مقتدر مالياً، وإيراده كما قال أضعاف راتبينا مجتمعين، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، الرجل لا يعيبه سنُّه في الزواج، خاصة هذه الأيام، فكما أقرأ؛ المنشطات الجنسية تفعل فعلها، وتعيد العجوز إلى صباه، وفي الأمس نشرت الصحف خبر العجوز ابن السبعين عاماً، الذي تزوج ابنة الثانية عشرة، ونحن لسنا في الثانية عشرة، ولا في الثانية والعشرين، نحن على أبواب الثلاثين من العمر يا مخبولة، وليس هذا بيت القصيد، فأهلنا لا يريدون تزويجنا من أحد..لقد زوجونا للنقود التي نلدها لهم!
– تصديقاً لكلامك، قالت لي جارتنا أم سمير التي في المعسكر، إن رَجُلها تزوجها وعمره ستون سنة، وكان عمرها عشرين! ولما حكت لي القصة، صار عمره ثمانين سنة، وعمرها أربعين! وكان أبو سمير ما يزال في بقايا عافيته، ولو أنها صحة متوعكة! ولكنه عائش، وما شاء الله حوله! قالت لي يومها:” ها أنا عندي اليوم كومة من البنات والصبية، صار أكبرهم في العشرين من العمر، ويستطيع أن يشتغل وينتج في ظروفنا الصعبة هذه. “
– وهل سنعيش أكثر من أربعين سنة يا مجنونة؟ بعدين الأعمار بيد الله يا بنت الحلال، ممكن أن نموت قبله..ألم تشاهدي ابنه مهيوب وقد استشهد قبل سنين؟ ياالله، قومي ناقشي أبو مهيوب في الموضوع، وإذا كان موافقاً فليكن العرس يوم الخميس القادم، ستعملين أول خميسية معاه! وستجدين أن ريقه قد جفّ، بعد أن ماتت أم مهيوب، يا حرام! منذ خمس سنين وهو محروم من رائحة الحريم!
– من قال لك إنه محروم؟
– المكتوب يقرأ من عنوانه يا محترمة. لو كان أبو مهيوب متصرفاً في هذه الأمور، لكان وضعه الصحي متدهوراً، أو لظهرت عليه علامات الولدنة. ولكنه رجل شغِّيل ومحترم، وأهبل حريم!
– ألا يجوز أنه تالف جنسياً، ونحن نراهن على حصان خاسر؟
– نسأله عن رأيه في الزواج، ونرى !
– أنا موافقة، وربنا يستر، ويكون معنا!
*****
تعمل ماجدة إبريقا من الشاي، وتنادي أبو مهيوب وتغريد، فتجلسان معه في حديث مسائي جديد من نوعه، حيث تسأله ماجدة : “كم سنة مضت على وفاة أم مهيوب الله يرحمها؟” فيجيب أبو مهيوب وقد فاجأه السؤال : “حوالي عشر سنين.” فتبلع ريقها الذي جف وهي تواجهه بهذه الوقاحة: “ومن يومها وأنت صائم عن النساء؟ دعنا نحكي بصراحة! الصراحة مليحة يا أبو مهيوب! ” يتلفت الرجل حوله مستغرباً وهو يقول:” الحمد لله، أنا رجل عفيف. لكن لماذا تسألين هذا السؤال؟” فتحاول تغريد زيادة الطين البلة بقولها:” نحن نريد أن نداعبك، ونخفف عنك نكد الحياة والعمل والسوق وآلام أخبار فلسطين التي تهد الجبال!” فيتنهد المهدود ويقول:” الحقّ معك. تهد الجبال!” فتعالجه ماجدة من طرفها بسؤال ذي صلة:
“ما رأيك في الزواج يا أبو مهيوب؟ لو تزوجت، فهل ستكون سعيداً مع زوجتك وهل تنفع النساء، ولا حياء في الدين!”
يضحك الرجل بفتور ويقول: ” ما دام لا حياء في الدين، أنا لم أجرب، ولكنني أحتلم أحياناً، فأعرف أنني ما أزال بخير، ولكن ما علاقة الذي ينفع أو لا ينفع النساء بالدين؟” تضحك البنتان، وتضيف ماجدة : “المقصود تنظيم الشرع للزواج، وعلاقاته! والسؤال هو: ما دمت مقتدراً مالياً، فهل أنت بصحة جيدة، وترغب في الزواج؟” تتنشط فيه الحيوية فيقول متفائلاً والابتسامة تشرح وجهه:
” ولم لا ؟ فالعمل منتج والحمد لله، والأشياء معدن، والحياة دون زوجة فراغ قاتل. ومن ثم، فإذا أنجبت زوجتي أطفالاً، فهم يسترجعون الشهداء أحياء. ولكن من هي المرأة المحترمة التي تقبل بي في مثل هذا العمر؟” تضغط ماجدة على دواسة بنزين الخطة إلى الآخر إذ تقول له:
“إذا كانت المرأة متوفرة وجميلة ومحترمة، وبنت ناس محترمين، فهل تقبل بها؟” – لا أقبل بها فقط، بل أرجوها أن تقبل هي بي! أنا رهن إشارتها!
– فكرنا أنا وتغريد أن نُزوِّجك أجمل زيجة، فما رأيك؟
– من هذه التي سأكون سعيد الحظ في زواجي منها؟
– تعني أنك ترغب في الزواج؟
– الزواج سترة، ونوع من العبادة، وإذا كانت بنت الحلال محترمة، فأنا موافق! فتقول ماجدة:
“اسمع يا أبو مهيوب، لا حياء في الدين، أنا وتغريد فكرنا كثيراً في موضوعنا هذا، وبعد حوار طويل، قررنا أن نعرض عليك الزواج منا نحن الاثنتين، أعني أن نزوجك نفسينا على سنة الله ورسوله! خاصة وأن كتابك مكتوب علينا، وبشهادة ولي أمر كل واحدة منا، ونحن نحبك، ونحب العيش معك، وكل واحدة منا ستعيش معك في غرفتها تحت سقف منفرد، والزواج غير محتاج لأي شيء، ما دام الكتاب مكتوباً، ومن كتب كتابه فهو متزوج!”
يفاجأ أبو مهيوب، ولا يعرف كيف يواجه هذا العرض المدهش، وكيف يتجاوب مع هذا الوضع الذي لم يكن في الحسبان، فهو رجل ملتزم بكونه محرماً، ولكن الطرح معقول ومقبول، وهما ابنتان محترمتان وشريفتان، وتريدان الستر، بدل الذهاب والإياب مع مَحرم غير مُحرّم، وحتى هذا التصرف السابق ليس مقبولاً في الإسلام، فلماذا لا يدخل على الخط، ويوافق على الزواج، مادام على سنة الله ورسوله؟ وبعد مناقشة طويلة مع نفسه، تأكد من موقفه وحزم أفكاره، وقال لهما: “لقد فاجأتماني بالخبر السعيد هذا، ولكن.. نعم على سنة الله ورسوله! ولم لا! لقد نسيت أن كتابينا مكتوبان، ولم لا! فأنا.. ولكن!”
تمسك ماجدة بيده وكأنها تبايعه بعلاً لها: “لا لكن، ولا ما يحزنون! حضِّر نفسك، واستعد لليوم السعيد!” فيقول وقد وضعت الشمس والقمر في يديه: “ومتى سيكون اليوم السعيد هذا؟”
– نفكر أن يكون زواجك من تغريد يوم الخميس القادم، أي بعد ستة أيام، تشترون فيها بعض الملابس والذهب.. وهنا تتجرأ تغريد مضيفة: “ويكون زواجك من ماجدة يوم الخميس الذي يليه، ليكون معكما وقت لشراء متطلبات عرس ماجدة، فما هو رأيك؟”
يبتسم الرجل بين مهبول وملهوف ومصدق ومرعوب من المسؤولية ولكن.. فيقول: “أنا موافق!” تصمت تغريد، وتكمل ماجدة: “ونحن موافقتان، وهكذا نستطيع أن نتمم الزواج من دون عرس، ولا شهود، ولا..!”
*****
يأتي يوم الخميس السعيد، فتكون تغريد هي العروس الأولى، فينجح أبو مهيوب في المهمة، ويثبت هيبته زوجاً فعلياً لهذه المعلمة الجميلة، إذ يشق الشمامة الزهرية، فتفوح من جنباتها رائحة عطرية أشهى من ياسمين يافا المفضل لديه..يشعر في ثناياها بمتعة من يتعبّد في محراب تملؤه المحبة واللّذة..يدفن رأسه في أريج ساحرة من ساحرات ألف ليلة وليلة، ويشمشم بأنفه المحروم عطور الجنة.. جواهر لم يحلم بها، ولم يصدق نفسه أنه يعيش معها وفيها وبها.. وفي لحظات كثيرة يعود فيحاول التأكد فيما إذا كان في حلم، أم في علم، فيقرص خدّه، ثم يتأكد أنه موجود في هذه الجنة الساحرة.. طبعاً هو لا يعرف نظرية (أنا أقرص خدِّي، إذن أنا موجود!) ولكنه يعرف مقولة (بس بتطلع بعيوني بالليل، ياعيني بالليل!) لا يتطلع بعينيه فقط، بل يتحسس بأصابع يديه وأنفه وفمه ولسانه وقلبه، وذلك أضعف الإيمان.
وفي الخميس التالي يستطيع أن يخترق كل القيود الجميلة، والغلالات الشفافة الزهرية التي تحف بالعروس ماجدة..إنها عملية انقضاض على قرص عسل شمع نقي طاهر شفاف جميل مثير للشهية، ومفتِّق للغدد الهرمونية التستسترونية الذكرية، فيروح فيها يغرق يغرق..يكثر العسل فترتخي مفاصله، وتتهدل شفاهه، ثم ينام نومة أهل الكهف!
وبعد الزواج، تتحسن صحة الرجل، وتنفتح شهيته للأكل، وتصير الحياة في نظره ملونة، وينجح أبو مهيوب في أن يكون طيباً وعادلاً ومنصفاً لكلا الزوجتين، فلا تتغيّر الطبخة الواحدة، وأما الذي يتغيّر فهو زيادة الضحكات والجلسات والسهرات السعيدة، وتتغير ملابس المعلمتين داخل المنزل، فتصير شفافة وقصيرة ومغرية، وتتغير مواعيد عودة الزوج من العمل، فلا تعود تغيب الشمس إلا وهو يقف لهما بباب الدار، والزوجتان العاشقتان تستقبلانه بحفاوة وترحيب، وتتسابقان في خدمته، وإحضار الماء الساخن المملح، ليضع قدميه فيه، وهذا طعام شهي وصحي يا أبو مهيوب، واسمع هذه الحكاية الحلوة يا أبو مهيوب، وهذا خبر مفرح يا أبو مهيوب..فيتنقل الرجل الخمسيني بينهما من دلال الشمام إلى دلال العسل!
*****
لابد من إشهار الزواج، فيتصل أبو مهيوب بابنته خديجة هاتفياً، ويبلغها بزواجه الميمون، فتباركه خديجة باكية.”
ما لك تبكين يا ابنتي؟” فتقول له ودموعها تنساب على خديها:” تذكرت أمي رحمها الله..مبروك يا أبي، ألف مبروك..لقد كفيت ووفيت، ونحن لا ينقصنا سوى محبتك!”
وكما يطلب منها أبوها، ففي زيارة خاصة، تُبلغ خديجة جارتهم أم غازي بأن والدها قد تزوج من ابنتيهما تغريد وماجدة على سنة الله ورسوله، وأنه كما قال لها؛ لم يخن العهد، فالزواج قد تم على البعد، بسبب ظروف البنتين الصعبة في الغربة، وأن الزواج ستر، وأنه نوع من العبادة!
تصعق أم غازي بالخبر الذي لم تتوقعه أبداً، وتقول :” معقول أن يتزوج أبو مهيوب من تغريد! لا، أنت تمزحين، ولكنها مزحة سمجة! مزحة بذيئة! أبوك لا يفعل هذا، أنا أعرفه!” فتخاف خديجة من صدمة الخبر، ولكنها تصر على توصيل الرسالة قائلة:
” هذا ما أبلغني به بالهاتف، قال إن الزواج قد تم، وأنت تعرفين أن أبي لا يمكن أن ينقل لي خبراً كهذا على أنه مزاح ثقيل!” تقعد أم غازي على الأرض، وتصمت، ثم تبكي بكاءً مراً وهي تقول: “هذا جنون! هذا غير معقول!” تبلغ عائشة زوجها بالخبر، فيستنفر الرجل ويصرخ قائلاً :
” لا! لا! غير معقول! غير ممكن! لا يمكن أن يعملها أبو مهيوب! فأنا أعرف الرجل.. يصمت قليلاً ثم يتردد بقوله: ولكن في هذه الأيام أنتِ لا تراهنين على رجل! وهل بقي رجال في هذه الحياة! صحيح إنه (اللي استحوا ماتوا!) ولكن هذه خيانة لكل الأعراف والأعراض والعادات والتقاليد والشرف والكرامة والأمانة والأخلاق والممتلكات! طيب! تلقّى وعدك يا أبو زفت!” وتردف عائشة قائلة: “قال اسمه أبو مهيوب قال! فيضيف أبو غازي:
” قولوا بعد اليوم؛ أبو مقتول، وليس أبو مهيوب! سأقتله وأشرب من دمه!” وتخبط عائشة بيديها على صدرها وهي تقول: “الخائن! العجوز المتصابي! “
وبعد تفكير عميق في الموقف، وتصرف ذكي من قبل عائشة، التي يجب عليها أن تخفف من مصاب زوجها، لأنها تخاف عليه أن ينجلط، أو أن يفور ضغطه المرتفع بطبيعته، أو أن يتفاقم السكري في دمه، فيموت! فتقول:
” لكن يا أبو غازي، الزواج تم على سنة الله ورسوله !” فيحتد أبو غازي قائلاً :
” (شوفي) كل شيء بالاتفاق، نحن لم نتفق مع المجرم، إلا أن يأخذ قرشين مقابل مرافقته للبنتين! صار حاميها حراميها! طيب! حسابك معي يوم تعود يا أبو مقتول !

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق